بنيامين نتنياهو وأدولف هتلر

سميح حمّودة

جامعة بيرزيت

 

ثمة جملة من القضايا التي تثيرها تصريحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو حول مسؤولية الحاج أمين الحسيني، ومن ثمَّ الشعب الفلسطيني، عن جرائم الزعيم النازي أدولف هتلر ضد اليهود الأوروبيين خلال الحرب العالمية الثانية، إذ لا يقتصر الأمر أولاً على الكذب الصريح في أنَّ المفتي رحمه الله غيَّر نوايا الزعيم النازي من ترحيل اليهود خارج أوروبا إلى قتلهم وإبادتهم، فنازية هتلر لم تكن تحتاج للمفتي كي يشجعها على جريمة الإبادة الجماعية لليهود، بل كانت عقائدها تسمح وتشرعن إبادة أيَّة مجموعةٍ بشريةٍ لا ينسجم وجودها مع مصالح الرايخ الثالث، ومن هنا مورست الإبادة ليس ضدَّ اليهود وحدهم بل وضد الغجر والمتخلفين عقلياً وذوي الإعاقات الجسدية، والذين أسمتهم النازية بالآكلين غير النّافعين، فهم عبءٌ على الاقتصاد ومن الحسن التخلص منهم.  فأمر الإبادة إذاً يقع خارج نطاق العلاقة التي قامت بين هتلر والمفتي.  ونتنياهو يتغافل حين أطلق كذبته عن حقيقة أنَّ هتلر خطَّط لإبادة اليهود، الذين كرههم كرهاً شديداً منذ صباه، ومضى بها خطواتٍ متقدمة، قبل أن يلتقي بالمفتي بأكثر من سنة، إذ كان لقاؤهما الأول يوم الجمعة 21 تشرين الثاني 1941م، في حين كانت قد أبيدت أعدادٌ كبيرةٌ من اليهود قبل هذا التاريخ، فكيف يكون المفتي مسؤولاً عن طرح فكرة الإبادة على هتلر قبل أن يلتقيه؟

إنَّ مراجعةً دقيقةً لمباحث اللقاء بين هتلر والمفتي، كما أوردها المفتي في مذكراته (نشرتها دار الأهالي بدمشق سنة 1999م، وهي بين الصفحات 108-112) تبيِّن أنَّ هتلر هو من تحدَّث عن مشروعه ضد أسماه اليهودية العالمية ورغبته بحلّ المسألة اليهودية حلّاً جذرياً، فلم يكن المفتي هو من أثار الموضوع أو طرح حلَّ الإبادة، بل كان هو مستمعاً لآراء الزعيم النازي ليس إلاّ، وركَّز في نقاشه على الحصول على إعلان من قبل الزعيم الألماني يتعهد فيه باستقلال الدول العربية الخاضعة للاحتلال البريطاني بعد أن تنتصر ألمانيا في الحرب.  كما أنَّ نتنياهو يغفل أنَّ الحركة الصهيونية وبريطانيا لم تستطيعا تقديم المفتي لمحكمة نورمبرغ، التي حاكمت مجرمي الحرب، لعدم وجود أيِّ دليلٍ يثبت تورطه في جريمة الإبادة الجماعية لليهود، ومن هنا رفضت فرنسا، والتي كانت تعتقله في فيلا في إحدى ضواحي باريس، تسليمه لبريطانيا أو يوغوسلافيا، التي اتهمته بالمساهمة في قتل الصرب خلال الحرب.

ثانياً تثير تصريحات نتنياهو قضية مسؤولية الشعب الفلسطيني بأكمله عن التحالف السياسي بين المفتي والنازيين، فلو فرضنا جدلاً أنَّه كان للمفتي دورٌ في جريمة النازية ضد اليهود فهل يعطي هذا إسرائيل الحق في الانتقام من الشعب الفلسطيني؟  بالنسبة لنتنياهو فإنَّ طرح هذه القضية كان للحصول على مثل هذا الحقّ، وبالتالي تبرير سياسته الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني برمَّته، وهذه ليست المرَّة الأولى التي يستخدم فيها نتنياهو قضية العلاقة بين المفتي وهتلر، فقد ذكرها عدة مرّات في الماضي، إحداها أثناء هجومه على اتفاقية أوسلو وتبرير موقفه الرافض لها، فهو لا يريد السلام مع الشعب الذي باعتقاده كان مشاركاً في إبادة اليهود.  وموقف نتنياهو هذا يذكرنا بموقف الزعيم الصهيوني أوسشكين الذي رفض في بداية الاحتلال البريطاني لفلسطين مصافحة المفتي محمد كامل الحسيني، الشقيق الأكبر للحاج أمين، أثناء حفلةٍ أقامتها الحكومة البريطانية في القدس، لأنَّ المفتي بزعمه من أبناء إسماعيل المسؤولين عن اغتصاب بنات اسحق، فالعداء للفلسطينيين وكرههم واحتقارهم والدعوة لإبادتهم سلوكٌ واعتقادٌ جوهريٌ في العقيدة الصهيونية، ويبحث زعماؤها عن أية مبررات لهذه الكره المتأصِّل.

لكنَّ نتنياهو في لجوئه لهذا التبرير مدعوٌ ليقول لنا ما هو موقفه من عشرات الزعماء الفلسطينيين الآخرين، مثل عوني عبد الهادي ورشيد الحاج إبراهيم وأحمد حلمي عبد الباقي باشا وراغب النشاشيبي وسليمان طوقان وحسين فخري الخالدي، الذين أدانوا النّازية ووقفوا مع دول الحلفاء ضدًّها.  وما موقفه من آلاف الفلسطينيين الذين انضمّوا للجيش البريطاني لمحاربة النّازية والفاشية؟  لماذا يقرأ نتنياهو نصف النصّ ولا يقرأ النصف الآخر.

القضية الثالثة حول هذه التصريحات تتعلّق بالموقف الصهيوني من النازية، فنتنياهو مطالبٌ أيضاً بتحديد موقفه من الاتفاق النازي الصهيوني المعروف باتفاقية هعفراه، والتيأبرمت بين الوكالة اليهودية الصهيونية وألمانيا النازية بتاريخ 25 آب 1933م، وهدفت للمساعدة في تسهيل تهجير اليهود الشباب لفلسطين، بشرط أن يتنازل اليهود عن ممتلكاتهم لدولة ألمانيا.  وتمَّ فعلاً تهجير حوالي خمسين ألف يهودي في السنوات اللاحقة، وخصوصاً خلال الحرب العالمية الثانية وحتى العام 1942م، بناءً على هذه الاتفاقية، وتم شحن ممتلكاتهم إلى فلسطين كبضائع ألمانية مما ساعد الاقتصاد الألماني النازي والذي كان تحت الحصار، فكان اليهودي الذي توافق الوكالة اليهودية على هجرته إلى فلسطين، وقد سعت هذه الوكالة لتهجير القادرين على العمل وحمل السلاح وليس كل يهودي يريد أن ينجو من خطر الموت على أيدي النازيين، يودع أمواله في بنك في ألمانيا، ويشتري هذا البنك بها آلات زراعية وآلات عسكرية ومعدات ويرسلها إلى فلسطين، وهنا يأتي المهاجر اليهودي فيستعيد ثمنها من حساب للوكالة اليهودية في بنك في فلسطين، فالصهاينة تعاونوا مع النازية لفك الحصار الاقتصادي عنها حتى وهي تقوم بعمليات الإبادة الجماعية لليهود.  لماذا يحذف نتنياهو هذا الأمر من روايته الانتقائية والكاذبة لما جرى خلال الحرب العالمية الثانية؟

لقد كتب عديدون حول التعاون النازي الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، ورصد مؤرخون وباحثون الترحيب الصهيوني بالنازية منذ بدايات صعودها على المسرح السياسي الألماني والأوروبي، ومن هؤلاء الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس في كتابه الوجه الآخر للتاريخ: العلاقات السريّة بين النّازية والصهيونية، والباحث فرانسيس نيكوسيا الذي نشر بالإنكليزية دراسته العميقة والمستندة للوثائق الألمانية حول العلاقة بين النازية والصهيونية في كتابه The Third Reich and the Palestine Question.  كما عرض نورمان فنكلستاين في كتابه صناعة المحرقة لسياسة إسرائيل والمنظمة الصهيونية في تحويل مأساة اليهود الأوروبيين خلال الحرب إلى وسيلة لابتزاز المال من ألمانيا ومن البنوك السويسرية، باستخدام قوة الشيطان الأكبر أمريكا وبتلفيق الأكاذيب وبالتهديد والوعيد، ويوضِّح فنكلشتابن كيف سرقت إسرائيل أموال الضحايا اليهود وحوّلتها لتمويل ميزانيتها، ولم تعطهم سوى القليل من حقوقهم.

القضية الرابعة التي ينبغي الانتباه إليها في أنَّ نتنياهو بحديثه عن علاقة المفتي بإبادة اليهود يكشف عن بنية أفكاره وحقيقة سياساته تجاه الفلسطينيين، ويقدِّم لنا تفسيراً لامتناع أجهزة دولته الأمنية عن القبض على المستوطنين اليهود المجرمين الذين حرقوا عائلة دوابشة في دوما ورقصوا بسعادة وسرور حول البشر الذين كانوا يحترقون ويصرخون من الألم، فهؤلاء في عرف نتنياهو لم يقوموا سوى بفعلٍ رمزيِّ لما يجب أن تقوم به إسرائيل من الانتقام من الشعب الذي تسبب بأعظم كارثة تعرَّض لها اليهود، فحرق الفلسطينيين أمرٌ جيد ولا يستوجب الملاحقة القانونية ولا العقوبة.  نتنياهو شخصٌ مريضٌ عقلياً ونفسياً يريد أن يقود المنطقة لحربٍ مدمِّرة لن يكون شعبه بنجاةٍ عن الاكتواء بنارها، إن لم يضع حدّاًلمستقبله السياسي.