كفاح المرأة في الثورة الفلسطينية

د. فايز رشيد

المرأة الفلسطينية فتاة كانت ,أم أو زوجة هي عصب رئيسي في  الثورة الفلسطينية  تاريخيا, وفي الإنتفاضاتين :الأولى والثانية والثالثة الحالية . دورها في المقاومة يتخذ أشكالا متعددة : مباشر في الإشتباك مع العدو أو في مناولة  الحجارة للشباب ,كما يجري حاليا ويراه  الناس على شاشات التلفزة … هؤلاء الصبايا الملثمات بالكوفية الفلسطينية أو العلم الفلسطيني , وبطريقة غير مباشرة يشاركن في إعداد الاجيال  من الشباب الممتلىء إيمانا بقضية شعبه الوطنية, والمستعد للتضحية بالروح في سبيلها ومن أجلها, ولولا هذه التربية العقائدية للأبناء من قبل المراة الفلسطينية لما كانت كل هذه التضحيات الفلسطينية الهائلة على مدى قرن زمني!. كم من الفدائيات الفلسطينيات قمن ويقمن بعمليات عسكرية؟ كم منهن  قدن  مجموعات فدائية ؟. كم من الأسيرات في السجن؟ وكم؟ وكم . المقصود القول : أن المرأة الفلسطينية  لم تغب مطلقا عن مشهد صراع شعبها مع العدو الرئيسي: العثماني والبريطاني من  قبل والصهيوني حاليا. النقطة الدقيقة والمفصلية في نضالات المرأة الفلسطينية , أنه لم يكن مسموحا لها المشاركة في النضال العلني ,الذي اقتصر على الرجل, وذلك  نظرا للظروف الاقتصادية – الاجتماعية التي عاناها الشعب الفلسطيني بشكل عام , وفقا لمراحل تطوره الإقتصادي ,والآخر الوطني, ولايمكن الفصل بين العاملين, وتأثيرات ذلك على المرأة الفلسطينية بشكل خاص. القضية الأخرى … بحكم عوامل عديدة (ليس محلها مقالة صحفية وإنما بحث مستفيض) , لا يمكن الفصل بين واقع المرأة الفلسطينية  وواقع المراة العربية ,وبخاصة أن جزءا كبيرا من الفلسطينيين يعيشون في الشتات العربي, بالتالي فإن التأثر والتأثير بين طرفي المعادلة لا يمكن إنكاره. صحيح ان واقع المراة الفلسطينية تحت الاحتلال الصهيوني المباشر لا بد وأن يفرض سماته على ظروف المرأة ونضالاتها أيضا, ولكن عند استعراض قضية المرأة الفلسطينية علينا أخذه في العام وليس الخاص. علامة أخرى تركت تأثيرها المباشر على نضالات المراة الفلسطينية وهي: الثورة الفلسطيمية الحديثة وبالضروة الانتفاضتان السابقتان والانتفاضة الدائرة  حاليا. أيضا العامل الآخر فيما يتعلق بوضع المرأة تحت الاحتلال هو شدة إجرام قوات الاحتلال الصهيوني وفاشيته المطوّرة, وحدة استفزازاته. أيضا بعد فشل الأحزاب الوطنية والقومية والديموقراطية على المستوى العربي ( بفعل عوامل عديدة)  ولأن الطبيعة تكره الفراغ بالطبع , فإن قوى الشد العكسي, خططت لإعادة المرأة عقودا إلى الوراء بل قرونا سابقة !. قوى الشد العكسي أوقفت   حركة تطور المراة وحقوقها ,وعطلت جزءا ليس قليلا من طاقات المرأة الفلسطينية, لكن وعي المراة الفلسطينية لكل العوامل المذكورة, استطاع الحد من  اندفاعة قوى الشد العكسي تلك.

لم تستكن المرأة الفلسطينية  في أي محطة من محطاتها لتكن قي خضمّ الصورة، ولم تقبل بأقل من ان تكون شريكاً رئيسياً في النضال ومواجهة الاحتلال إلى درجة تحمّل تعذيبه وقمعه، فقدمت على مدار الثورة العديد من النماذج المشرقة التي كانت منارات نضالية وثورية ليس على صعيدي المرأة الفلسطينية وشقيقتها العربية فحسب, بل على صعيد المرأة على النطاق الإقليمي والآخر العالمي.ورغم أن مجتمعنا لا يتصف بالكثير من الإنصاف بحق المرأة عموماً، الا ان للمرأة المقاومة مكانة خاصة تكسر كل حواجز التمييز ضدها، وتدفع المجتمع لإبداء احترام خاص لتضحياتها ودورها النضالي.

اليوم نعيش أجواء انتفاضة فلسطينية جديدة، وكعادتها المرأة الفلسطينية لم تبق حبيسة منزلها بل خرجت للشارع وشاركت بفاعلية في المواجهات ضد قوات الاحتلال لتكون في وجه بطش آلة القتل الصهيونية تشارك في الاعتصامات، المظاهرات وفي تنفيذ العمليات البطولية.

 شهدت  وتشهد الانتفاضة الشعبية التي تدور نضالاتها في ربوع وطننا الحبيب، مشاركة كبيرة  عبّرت عن حجم كفاح المرأة الفلسطينية, وجسدت الوعي والإدراك من المجتمع لدور المرأة في العقلية الفلسطينية، والتي قوبلت بردود فعل مرحبة من المتابعين لهذه المشاركة في غالبيتها الساحقة,ولكن هذا الترحيب لم يخلُ من جهل واضح بواقع المناضلات الفلسطينيات وما سبق وأن قدّمنه ويقدّمنه في مواجهة الاحتلال، فسارع الكثيرين لاعتبار ما يحدث تطور عجيب على مسيرة المرأة الفلسطينية و دورها، وفي ذلك اجتزاء واضح للصورة والنضالات التي قدمتها هذه المرأة عبر كفاحها الطويل.

ومن مناضلاتنا الفلسطينيات : الشهيدة حلوة زيدان ,الشهيدة شادية أبو غزالة  ,فاطمة غزال ، ميمنة عز الدين القسام ،طرب عبد الهادي ،عقيلة البديري، نبيهة ناصر ، الأختين مهيبة وعربية خورشيد ، عادلة فطايري ، يسرا طوقان ، فاطمة أبو الهدى ، نجلاء الأسمر ، حياة البلبيسي ، جوليت زكّا ، فاطمة برناوي ، عبلة طه ، لطيفة الحواري ، خديجة أبو عرن ، ليلى خالد ، ريما بلعوشة زهيرة أندراوس,أمينة دحبور ,دلال المغربي,دعاء الجيوسي ,لينا النابلسي ,شروق دويات، وهديل الهشلمون اللتين تعرضتا لإطلاق النار بدم بارد بقصد القتل من قبل جنود الاحتلال فاستشهدت هديل واعتقلت شروق, وهذا إن دل فإنه يدل على أن المرأة الفلسطينية مستهدفة لهويتها ولدورها الوطني.

المرأة الفلسطينية شاركت في المواجهات وبكثافة، وتشارك في العمليات الفردية التي بدأت تبرز في الفترة الأخيرة كوجه من أوجه النضال ضد هذا المحتل الغاصب، صمود كراجة ابنة الـ27 عاماً فتاة فلسطينية أقدمت على تنفيذ عملية فدائية وطعنت جندياً صهيونياً على حاجز قلنديا العسكري شمال القدس، صمود أكّدت أنها لم تفكر كثيراً، وما كان يدور بخاطرها هي بضع تساؤلات تدور كلها حول “كيف لهذا الغاصب المحتل أن يمنعني من دخول أرضي؟ ولماذا عليّ أن أقبل هذا الواقع المُذلّ بأننا دوماً بحاجة لإذن من الاحتلال لأيّ فعل أقوم به”، وكانت تُجيب على هذه التساؤلات كلّها بعبارة واحدة وهي “سأوصل رسالتي بالقوة”.”عندما نفذت عملية الطعن شعرتُ أن سكيني أعظم بكثير من دولة إسرائيل، أقوى من أسلحتهم، صوتي أعلى من صوتهم، فلسطين هي أمي”، هذا ما قاتله كراجة في وصفها للحظة تنفيذ العملية.

هذا هو الوجه المشرق لنضال شعبنا الفلسطيني، هذه هي الصورة المكتملة، فالمرأة ليست جديدة ولا تابعة، بل هي شريك أساسي، في الماضي والحاضر والمستقبل، والأكيد أن المرأة الفلسطينية ستكون في كل محطات النضال رقماً صعبا لا يمكن تجاوزه.كانت دماء الشهيدات آيات الأخرس، ووفاء إدريس، وريم الرياشي، وهنادي جرادات، وميرفت مسعود، وأم الاستشهاديات فاطمة النجار، زيتاً ووقوداً أشعل الانتفاضة .وفي عتمة السجون، تسطع الأسيرات الفلسطينيات وهجاً وصموداً، منهنّ القيادية في الجبهة الشعبية الأسيرة خالدة جرار، عضو المجلس التشريعي الفلسطيني، والأسيرة لينا الجربوني عميدة الأسيرات الفلسطينيات، والنماذج كثيرة لا يمكن أن تتسع لهن مقالة لذكرهن جميعا، فنبع العطاء الفلسطيني لاينضب ولا يمكنه أن يجف.ننحني إجلالا لنضالات المرأة الفلسطينية في الكفاح ضد هذا العدو المابعد فاشي…  كل التحية للمرأة العربية أيضا.