تعريفات 10

احمد حسين

ألسَيِّد

 

ترددت قبل أن أن أكتب عنه. عرفت أنه لم يترك لأحد فرصة ليفيه حقه. وأنني سأظلم نفسي من ناحية وأعرضه للغبن من ناحية أخرى. سيقول البعض أنني أجامل وليتني أستطيع، فلم أعتد على المجاملة، رغم أنها ليست عيبا إذا خلت من غرض النفاق، وفرضها عليك الإعجاب  ومودة العقل. إلا أنه لا حماية للنوايا إلا عند من تفرد بالعلم بها. وسبق أن رُميتُ بالفظاظة ظلما، لتجنبي للمجاملة. فقلت ليكن ! فتهمة الفظاظة خير من تهمة النفاق، التي لا تبقي من صاحبها شيئا في الدنيا، وتزكيه في الآخرة بأن يُعرض بمعية الشيطان.

أليس مما يقطع بالدهشة، ويصدم التوقع، أن يأتي من ضآلتنا التاريخية المعاصرة، فجأة، عربي أطول قامة من المرحلة التي سجدت  أمامها كل القمم في عالم القوة ؟ ليس هذا فقط، بل وأن يواجه عنفوانها مبادرة، ويمرغ  أنفها في التراب. لم يكن ملكا، حاشاه، أو أميرا، أو صاحب منعة إلا بنفسه وإيمانه وفرادة نموذجه المقدام وغير المكرر في التاريخ. فحينما يستنجد التاريخ المخذول، بنخبه غير العادية، في مراحل التعثر  التطوري،لا يجيبه إلا من هو أرفع من العظيم العادي. فكيف إذا كان هذا العظيم  عربيا، في مرحلة هانت فيه على العرب أنفسهم وهانوا فيها على الناس جميعا، فجاء يحمل على كتفيه ثقلا مضاعفا، ثقل فجور الآخر، وثقل مواجهة الذات.

أكثير هذا الكلام على السيّد ؟ قرروا أنتم إذا كان كثيرا على من فتح  باب الحضور التاريخي عنوة، أمام شعب عاش قرونا في عتمة الغياب،لا تأتيه الشمس إلا من ورائه. العقل المنصف سيقول : الحقيقة الناقصة تصنف مع الكذب. والرجل فعل أكثر من هذا. لقد أحدث تحولا تاريخيا في مفهوم القوة، في أشد مراحل التاريخ استقواء وشرية وعنفا وإظلاما، وأثبت أن لوجستية القوة الحاسمة هي الإنسان، وليست حاملات الطائرات والقنابل الذكية وأسلحة الدمار الشامل. لقد انعكست رموزية ما فعل على وجدان المستضعفين  ماديا  ومعنويا في عصره، فتغيرت واستعيدت فيه مفاهيم ومصطلحات وعلاقات وقيم، كان الطغيان قد أوشك على محوها، والوعي قد أوشك على نسيانها. ربما يقال، وبحق : كثيرون غيره فعلوا مثل هذا على مر التاريخ، ولكن هيهات ! لم تكن القوة  الشر في عصرهم حليفة لمطلق القدرة ومطلق الشر ومطلق الهيمنة. ولم يكن فيها النصير الإفتراضي حيا يذكر. ولم تكن الصهيومريكية هناك. وفي زمن السالفين كان السلاح الذي يحمله المستعبَد قريبا جدا من السلاح الذي يحمله الجندي الروماني. أما هو فقد كان بينه وبين هدفه من قوة الشر، ما يستطيع ردع العالم بأسره. كان عليه أن يهدم في طريقه كثيرا من السدود التي بناها سادة العصر. وأول هذه السدود الإستراتيجية سد الخوف. كان عليه  أن يحاربه أولا وينتصر عليه، ليصبح  الفعل واردا في الحساب، وفعل. وكان عليه أيضا أن يواجه احتجاجات العقل على فداحة الإقدام وإنكار الإمكان. ولو لم يكن  لديه من قوة الخير وإيمان العقل والقلب وغضب  الحق، ما قربه من المعجزات، لطال تردده. كان كما يبدو يؤمن أن الإنسان مؤتمن على كرامته من الله. وأن التكليف الصعب يتناسب طرديا مع الوجوب. وأن الشهادة سبيل عقلي وإيماني. فهي قانون معرفي في حسابات الظرف الموضوعي، واقتصاد الحياة : ( إذا لم يكن من الموت بد فمن العجز أن تموت جبانا ). أين احتمالات الخطأ في هذا القانون الذي يدمغ بالصدق كل حجة للتخاذل ؟  إذا كان الهرب لا ينجي من الموت فسوف يموت الهارب مرتين، موت الغفلة وموت الهوان. وفي عصره، شكل العرب مخالفة وجودية. مأساة تشبه النكتة. عداءا عفويا مع عقل العلم والعالم. أصبحوا سبة تطورية نادرة تشبه الأعجوبة. مجدوا العيش ولم يمجدوا الحياة. فأنساهم الله أنفسهم، فضاعوا في براري الذات الخربة يتبعون الصدى. فمن أين جاءت إذن تلك القامة المعرفية الباذخة، وتلك الرؤية  الإنسانية  المدهشة التي اكتشفت  أن الخلاص كمون أودعته قوانين الخلق في الإنسان. لا خلاص خارج الإنسان الذي يعي  حركة قوانين الخلق في البشر. لاخلاص إلا بالعقل العارف  بالوعي، لأن العقل يعرف ويعي ويتعلم ولكنه لا يعلم. يرى ” القانون العالِم  ” لحركة الوجود، فيعرف أنه مصدر العلم الوحيد، فيتبعه بإيمان العقل المجرب.  ولا خلاص إلا بوسيلتي المعرفة والأيمان، المعرفة الإرادية  بموجبات سياق حركته  المفعولة (بما هو إنسان)  والإيمان  بقوانين العلم ( بوصفها غيبية المصدر. هي ما هي)، لا يطالها وعي سوي وعي التسليم  بسنة الخلق.

لعلي سمعت كل كلمة مما قاله السيد في توجهاته الخطابية، وهذا ما سمعه عقلي وادركه وعيي. لم أسمع فقيها غير مسؤول عن وعيه، لأنه يعتبر اجتهاده ممثلا قطعيا للنص القرآني. سمعت رجلا عارفا يثقل تواضعه الصادق على المحبين والمعجبين. رأيت عالما لا يؤمن بجدلية القول والفعل بل بجدلية الفعل والفعل، ويعتبر القول وسيلة للتبليغ لا شأن لها بدون الفعل. إنه عقل العظيم بفعله الذي  لا يريد الإعجاب إلا لدعم مهمة الفعل.  الفعل في الأمام والإعجاب في الخلف، ولعل من أسرار عظمته أنه  ربما يكون الوحيد الذي ليس في سيرته إعجاب سابق على فعله. لقد استدعته المهمة واستدعاها ليحققا معا معادلة الحياة الإنسانية الحقة.هكذا استطاع أن يجيئنا فجأة  برجال من الفلاحين والعمال والفقراء والناس العاديين الذين يشبهوننا بكل شيء سوى أنهم مثله قادرين على الفعل غير العادي.  عرفنا ذلك بعد أن رأينا الواحد منهم يدخل بين نابي الأفعى فيؤدي مهمته أولا، ويعود بعد ذلك أو لا يعود. ومن عاد فإلى أكاديمية  المحارب، حيث تنمو روحه وجسده ووعيه وسلاحه ساعة بساعة، وتنمو معها وطأته ومعرفته وعلاقته بصحيحه الإنساني والوطني.

لم يدهش عالم الوعي والمقاومة والتخطيط  أحد مثله. خسرت إمبراطورية القمة الصهيومريكية أمامه نصف كبريائها في معركة واحدة، حشرتها في زاوية المكابرة. وفتح أكاديميو العدوان الغربيين أفواههم مذهولين أمام ما لا يخطر ببال. إنهم أعلم الناس بإمبراطورية الشرق الأوسط الصغيرة التي طالما قالوا أنها تملك جيشا من أقوى وأكبر جيوش العالم وأفضلها تدريبا وتسليحا. فكيف استطاعت آلاف معدودة من المقاومين في لبنان هزيمتها في معركة وجه لوجه. ولم يقولوا أنهم كانوا وراء تلك الإمبراطورية الشرق اوسطية بكل ما يملكون ويعرفون، وأنها جزء عضوي من إمبراطوريتهم العالمية الصهيومريكية  والصهيوروبية، حتى لا تفتضح  كبرياؤهم الجريحة. ولكن المكابرة تزيد من هزيمة الكبرياء. ولعل الغرب كان يفضل أن يُهزم حلفهم  الأطلسي في أي مكان في العالم  عل  أن تهزم امبراطوريتهم الصهيومريكية الصغيرة في الشرق الأوسط. فهي من جوهر استراتيجيتهم في الهيمنة العالمية، وهوية إمبريالية أولى لمشروعهم العالمي. لقد عرفوا بعد ما حصل، أن كل شيء قد تغير على مساحة حلمهم الإمبراطوري الهمجي. لم يعودوا في مأمن على مستقبلهم الإمبريالي من الشعوب التي امتلكوا مصيرها عنوة. لقد دخلوا سجل الحقد والكراهية والبلبلة  العالمي ولن يخرجوا من سياق السقوط المحتم أبدا. لقد سقطت كل لوجستياتهم البنيوية الإستقوائية التي اعتادوا عليها، ومؤهلاتهم المنحطة علميا وعمليا وإنسانيا، التي اعتمدوا عليها في نفي الاخر من حساباتهم، وفاجأهم الآخر، بتوقه الإنساني المتأزم  إلى الخلاص من نموذجهم الكريه، وبنيويتهم  الداعشية، وكهنوتهم السياسي في تأليه الغرائز، وقبحهم المعرفي والحضاري الذي  يضاهي بتفاهته  ومسوخيته عوالم  البدء، حيث كانت السعادين تُقدّم على البشر لأن لها أقفية لامعة. هذه هي الحضارة الغربية الصهيو مريكية التي هزمها السيد بومضته العظيمة.

كل ذلك فعله بهم ابتداء، السيد ورفاقه الذين أثبتوا أن السيكلوب ذي العين الواحدة  ظل على ضخامته قاصرا عن وعي معادلة الوجود، لأن طرفي المعادلة بحاجة إلى عينين اثنتين لرؤيتهما. مخلوق كهذا أحادي الرؤية، كان بحاجة  إلى رجل بعينين اثنتين، يرى  بهما طرفي الحق وطرفي الحقيقىة  كالسيد، ليثبت له أن معادلة الوجود، ليست قفا لامعة. إنها معادلة علمية لا تقوم على بريق قوة الأنا، وإنما على امتثال وعي البشر لإنسانيتهم  العظيمة.

ما استطاعه السيد مع تلاميذه القليلين يعادل ما كان على أمة من اربعمائة مليون مستعبد أن تفعله لو لم تكن تعبد حضارة السيكلوب بإخلاص كهنوتي لامع مثل أقفية السعادين. فإذا لم يكن عظيما، فما هي العظمة ؟