ملاحظات في الاقتصاد الروسي

ملاحظات في الاقتصاد الروسي وردا على الطابور السادس والثورة المضادة حلقة (3)، عادل سمارة

                        

الأزمة الاقتصادية الروسية الثانية 2009

 

تواصل نمو  الاقتصاد الروسي بعد أن تجاوز ازمة 1998 إلى أن انفجرت الأزمة المالية الاقتصادية –الممتدة حتى اليوم- في المركز الإمبريالي عام 2008. وهنا يجب ان لا يغيب عن البال أن الاقتصاد الروسي هو اقتصاد راسمالي من جهة وبالطبع منخرط في السوق العالمية مما يقود بالضرورة إلى تأثره بتطوراتها. فلا يجب ان ننظر إليه كما لو كان اقتصاد نظام غير راسمالي أو ضمن منظومة غير راسمالية.

فيما يتعلق بنموه قبل أزمة 2009، فبعد أزمة 1998، لم يقل معدل نمو الاقتصاد الروسي عن 7% خلال تسعة أعوام، بل وصل  عشية الأزمة الجديدة أي عام 2007  الى 8.1%. وخلال هذه الفترة قاد تراجع الفقر، نسبة من هم تحت خط الفقر  إلى توسع الطبقة الوسطى مجدداً. وعادت ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد الروسي حيث قفزت الاستثمارات الخارجية من 14.6 مليار دولار عام 2005 الى 45 مليار دولار عام 2007. (سنرى في مقال لاحق كيف أصبحت الاستثمارات الأجنبية في روسيا الاتحادية قيدا ضد نجاح الحصار، أو الحصار المنفلت،  الذي تحاول هذه الدول فرضه على روسيا بعد أزمتي أوكرانيا وسوريا، وهذا يعكس سهولة انسحاب الاستثمارات الأجنبية من روسيا حينما بدأت أزمة 1998.

أتت الأزمة الاقتصادية الروسية تالية للأزمة الاقتصادية المالية في المركز الراسمالي لتكون ضمن سلسلة بدأت من الولايات المتحدة فالاتحاد الأوروبي لتصبح أزمة عالمية .

وهنا لا بد من ملاحظة، فمن تتبع المؤتمرات الاقتصادية سواء للدول السبع الراسمالية الغنية أو توسعتها إلى دول العشرين كان يرى بام العين أن هؤلاء المؤتمرين كانوا يطالبون دول المحيط بان  لا تقوم بأية إجراءات حمائية لسواقها، اي أن تطبق الشعار الإرهابي حقا: “تحرير التجارة الدولية”. وكل هذا بالطبع كي تستمر الإمبرياليات الغربية في امتصاص او تجريف ثروات بلدان المحيط. طبعا أنظمة الخليج التي تزعم انها إسلامية كانت ولا تزال تقدم فوائضها طوعا وبدونية بما فيها الصناديق اليادية لإنقاذ سادتها!

  وكما اشرنا في مقال سابق، فإن الحرب مع جورجيا كان لها دورها في هذه الأزمة، تماما كما كان للأزمة الشيشانية دورها المكلف لروسيا، في أزمة 1998 بمعنى أن هذه الأزمات في روسيا  لم تكن أسبابها داخلية خاصة، وإن كان الاقتصاديون والمؤسسات الرأسمالية الغربية ينسبون أسباب الأزمتين إلى عوامل روسية داخلية ويركزون  على نقد دور الدولة في الاقتصاد الروسي انطلاقا من المنظور النيولبرالي الذي يرفض تدخل الدولة المحلية في اقتصادها. هذا مع العلم أن دول المركز الراسمالي تتدخل في اقتصادات الدول الأخرى!

بدأت مشكلة جورجيا حينما قام ميخائيل ساكاشفيلي الرئيس الجورجي بدقع قواته للتوغل في أوسيتيا الجنوبية مدعومة بقرار امريكي وتسليح وتدريب إسرائيلي.  وقد تم طرد قوات جورجيا من العاصمة الأوسيتية الجنوبية المدمرة إلى خارج حدود هذه الجمهورية المتمردة على جورجيا، وملاحقتها إلى مدينة جورجية هي غوري والتي لا تبعد عن العاصمة تبليسي سوى ستين كيلومتراً. وبعدها قامت القوات الروسية بالانتقال إلى أبخازيا وطرد الجورجيين من وادي كودوري الاستراتيجي، أو المنطقة الوحيدة التي كانوا يتواجدون فيها في ابخازيا، وأيضاً ملاحقتهم لإبعادهم عن حدود هذه الجمهورية المتمردة الأخرى عليهم. ثم محاصرة جورجيا بحراً بوضع اليد على أهم موانئهم البحرية مدينة بوتي، ناهيك عن الضربات الجوية الماحقة التي وصلت حتى مطار العاصمة تبليسي والتي طالت عديد القواعد العسكرية الجورجية.

لقد أُسقط في يد ساكشفيلي حينما نحى الأوروبيون إلى معالجة الأمر بالمرونة. (لاحظ تشابه الموقف تجاه القرم لاحقا وإلى حد ما أوكرانيا ومنطقتي جدانسك ولوجانسك). أما الكيان الصهيوني فتعهد بإعادة تسليح وبناء جيش ساكشفيلي بتمويل أمريكي، مع مساعدات أمريكية عسكرية مباشرة بلغت قيمتها الملياري دولار.

لم ينظر الاقتصاديون البرجوازيون إلى الأزمة الاقتصادية الروسية هذه من منظور الأسباب الحقيقية، بل اعتبروا أن دور روسيا في هذه الحرب هو أحد اسباب الأزمة بل السبب الرئيس، أي لم يقولوا بأن الحرب فُرضت على روسيا!  كما انهم استخدموا الخطاب الإيديولوجي البرجوازي لزعم أن من اسباب الأزمة القلق من تدخل الدولة في مصالح الشركات الكبرى الاستراتيجية ( كما اشرنا فزاعة العودة للشيوعية) والهبوط الحاد لأسعار نفط الأورال الخام الذي فقد 70 بالمئة من وضعية الارتفاع الحاد الذي وصل 147 دولاراً في 4 تموز 2008.

في بداية هذه الأزمة سارع المصرف الدولي إلى التنبؤ بخطورتها على روسيا منطلقا من رؤيته بانها تعتمد على أسعار سلعة واحدة هي النفط، تماماً كما كانت رؤيته للاقتصاد السوفييتي، واقتصاد روسيا في الأزمة السابقة. ولكن دون أن يحتفظ بخط رجعة بالقول بأن روسيا في وضع أفضل من غيرها من الدول الصاعدة لأن لديها احتياطي نقدي يحول دون حصول صدمة قوية فيها من جهة، ومن جهة ثانية نظرا لوجود سلطة البرجوازية القومية التي تعمل على إعادة بناء الاقتصاد دون ارتهان للمركز الراسمالي الغربي.

ادت الأزمة العالمية بالطبع إلى تراجع الطلب على صادرات روسيا من النفط والمعادن مما ضرب حصتها في التجارة الدولية نظرا لتدني أسعار صادراتها. وبالطبع قام المستثمرون الأجانب مجددا بسحب بلايين الدولارات من روسيا بسبب التوتر السياسي مع الغرب إثر الحرب مع جورجيا. وهو موقف ليس بالضرورة ناجم فقط عن قلق اقتصادي بحت. وهوما يؤكده موقف المصرف الدولي الذي ارتكز على زعم  التخوف من قيام السلطة الروسية بالتدخل بقوة في الاقتصاد، وهي التعلَّة الكلاسيكية بالطبع والتي تجد تبريرها في الإصرار على أن السلطة في روسيا هي أقرب إلى الشيوعية منها إلى الإيمان باقتصاد السوق، وهذه هي الفزاعة نفسها التي تتوكأ عليها الدول الغربية حتى اليوم.

هذ المخاوف التي ارتكزت بالطبع على رؤية الغربيين لمواقف فلاديمير بوتين وخاصة النقد الذي وجهه إلى شركة الفولاذ ميشيل، التي مسحت بلايين الدولارات من رأسمالها السوقي. وفي ايلول 2008. وطبقا للمصادر الغربية فقدت سوق الأسهم الروسية 54 بالمئة  من قيمتها. وقد تضاعفت الأزمة نظرا لتقلبات أزمة العقارات في الولايات المتحدة.

وبالطبع ترفض المؤسسات المالية الدولية ما صرح به الرئيس الروسي مدفيديف ورئيس الوزراء بوتين ووزير المالية كوردين بان تدهور سوق الأسهم الروسية هو نتيجة لأزمة السيولة المالية في الولايات المتحدة وبأن المسببات الداخلية في تلك الأزمة لا تكاد تذكر. هذا مع العلم أن معظم اقتصادات العالم تأثرت بالأزمة الأمريكية ربما باستثناء الاقتصادات ذات الدور الهامشي في السوق العالمية.

 وترتكز المزاعم الغربية على آراء لمسؤولين روس سابقين بأن الأسباب داخلية وخاصة موقف بوتين من شركة ميشيل ونقده لشركات أخرى على عدم الشفافية. وهي مواقف لها علاقة بالصراع بين اجنحة البرجوازية الروسية، وخاصة البرجوازية قومية الاتجاه مقابل البرجوازية المافيوية والكمبرادورية التي كانت تتراجع أمام ضغط البرجوازية قومية الاتجاه والتي  لم تتوقف المؤسسات المالية الدولية عن اتهامها بانها تحمل التراث الشيوعي.

بل ذهبت الصحافة الأميريكية (وول سريت  جورنال و جازيتا.رو)  للزعم بأن الروس قد تبنوا نظرية المؤامرة بان الإدارة الأميركية أوعزت إلى المستثمرين الأمريكيين بسحب استثماراتهم من روسيا عقابا لها على حربها ضد جورجيا. وكأن الإدارة الأمريكية بعيدة عن سياسات كهذه!

وحقيقة الأمر أن روسيا في هذا الأمر لم تذهب لأبعد مما تذهب إليه الدول الغربية. ففي هذا السياق، قدمت الحكومة الروسية في تموز 2007 مشروع قانون ينص على منع بيع أسهم أي شركة إستراتيجية إلى المستثمر الأجنبي إلا إذا وافقت على ذلك لجنة حكومية مختصة يرأسها رئيس الوزراء. وهذا كان أسوة بما قامت به الحكومة الأميركية حيث وقع الرئيس الأمريكي في 26 يوليو2007 على قانون يمنح هيئة الرقابة على الإستثمارات الأجنبية المزيد من الصلاحيات، ويطالب بالاستعانة بأجهزة المخابرات لمراجعة صفقات هامة موقعة مع المستثمرين الأجانب. وأعلن المفوض الأوروبي للتجارة في 24 يوليو أن المفوضية تقترح إحياء التعامل بـ”الأسهم الذهبية”، وهي الأسهم التي تحتفظ بها حكومات الدول الأوروبية، من أجل منع بيع شركات إستراتيجية هامة إلى المستثمرين الأجانب. فهل انتهى اذاً عصر التجارة الحرة؟. يجيب الخبير الروسي ميخائيل خازين على هذا السؤال: بأن التجارة الحرة “لم يعد لها وجود”وأنه لا بد من فرض المزيد من القيود على حرية الإستثمار، مشيراً إلى أن السبب هو أن حجم الموارد المالية التي “تتجول حول العالم”، ينمو أسرع من الموارد المادية. ما يمكن القول به هنا عن الموقف المريكي هو المثل الدارج: “يكاد المريب بأن يقول خذوني”.

وفي السياق نفسه، كان نقد بوتين لشركة ميشيل ، كما يزعم المضادين، هو السبب في تدهور اسمهما بنسبة 38 بالمئة، واتهام الشركة بأنها باعت مواردها إلى الروس بأسعار أعلى من تلك التي باعتها لبلدان أجنبية. وكذلك هجومه على يوخوي عام 2004 والذي رآه الغرب   متباينا مع محاولات مدفيدف أن يُظهر روسيا كبلد صديق للاستثمار، أو حاول اللعب على تفارق الموقفين. وطبعا في اليوم التالي أعلنت شركة ميشيل الندم وأكدت بأنها سوف تقوم بتعاون كلي مع السلطات الفدرالية، بينما تراجعت قيمة الأسهم بنسبة 15 بالمئة.

في هذا السياق يمكن رؤية دور العوامل الداخلية في الأزمة بمعنى مصالح الشركات الروسية التي ترتبط بالغرب سواء في ما حصلت عليه من استثمارات أو فيما يخص خلق شركات بنات لها لتسهيل تسريب الأموال إلى الخارج. وبالطبع، هذا مؤشر على الصراع داخل أجنحة الطبقة الواحدة في البلد، وهو يفتح من حيث التحليل النظري على تباينات أو صراع داخل مختلف الطبقات وليس فقط داخل طبقة واحدة.

ورغم محاولات بعض المسؤولين تهدئة الخواطر، بالقول ان على الجميع أن يعمل بشكل حضاري، فإن بوتين بعد ساعات قال بأن ميشيل تتجنب دفع الضرائب بخلق شركات مساعدة كفروع اجنبية لها لتبيع منتجانها دوليا. وهو ما قوبل بضغط من الإعلام والشركات الغربية مما قاد إلى تدهور اسعار الأسهم هذه المرة ب 33 بالمئة. وتساوقا مع الهجمة وتشغيل الإعلام ضد بوتين،  اعلن أحد المسؤولين الماليين الروس سيرجي اغناتييف مع بداية اكتوبر ان 50-70 بالمئة من المصارف على شفير الإفلاس. ولكن عمليا لم تغلِق سوى تسعة  مصارف  مع نهاية نوفمبر. وقد ابدت مصارف صغيرة ملامح الضعف لكن سمح لها بالاستمرار.

 

تدخل الحكومة:

في 8  ايلول امر الرئيس ميدفيدف  وزرائه بضخ 500 بليون روبل من ميزانية الدولة في السوق وأكد ان النظام المالي سوف يحصل على كل  الدعم الضروري.

   وفي 7 اكتوبر أعلن اضافة 36 بليون روبل إلى البنوك تالية ل 150 بليون كانت قد أقرت في ايلول. وفي  29 ايلول اعلن بوتين سياسة حكومية لإعادة تمويل الشركات الروسية التي كانت تعتمد على القروض الأجنبية. وأعلنت الحكومة مصرف فنشيكونوم كعميل أساسي لها في توزيع قروض الدولة على تلك الشركات. حيث وصل المبلغ الى 50 بليون دولار اي 8 بالمئة من الموجودات المالية الروسية من القطع الأجنبي. وفي نفس الوقت  أوصى بوتين المصرف المركزي بان يقوم بتمديد قروض الاستقرار غير المضمونة لدى البنوك الروسية. وهي خطوة حصل تنازع على تطبيقها، وبشكل مباشر سُميت لدى البعض ب “تأميم ناعم” ووُصفت بانها انتقائية.

غطت ال 50 بليون دولار جزءاً من الديون الأجنبية البالغة 477 بليون دولار وهي القروض الأجنبية لشركات روسية بينما كامل الموجودات الحكومية والمصرف المركزي مجتمعة هي 550 بليون دولار.

لكن الحكومة الروسية واصلت إجراءاتها. فأنفقت في 13 نوفمبر 222 بليون دولار امريكي اي 13.9% من انتاجها المحلي الإجمالي.  في نوفمبر كانت الدولة تنفق احتياطيها بمعدل 22 بليون دولار اسبوعيا.

إلى جانب ذلك، أعلن بوتين في 20 نوفمبر رزمة حكومية للآصلاح الضريبي تضمنت تخفيض ضريبة ارباح الشركات  من 24 بالمئة عام 2008، ألى 20 بالمئة، دون تغيير في ضريبة القيمة المضافة التي اقصاها 18 بالمئة عام 2009، مع توجه من قبل  الحكومة بتغيير في قواعد تراكم ضريبة القيمة المضافة لصالح دافعي الضرائب.

وفي ديسمبر  الغت الحكومة تعرفة الاستيراد عن المعدات الصناعية المستوردة من قبل الصناعات المعدنية والبناء والغابات والأنسجة، وفي الوقت نفسه زادت التعرفة على استيراد السيارات.

كما دعمت الحكومة صانعي السيارات المحلية بزيادة التعرفة على الواردات مما قاد إلى زيادة بنسبة 5-7 بالمئة على سعر السيارات المستوردة.

وهذه كانت مؤشرات النهوض مجددا. علماً بـن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة لا تزال تتخبط في نفس الأزمة التي بدأت فيها وتفشت في العالم باسره تقريبا.

ليس المهم خروج روسيا من الأزمة، بقدر ما ان الأهم عجز الولايات المتحدة عن تجاوز الأزمة، رغم الضخ الهائل لأموال العرب النفطية إليها سواء نقدا او ثمن بيع الأسلحة  والخبرات وتقنية الوجيست لاستمرار سلسلة الحروب التي تديرها انظمة وقوى الدين السياسي ضد الأمة العربية وبتعاون مع الكيان الصهيوني. نعم رغم كل هذا الولايات المتحدة عاجزة عن استمرار دورها الإرهابي المباشر عالمياً، وهذا تطور شديد الأهمية للتاريخ المقبل.