مهنَّد العُقْبي…الدم الفلسطيني يطارد سافكيه

عبداللطيف مهنا

كان من الطبيعي أن يثير مشهد هروب الجندي الصهيوني المدجج بالسلاح أمام صولة فدائي بئر السبع، الشهيد مهنَّد العُقْبي، الأعزل الذي انتزع سلاحه من اعدائه ليطاردهم ويرديهم ما بين قتيل وجريح في مركز المدينة  الفلسطينية النقبية المحتلة، كل ما اثاره وعجَّت به شبكات التواصل الاجتماعي من تعليقات وتعقيبات عاكسة لردود الأفعال على مثل هذا الحدث البطولي المثقل بالدلالات، وأن تأتي من الجانبين، الغزاة المحتلين ومقاوميهم الفلسطينيين.
في الجانب الأول، سخط لايكتم خزياً يمازجهما ذعر. والثاني، سخرية تزدري بآلة بطش فتَّاكة حوَّلتها الدعاية الصهيونية ورفد الغرب لها بآخر مبتكرات القتل المتطور الى اسطورة يتغنون بها، ومباركة وافتخار ببطولة فتى النقب الأعزل وفدائيه الشهيد…من هذه السخرية، مثلاً، نعت هذه الأسطورة المزعومة ب”جيش البامبرز”!
في الدلالات، ونتوقف هنا فقط لنشير إلى اهميها، وواحدهما، الإزراء بأسطورة الجيش الذي لايقهر، وبالصوت والصورة، في هذا المشهد النقبي الحافل بكل ما عناه ورمز إليه ويغدو المعنون لراهن هذه المرحلة النضالية الفلسطينية، وثانيهما، هو أن هذا الشعب الصامد المكافح سيظل عصياً على الانكسار، ولن يفرِّط بحقه في استعادة كامل وطنه السليب، وإن كل جيل يتلو سابقه من اجياله، في الماقبل النكبة والمابعد النكسة وشتاتاً، هو بحكم تراكم موروثه الكفاحي ومعاناته اليومية الصاقلة لبأسه والمغنية لتجربته النضالية يأتي الأصلب والأشد تمسُّكاً بهذه الحقوق والأكثر اصراراً على استعادتها من ما سبقته من اجيال. لعل هذه واحدة من آيات هذه الحالة النضالية الفلسطينية الراهنة المحتدمة والمتصاعدة…دلالتان يمكن اختصارهما في إن المواجهة هى ما بين باطل يتسلَّح بكل ما ترفده به بواطل الغرب الاستعماري من آخر مبتكرات الموت فائقة التطور، وقضية عزلاء لاتُسلِّحها إلا ارادة شعبها، ولا يحُصِّنها إلا حق غير قابل للتصرُّف وعدالة لاتثلم حدها القوة، ولا يحفظها ويديم جذوتها إلا صمود وتضحيات وعناد شعبي لايتوقف عن ابتكار المتيسر من اشكال المقاومة، يرفده إيمان بإنه إذا كان للباطل من جولة فإن للحق وحده في نهاية المطاف مآل الانتصار.
ثلاثة اسابيع وثلاثة أيام ازدادت فيها مطاردة الدم الفلسطيني لسافكيه في كامل فلسطين، وأيامها باتت شاهدة على أن آلة فتكهم الهوجاء مرتبكة وعاجزة وعمياء تتلمس طريقها بصعوبة باحثة عن سكينٍ مقاومٍ. فشلت سياسة “كي الوعي”، وكان حصادهم من بيدرها راهن ما يخشونه وهو الاستنزاف، وأن يصلوا حد أن تعرض بلديات لجمهورها من المستعمرين دروعاً واقيةً من الطعن بأسعار مدعومة، وأن يصرخ مانشيت في صحيفة من صحفهم: “اسرائيل لم تعد مكاناً آمناً للعيش”.
…اسابيع أيامها يتأكد فيها يوماً بعد يوم ما قلناه في مقالنا السابق من أن جيل مابعد الكارثة الأوسلوية قد هبَّ فالتقط الراية، رفعها عالياً وليس في نيته تسليمها إلى من تجاوزهم ولا يلتحقون به، وكل ساعة تمر سوف يضاف إلى هذه الأيام الفلسطينية جداً ما سيضيفه الدم الفلسطيني الزكي المقاوم في لحظته النضالية المصيرية الفارقة، وهو أن لامعنى للمقاومة بأشكالها المتعددة إن لم تك المسلَّحة واسطة عقدها، ولا من جدوى للتنظيمات على اختلاف راياتها وايدولوجياتها إن لم يك الكفاح المسلَّح هو المتسيد لمبادئها، بل ما لنا وللنضال الوطني برمته إن لم تك بوصلته التحرير وهدفه العودة…
ثلاثة اسابيع وثلاثة أيام كانت اكثر من كافية لأن يتذكَّر نتنياهو وكيري وبان كي مون “اوسلوستان” فيهبوا لاستلالها من قوقعة مقاطعتها لاحتواء الهبَّة الثورية الشعبية المتعاظمة والحؤول دون تطورها المتسارع نحو الانتفاضة الثورية الشاملة. كيري يلتقي نتنياهو في برلين وينتوي أن يلتقيه مع ابي مازن في عمان، ويوقظون الرباعية من غفوتها، ويهيئون لنقاش لذات الهدف في مجلس الأمن…كيرى يريد اختصار قضية بحجم قضية فلسطين باجتراع تهدئة تنجم عن توافق اردني صهيوني، ولابأس إن رُفد بأوسلوستاني، على “توضيح معنى الوضع القائم” في الحرم القدسي الشريف!!! أما بان كي مون، الذي سبق الجميع إلى فلسطين المحتلة ممهداً، فليس هناك ما هو اسوأ مما تنتظره القضية عادة منه من قوله بعد لقائه بنتنياهو وحلوله في رام الله ومنها : “أنا مصدوم عندما ارى شباباً يرفعون السلاح ويحاولون القتل”…صدمته لاتساوي فقط بين الضحية والجلاَّد وإنما تدين الضحية!!!
…ثلاثة اسابيع وثلاثة أيام تقول بإن المقاومة ليست خياراً وإنما ضرورة وجود وسبيل بقاء، أما انجازاتها، وعلى باهظ كلفتها، فكافية لأن تثبت أن التضحيات وحدها تظل سبيلنا الموثوق للحفاظ على قضيتنا وصونها من غوائل راهن التناسي العربي الرسمي وضروب التواطوء الدولي المتآمر لتصفيتها، وأن هناك فارقاً ضوئياً بين مقاومة السكاكين الشعبية الراهنة وتلكم المسماة بالشعبية والمراد لها أن تظل الموسمية وعلى الطريقة البلعينية…وإن القرار الوطني بات من الآن فصاعداً ملكاً حصرياً لملتقطي رايته والمستعدون لأن يستشهدوا وهم يرفعونها…اسابيع تردد أيامها بأن مهند العُقْبي ومن سبقوه وسبقنه الى الشهادة أو لحقوا ولحقن به اليها، في القدس، والخليل والجليل، وغزة، ورام الله، وصدموا بان كي مون، وحدهم، ومن سبقهم ويلحقهم على ذات الدرب،ومعهم الجرحى والمعتقلين، هم الممتلكون، وأيضاً حصراً، لامتياز حق الممثل الشرعي الوحيد للحالة الفلسطينية في هذه اللحظة النضالية المصيرية الفارقة التي يسطِّرها ويؤطرها ويوجهها ويحدد مسارها ويصنع مآلاتها الدم الفلسطيني المقاوم على التراب العربي الفلسطيني المنتفض…