تحرير العقل

عادل سمارة

يتحرر العقل فيما يخص العربي وغير العربي في مستويين:

المستوى الأول احترام المضيىء من التراث

والمستوى الثاني عدم الانبهار بالخطاب الأجنبي فقط لمجرد كونه أجنبياً.

 إن التقليل من شأن الفكر والأدب العربي ، المقولات العربية مقابل الافتخار او الاستعراض بمقولات غير عربية هو أمر محزن ومسيء. إن ذكر مقولة لكاتب غربي وذكر اسمه، بينما يتم ذكر مقولة لشخص عربي دون ذكر اسمه هو إما سرقة الفكرة أو احتقار العربي أو التشاطر على أن العرب لا يعرفون، وهذا اشد بؤساً.

 مثل هذا السلوك أو الموقف هو  امر محزن بل ومخيف.

لا أريد ذكر اسماء، ولكن، في تعليق لمعلق رصين في فضائية محترمة لا أريد الإساءة له ولها، تحدث ذلك الرجل مساء هذا اليوم السبت، واستشهد في حديثه بقول ل بيير بورديو (وهذا مفكر كبير لكنه يخف كثيرا حينما يتأرجح بين الماركسية واللبرالية وما بعد الحداثة)، وذكر آخرين ربما ايضا فرانكفونيين كما أعتقد فقدنسيت الأسماء، لا فرق وذكر اسمائهم كي لا يُتهم بسرقة مقولاتهم او عدم احترامه لهم. حتى هنا الأمر جيدا.

ولكن الرجل أخذ عجز بيت شعر للشاعر العربي السوري العباسي من منبج “دوقلة المنبجي” في قصيدته المعروفة باسم “اليتيمة”. والعجز هو: “والضِدُّ يُظهر حسنه الضدُّ”.

والبيت هو بعد البيت التالي:

فالوجه مثل الصبح مبيضٌ…. والشعر مثل الليل مُسودُّ

ضِدَّان إن ما اسْتُجمِعا حَسُنا…والضد يظهر حسنة الضد.

بيت الشعر هذا برأيي هو تكثيف لقانون في الجدل “الديالكتيك -وحدة وصراع الأضداد. وهذا سابق على كارل ماركس بحوالي 14 قرنا. فهو اكتشاف التضاد بالفطرة والفطنة معاً، وطبعا دون ان يعطيهما الرجل شرحا فلسفيا.

وفي نفس القصيدة يقدم صورة ديالكتيكية أخرى وأكثر فنية حين قال:

من طول ما تبكي الغيوم على…عَرَصاتها ويقهقه الرعدُ

(العرصات: الساحات)

لاحظوا الصورة: الغيوم تبكي والرعد يسخر منها إلى حد أنه يُقهقه!  البكاء يناظر بل يُضاد القهقهة.

والقصيدة هي في حب دعد ومطلعها:

هل بالطلول لسائل ردُّ….أم هل لها بتكلُّم عهدُ

إلى ان يقول:

لهفي على دعدٍ  وما حَفِلت… بالاً بحرٍّ تلهُّفي دعدُ

ومناسبة القصيدة أن دعد كانت امرأة جميلة وواثقة بنفسها وذواقة شعر. تقرب لها الكثيرون فقررت الزواج ممن يكتب فيها افضل قصيدة.

كتب دوقلة قصيدته وذهب إلى المكان الذي تقرر فيه اللقاء والتباري.

وفي الطريق التقاه رجل وخلال حديثهما اكتشفا أنهما ذاهبان لنفس الهدف والمكان، فاقترح الرجل أن يقرأ كلاهما قصيدته للآخر.

وجد الرجل أن قصيدة دوقلة افضل فقتله وأخذ قصيدته.

وحينما ألقاها بين يدي دعد قالت: أقتلوا قاتل زوجي” حيث أدركت أنه فقط دوقلة الذي يكتب هذا.

وطالما صاحبنا المحلل/المعلق يعتبر العجُز من بيت الشعر قيِّماً إلى حد الاستشهاد به، فلماذا لم يذكر دوقلة، بينما ذكر الفرانكفونيين؟  لا أعتقد أن ذلك صدفة ولا هو لضيق الوقت ولا حتى لأنه يعتقدبأن كثيرين يعرفون أن بيت الشعر لدوقلة أو حتى سمعوا به وبالتالي لم يجد حاجة لذكر اسم دوقلة.

قبل اشهر كتبت صديقة مقالة في جريدة الأخبار اللبنانية، واستشهدت بمقولات لجيفارا، وفانون وربما ماو وذكرت اسمائهم، واستشهدت بمصطلح “استدخال الهزيمة” وهو لي توصلت إليه وصغته منذ عشرين عاماً وورد في عنوان كتابي “اللاجئون الفلسطينيون بين حق العودة واستدخال الهزيمة” وفي كتابي “ثورة مضادة، إرهاصات أم ثورة” وهي تعرف ذلك. وحينما أرسلت لي المسودة، كتبت لها لماذا لم تذكري اسمي؟ أقترح إن لم تذكري إسمي ان لا تستخدمي المصطلح. لكنها استخدمت المصطلح ولم تذكر اسمي! وكنت “شاطرا” حيث تابعت الجريدة وقرأت المقالة.

نحن بحاجة للتأسيس للكثير من الأمور كي نبني خطابنا. وهذا لن يتأتى إن لم نُنصف أنفسنا كما نُنصف طوعاً كما ننصف  الآخرين جزعا أو استعراضاً.