عرب عربسات

ثريا عاصي

 

كأنّ لغة العرب تجعّدت. كأنّ رؤوس العرب أُفرغت يوم نطق الأمير القطري في القاهرة، اشمئزازاً وتجبّراً، مقولته الشهيرة «العرب نعاج». أعتقد أنّ ذلك حدث بمناسبة التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار في قطاع غزة بين حماس من جهة، وبين المستعمرين الإسرائيليين من جهة ثانية، تحـت رعاية حكومة الأخوان المسلمين في مصر وأمراء قطر.
يا للمصادفة حيث اجتمع في قطر، حماس والإعلام العربي و«المفكر العربي» وشيخ «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» !! يحسن التذكير هنا، لعلّ الذكرى تنفع، أنّ الأمير القطري نجح في طرد مندوب الدولة السورية من جامعة الدول العربية.
قالوا إنّ الديمقراطية في العراق ستنتشر عدواها لتعمّ بلاد العرب جميعاً. كذبت النبوءة! ثم زعموا أنّ الشرارة التي انطلقت من تونس وأشعلت «ثورة ً» هناك هي فاتحة «الربيع العربي» الذي ستتساقط أثناءه الديكتاتورية في الجمهوريات العربية العليلة ! كذبت النبوءة مرة أخرى. لا يُصدّق وعد الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية إلا الجاهلون والأغبياء.
من الطبيعي أن تصير الديكتاتورية معولمة في زمان العولمة؛ أعني بذلك أنّ الحكومات في الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وانكلترا على سبيل المثال، أخضعت في الواقع، الليبيين والعراقيين وهي تحاول منذ خمس سنوات أن تُخضع السوريين لديكتاتوريتها المعولمة، رغم أنّ كل حكومة منها تسلّمت السلطة في بلادها برضى شعوبها، أي بالوسائل الديمقراطية. هذا من الناحية النظرية، فأنا صراحة لا أظنّ أنّ حظ الرجل الأسود كمثل حظ الرجل الأبيض في أميركا وأوروبا، مثلما أنّي على يقين من أنّ «الديمقراطية الإسرائيلية» لا تضمن للفلسطيني حقه.
ما أودّ قوله بعد هذا كله، هو إنّ الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية تفرض ديكتاتورية حقيقية على العالم، فلا يأمن قولها وشرّها إلا الديكتاتورية الصديقة، التي تأتمر بأمرها وتتجنّد دفاعاً عن مصالحها، بالضدّ من الدكتاتورية المشاغبة التي تعصى، أحياناً، على الإمبريالية فلا تلبّي كل ما تطلبه منها.
من البديهي والحال هكذا، أن تلجأ الإمبريالية عندما تعترضُ دولةٌ سياستَـها، إلى «تطويع» الإعلام، أو إلى إسكاته. إذ من المعروف أنّ الديكتاتورية، سيّان الوطنية أوالمعولمة، وحرية الفكر والتعبير، هما على طرفي نقيض.
ليس من حاجةٍ هنا إلى براهين للدلالة على أنّ آل سعود والحاشية الخليجية التي تتبعهم اشتروا بأموالهم وودائعهم في المصارف الأميركية والأوروبية حق الانضمام إلى نادي «الدكتاتوريات» الصديقة للديكتاتورية المعولمة. من المحتمل أن لا يكون هذا الحق دائماً، وإنما هو مقابل اشتراك.
تحتاج الديكتاتورية إلى إيهام الناس بأنّ حدثاً قد وقع، من دون أن يكون هذا الحدث قد وقع فعلاً، كما أنّه يلزمها بين الفينة والفينة أن تخترع «حقيقة» هي ليست حقيقة أو أن تلفّق كذبة، أو اتهاماً، لتزرعه في عقول الناس التي تتلقّى ليل نهار الإشاعات المُسرَّبة من وكالات ومعاهد متخصّصة في التأثير النفسي. الأمثلة كثيرة لا تُحصى. «عندما تقع الحرب فإنّ الحقيقة تكون أول الضحايا».
لا غرابة في أن يُستخدم قمر الاتصالات عربسات في بلوغ الهدف الذي وُضع من أجله، عندما تفرض الديكتاتورية المعولمة حالة الطوارئ و تمارس الرقابة على الإعلام و تتنصّت على الأشخاص و تطبّق الأحكام العرفية، فتعلّق العمل بالقانون وتُصادر الكلام.
أسكتوا جميع الفضائيات حتى لا يسمعنا ولا يرانا العالم. يريدوننا أن نموت خنقاً.

:::::

“الديار”، بيروت

http://www.addiyar.com/