أشرف فياض .. إعدام شاعر

د. أحمد الخميسي

في 17 نوفمبر الحالي أصدرت محكمة سعودية حكما بإعدام الشاعر أشرف فياض على أساس أن سطورا مما جاء في ديوانه ” التعليمات بالداخل” الصادر في لبنان 2008 تعد دعوة للإلحاد ومساسا بالذات الإلهية. اللجنة التي قرأت وفسرت لجنة ” شرعية” لا علاقة لها بالأدب وتفسيره، فهي قراءة تتجاهل أن لكل علم ولكل فن قواعد في التعبير تواكبها قواعد في التفسير أيضا، ومن  ثم فإن القراءة الدينية للنصوص أدبية تشبه أن نقرأ الفيزياء على أساس بحور الشعر العربي! من ناحية أخرى فقد توارت منذ زمن أخلاقيات الحكم بالإعدام على شخص- أيا كان- لمجرد أن له رأيا أو معتقدا يخالف ماهو سائد أو شائع، ويشهد التاريخ على أن مصر قد حسمت هذه القضية منذ أن نشر اسماعيل عام  1936 مقاله ” لماذا أنا ملحد”، وما سجن ولا صدر ضده حكم بالإعدام واكتفى الآخرون بإشهار موقفهم مما سجله! لقد بدأت مثل هذه الأحكام فجر الفكر الانساني بمحاكمة سقراط عام 339 قبل الميلاد بتهمة إفساد عقول الشباب، وكان شيخا في السبعين حين أجبروه على تجرع السم، وانقضى نحو ألفى عام، لتدرك البشرية خلالها أن مصادرة الكتب وسجن الادباء وإعدامهم بلا جدوى، وأن كل ألوان القمع بل والموت لم تمنع بيتا واحدا من الشعر من التحليق عبر العصور. لا أحد يذكر الآن اسما واحدا لأحد القضاة الذين حاكموا جوستاف فلوبير حينما نشر روايته ” مدام بوفاري”، لكن البشرية كلها تقرأ ” مدام بوفاري” وتشعر بالامتنان للكاتب الفرنسي العظيم. ولن يتذكر أحد بعد عشر سنوات اسما من أسماء الذين صادروا” أولاد حارتنا” بينما ستظل البشرية تلهج باسم نجيب محفوظ. لا أحد يعرف الآن، ولا أحد يذكر من الذي أصدر أوامره بقتل الشاعر الإسباني العظيم لوركا، لكن البشرية كلها مازالت تتغنى بأبياته : ” أجمل الأيام تلك التي لم تأت بعد”. لا أحد يعرف ولا أحد يذكر من الذي حاكم شارلي شابلن في الخمسينات أثناء الحملة المكارثية على الفنانين، لكن البشرية كلها مازالت تضحك وتسعد بعبقرية شابلن. الحكم بإعدام شاعر هو حكم بامتداد حياة الشعر والفكر وقدرة هذه الحياة على التجدد. ويأتي ذلك الحكم المخجل في وقت تتصاعد فيه الحملات لوقف أحكام الاعدام من حيث المبدأ، وهي الدعوة التي بدأت عام 1955 بحملة شنها الكاتب آرثر كوستلر مطالبا بإلغاء تلك العقوبة، ومن بعده ألبير كامو الأديب العالمي بسلسلة مقالات كانت سببا من أسباب فوزه بنوبل. واعتبر ألبير كامو على حد قوله أنه : ” عندما يبارك القسيس حكم الإعدام يكون قد خرج عن دينه وحتى عن إنسانيته “. وتظل عقوبة الإعدام اجراء مخجلا لأنها طالما استخدمت سياسيا، وأشهر مثال على ذلك مهزلة المحاكمة الأمريكية لصدام حسين. كما أن مرتكب الجريمة فرد، أما الذين يحكمون فهم هيئة اجتماعية ولا يجوز لهيئة اجتماعية أن ترد على جريمة بجريمة! لهذا ألغيت هذه العقوبة في أربع وخمسين دولة نهائيا، كما أن سبعا وعشرين دولة لم تطبقها في السنوات الأخيرة، وهناك خمس عشرة دولة تطبقها فقط في ظل الطوارئ. الحرية والحياة لأشرف فياض، والحرية لكل رأي حتى وإن اختلفت معه.

:::::

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري