هذه تسوية ام تطبيع؟

ثريا عاصي

لا غلوّ في القول إنّ العمل السياسي في بلادنا يكاد أن يكون امتيازاً يتمتّع به أشخاص ورثوه أو اكتسبوه بأموال هي في أغلب الأحيان مجهولة المصدر، وغنيّ عن البيان أنّ «الزعامة السياسية» في لبنان هي أكثر خشونة في سلوكها مع رعيّتها، كلما كانت هذه الأخيرة ضعيفة، لا عون لها.
تجدر الملاحظة هنا إلى أنّ هذه الرعيّة تكون عادةً من أتباع «مذهب» من المذاهب الدينية المتعددة في بلاد أعتقد، شخصياً، أنّ التدين فيها صار أقرب إلى التحزب. مجمل القول إنّ العاملين في لبنان في حقل السياسة هم متشابهون إلى درجة متقدّمة، رغم أنّ مشاربهم مختلفة واتجاهاتهم متناقضة. ومهما يكن، هم يتّفقون ويتنافرون بحسب معايير يعرفون دلالاتها. يخطئون دائماً ولكنهم لا يرجعون طبعاً إلى الناس الذين يدّعون تمثيلهم. وأيّة خطيئة أعظم من استلاب الناس عقولهم وإرادتهم، وارتهان البلاد؟
التسوية، كما قال السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير، تعني الصّلح بين الأطراف المتنازعة، شرط أن يتقدّم كل طرف خطوة أو خُطى نحو الطرف الآخر. أي ببساطة، شرط أن يشحّل مواقفه حتى تصير متناسقة مع مواقف الطرف الآخر. هذا هو مفهوم التسوية. بكلامٍ آخر، صريح وواضح، تعني التسوية، اقتناع الأطراف المتنازعة بأنّ المشترك الوطني الذي يجمعها هو أكبر من «التفاصيل» التي جعلتها تفترق وتتحارب. هل هذا صحيح؟ ألا يحقّ للناس الذين تدّعي هذه الأطراف تمثيلهم أن يعبّروا عن رأيهم في السلوك الذي انتهجه كل من هذه الأطراف؟ إنّ الاعتراف المتبادل بين هذه الأخيرة لا يؤسّس، من وجهة نظري، شرعية حقيقية.
من البديهي أنّ حركة أمل وحزب الله لا يمثّلان جميع اللبنانيين المصنّفين رسمياً في خانة «المسلمين الشيعة»، بدليل أنّ السيد حسن نصرالله نفسه تحدّث عن «شيعة السفارة»، هذا من ناحية، أمّا من ناحيةٍ ثانية، فأغلب الظنّ أنّ الفريقين المذكورين ليسا متّفقين في عدد من القضايا، بالإضافة إلى ذلك، فمن نافلة القول إنّ حركة أمل وحزب الله لا يمثّلان «المسلمين الشيعة» الذين هم مسلمون وليسوا شيعة، أو الذين هم علمانيون يرفضون أن يُحشَروا، في ديانة أو طائفة أو مذهب.
في السياق نفسه، لا أظنّ أنّ اعتراف حزب الله أو حركة أمل، بتيار المستقبل ممثّلاً «للمسلمين السنّة»، يمنح هذا التيار أحقيّة النطق والتعبير عن الآخرين. ولا شكّ عندي، أنّ الأمر نفسه ينطبق أيضاً على المسيحيين، وعلى الموحّدين الدروز.
خلاصة القول، إنّ الشفاء من الدُّمَّل يتطلّب الَّشقَ الجراحي، وإنّ العقاقير والمراهم لا تنفع. واهمٌ من يعتقد أنّه يمكن إعادة تجميع كِسْراتِ لبنان في الراهن اعتماداً على ستة أشخاص أو أكثر، ولكن دون العشرة، يحتلّون صدارة الصفحات الأولى في الصحف، وعناوين نشرات الأخبار. تتأسّس الدولة على عقد وطني، يلتزم به الجميع. لا يخفى أنّ الأوضاع الحالية في البلاد ناتجة عن غياب هذا العقد الوطني الذي انفرط تحت تأثير عوامل خارجية. هذا يعني أنّه كان ضعيفاً، وأنّ عوامل داخلية سهّلت انحلاله.
ليس مستبعداً أن تكون هذه العوامل نفسها، مجتمعة، عائقاً يمنع الوصول إلى عقدٍ وطني جديد. كأن لبنان نموذج دامغٌ على أنّ زمن «الثورات الشعبية» ولّى وأدبر وأنه من الصعب، بل يستحيل في هذا الزمان، إعادة إحياء الدول التي يجري إسقاطها. نموذج كان يستحق الدراسة.

:::::

“الديار”، بيروت

http://www.addiyar.com/