صدام حسين ومعمر القذافي !

ثريا عاصي

لا تخفى على المراقب تعقيدات العلاقة التي كانت تربط بين الرئيس العراقي السيد صدام حسين من جهة وبين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في أوروبا من جهة ثانية. ولا التقلبات والمفاجآت التي تميزت بها الإتصالات والمبادلات بين الأخيرين وبين العقيد معمر القذافي.
مهما يكن لا يستوي البحث في هذه المسألة دون التسليم بأن «الدول العربية» لم تتحرر نهائياً من تأثير البلاد التي كانت تستعمرها سابقاً. لقد تبدى هذه المعطى بوضوح عندما انهار الإتحاد السوفياتي، ثم تأكد بصورة قاطعة في السنوات الأخيرة. التي تستحق بامتياز أن ننعتها بسنوات الحروب الإستعمارية وليس بسنوات «الثورات أو الربيع العربي» كما يحلو لبعض المنافقين أن يسميها.
توخياً للدقة والوضوح أقول أن الدول العربية لم تكن في الواقع دولاً تمثل أمة وطنية كاملة التكوين، ولم تكن مستقلة ذات سيادة شاملة على ترابها الوطني، وذات إرادة حرة في انتهاج السياسة التي ترتئي انها ملائمة لمصلحتها على الصعيدين الداخلي والدولي. بكلام آخر، كانت الدول العربية تمثل درجة من التكامل الوطني وتتمتع بنسبة من الإستقلال والسيادة. تختلف طبعاً، هذه النسبة وتلك الدرجة من بلد إلى آخر.
ما أود قوله هو انه يحق لنا أن نقيّم السياسة التي سلكها الرئيس صدام حسين أو العقيد معمر القذافي إعتماداً على التقدم أو التقهقر، في استكمال بناء الأمة الوطنية وفي تدعيم أسس الإستقلال والسيادة.
من البديهي أن الأوضاع السائدة اليوم في كل من العراق وليبيا لا تترك لنا مجالاً للشك في ان محصلة السياسات التي طبقها هذين الرجلين هي ضياع جميع الحقوق المكتسبة وانهيار الدولة وتشظي الجماعة الوطنية وتهتك جغرافية البلاد، فصار العراقيون والليبيون قبائل ومذاهب لا وطن لهم ولا دولة !
قد يقول قائل أن الرجلين وقعا في مصيدة المستعمر الذي استأمنوه. ولكن هل كان أمامهما خيارات غير الإنصياع لأمر هذا المستعمر ؟ الإجابة عندي أن كل منهما أوصلا بلادهما إلى مأزق خانق. أو قل انهما فشلا في معالجة الأخطار التي تتهدد بلديهما، وأغلب الظن أنهما لم يدركا مدى هذه الأخطار!
ولكن التسليم بأن الحاكم غشيم لا يعطي أذنا باستدعاء المستعمر أجل إسقاط الحاكم. كيف يؤاخذ هذا الأخير على الإنقياد إلى إملاءات الولايات المتحدة الأميركية وهذا عيب ارتكبه فعلا، ثم تُشرع البلاد أمام جحافل الغزاة وطائرات الحلفاء بقصد قصائه، هذا إثم اقترفته جماعات عراقية وليبية!
ولكن السؤال الجوهري هو لماذا تشجع الولايات المتحدة الأميركية مثل هذه الجماعات على التمرد ضد السلطة، وتسارع إلى غزو البلاد واحتلالها وتدميرها وتقسيمها برضى أهلها. يقول رئيس وزراء تركيا على ذمة وسائل الإعلام ان القوات التركية دخلت إلى العراق من أجل أن تحافظ على سيادة العراق !
يوم أعدم صدام حسين شنقاً في صبيحة عيد الأضحى، بينما كان يقرأ الشهادتين، سقط العراق. إن الذين نشروا صور الفاجعة إنما فعلوا ذلك عن عمد ليخبروا الناس انهم إنما أعدموا العراق. يمكننا أن نعتبر في نفس السياق، أن الذين قتلوا معمر القذافي، سواء من الجو أو على الأرض، وبالأسلوب الذي أعدم به الرجل، إنما كانت غايتهم ألا تقوم للدولة في ليبيا قائمة!
عندما نبكي اليوم صدام حسين، أي بعد وقوعه بأيدي الأميركيين وبعد إعدامه، إنما نبكي العراق ونبكي أهله الذين كانوا يقفون إلى جانبنا كلما اعتدى المستعمرون الإسرائيليون علينا. وعندما نبكي معمر القذافي، بعد إغتياله، تعذيباً وسحلاً، إنما نبكي ليبيا التي أعانت مصر، في زمان عبد الناصر، على إعادة بناء الجيش والإستعداد للحرب، نبكي ليبيا التي أعطت كثيرا لحركة التحرر الوطني الفلسطيني. كفى عبثا بتاريخنا!

:::::

“الديار”، بيروت

http://www.addiyar.com/