مقال من الماضي الحاضر :

 

القنطار: لنا أجمل الأمهات ولهم أرض تأكل مُحتليها *

محمد طعيمة

  ماذا لنا وماذا لهم. لنا الأرز والسنديان والزيتون والبرتقال، وهم لم يورثهم أجدادهم شجرة واحدة يتفيأون ظلالها.. لنا صباح يبشرنا كل يوم أننا باقون علي أرض جذورنا التاريخية، ولهم صباح يدعوهم كل يوم للرحيل عن أرض تأكل مُحتليها. “

 من سجنه يجدد القنطار تحديد خندقه، يكتب لتنشر (السفير)، يُكمل:  لنا جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة والأخطل الصغير، ولهم السقوط من كل أحرف الأدب الإنساني. لنا فيروز وأسورة العروس.. لنا وديع الصافي و”نشيد” الله معك وعنزة بو طنوس.. لنا مرسيل خليفة وأجمل الأمهات، ولهم قرع طبول العدوان والكراهية. لنا ملائكة الحرية.. سناء محيدلي ولولا عبود وانعام حمزة، ولهم شياطين جرائمهم النكراء.. جولدشتاين الذي قتل المصلين في الخليل.. ومالينكي الذي حصد المزارعين في كفرقاسم.. وبيجن الذي ذبح المسالمين في دير ياسين.

  27 عاماً – فقط – قضاها من 547 عاماً حكمت بها “عدالة”.. “المشروع الغربي/ إسرائيل”، والجريمة: عملية (القائد جمال عبدالناصر)، رداً على عار كامب ديفيد. لم يكن قد أكمل عامه الثامن عشر، ومر قبلها بتجربتي نضال، أولاهما المشاركة في التصدي للإجتياح الصهيوني للبنان.. والثانية عملية فدائية أجهضها (حسين) ملك الأردن، ليظل ثمانية أشهر- وهو لم يكمل السادسة عشرة- تحت تعذيب بشع إستشهد فيه أحد رفاقه. ليُفرج عنه بضغوط جبهة التحرير الفلسطينية التي انضم اليها في الثالثة عشرة من عمره.

  قبل 27 عاماً آسره مرتزقة الغرب، 22-4-1979، ليصبح، فيما بعد، يوما للأسير العربي. عميدا أسرانا.. اسمه الحركي: نبيل أحمد قاسم.  ولإسم فدائية (القائد جمال عبدالناصر) دلالته، وتميزها النوعي، اخترق الأبطال الأربعة حواجز: الاسطول الامريكي السادس وقواعد حرس الشواطئ الصهاينة والرادارات، فـ(نهريا) حيث أكبر حامية عسكرية صهيونية والكلية الحربية ومقر الشرطة وخفر مدفعية السواحل وشبكة انذار بحرية ومقر الزوارق العسكرية.. انها (نهاريا) التي يقصفها حزب الله منذ بدأت الجولة الآخيرة.  استبسل الابطال الاربعة داخل (نهاريا) رغم اشتباكات عنيفة مع وحدات كاملة من مرتزقة الغرب، لتنتهي العملية بستة قتلى بينهم عالم الذرة داني هاران واثنا عشرة جريحا بينهم يوسيف تساحور قائد قطاع الساحل والجبهة الداخلية الشمالية في جيش الصهاينة، الذي صرح فيما بعد بانه لن ينسى وجه “المخرب” الذي اصابه في صدره “سمير القنطار”. استشهد من مجموعة (القائد جمال عبدالناصر) مهنا المؤيد وعبد المجيد أصلان وآُسر القنطار وزميله أحمد الأبرص الذي اطلق سراحه اثر عملية تبادل للاسرى عام 1985.

 27 عاماً – فقط – قضاها القنطار آسيراً، بدأها وجسده ينزف من خمس رصاصات، إضافة لوحشية مرتزقة الغرب الذين انهالوا غيظا علي جسده النحيل ببنادقهم وأرجلهم، في المستشفي نسي أطباء المشروع الغربي أبسط قواعد مهنتهم.. أعملوا مشارطهم في جسده بدون تخدير مُستخرجين أربع رصاصات تاركين الخامسة، وحينما طلب فيما بعد إحضار طبيب علي نفقة اسرته لإستخراجها رفضوا قائلين: ستظل تذكرك بمن يلوث أيديه بدماءنا.

27 عاماً – فقط – قضاها القنطار آسيراً، وكما (الوعد الصاداق) كانت عملية (القائد جمال عبدالناصر) تهدف لآسر عدد من مرتزقة الغرب لمبادلتهم بفدائيين آسرى، وقتها وحتى الآن وقف القنطار مع أمته في خندق يقف خارجه ملوك الأردن ومصر والسعودية وبطريرك المارون وأتباعه والحريري الذراع السعودي في بيروت، خندق يؤمن بأنه “صراع وجود لا حدود”.. وبأن “الأمة” تواجه مشروع غربي لا يفهم غير لغة القوة. تتذكر “أجمل الامهات”:  لم يكن مثل أقرانه.. يختفي لأيام ويظهر فجأة، لم تكن تصرفاته توحي بأنه يختفي لأسباب مُشينة، صديق لأشقائه.. خاصة الكبري التي ماتت حزنا علي التعذيب الذي تعرض له علي أيدي المرتزقة، علي دولاب ملابسه صورة له كتب عليها “الشهيد سمير القنطار”، رغم صغر سنه كان يفاجئها بالحديث عن رموز مثل سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي والشهيد كمال جنبلاط.. و”ناصر”.

مع 27 عاما في الآسر ترسخت قناعات القنطار ذي الميول الشيوعية أكثر، بداية يكتب لأخته (لميس) عن “الانعزاليين الجبناء”.. ثم لـ(السفير) عن “حرية ثورة دوبريانْسكي، التي أسمتها (ثورةَ الأرز اللبنانية) والتي واكبتها جمعية (روح أميركا) وستنهيها مصالح جمعية دفن الموتى من مقرها الدائم في البيت الأبيض”. ولـ (وليد جنبلاط) محذراً من خطورة إنقلابه على ثوابت والده الشهيد (كمال جنبلاط)، وبعده للآسير (أحمد سعدات) عن أرواحهم التي “كانت تقاتل معك هناك في سجن الإمبريالية في أريحا. كم كان المشهد حزينا ووقحا واستفزازيا. آه ما أقسى الخيانة”.. فـ” اليوم كتبت للمرة المليون ورقة نعي الميثاق العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف وكل أكاذيب الأمم المتحدة”.

 27 عاماً – فقط – قضاها القنطار آسيراً، وقبلها بـ 18 عاماً ولد سمير القنطار لأسرة درزية بقرية عبيه، لم يكمل تعليمه.. ورغم يُسر حال أسرته انشغل منذ طفولته بـ”القضية”، وخلال عامين من انضمامه للجبهة أتقن كل أساليب حرب العصابات، ليحق له قيادة عملية “القائد جمال عبدالناصر” وهو برتبة ملازم وخلفه من هم أكبر منه بسنوات.  27 عاما آسر قضاها مقاتلاً داخل سجنه، قراءات منوعة وتجربة عريضة يعترف معها “كنت في الماضي لا أطيق من يخالفني الرأي، سياسياً، من الأسرى، واليوم أنا أكثر انفتاحاً وأصغي إلى الآخرين”.

27 عاما أكمل خلالها تعليماً لم يهتم به من قبل، أتقن العبرية ونال شهادة جامعية في العلوم الإجتماعية والإنسانية من جامعة تل أبيب المفتوحة عام 1997، معتمداً على أسلوب “التعلم عن بعد”، وهو يستعد اليوم لنيل الماجستير. تجربة عريضة لم يُلها الآسر عن “أخبار ومشاهد الهمجية الإسرائيلية بحق أطفال وشعب فلسطين”. فقط تسقط دموعه –يؤكد للسفير- كلما شاهد “أم فلسطينية استشهد ابنها، تقول أنها مستعدة للتضحية ببقية أبنائها من أجل فلسطين”.

 27 عاماً آسيراً يحلم خلالها “أن أسير تحت السماء دون أن تفصلني عنها قضبان الحديد. ينقصني أن أتمشى على الشاطئ وأطلق العنان لنظري دون أن تصده الجدران. ينقصني أن أفتح عيني صباحاً دون أن أجد السجان واقفاً أمامي يقوم بإحصاء الأسرى. ينقصني أن أنام ليلاً دون أن أسمع نباح كلاب الحراسة التي تحيط بالسجن. ينقصني أن أحلم مرة واحدة دون أن تتدخل مشاهد السجن في حلمي”.

 27 عاماً – فقط – قضاها آسيراً، متدثراً بـ”كنزة” نسجتها أصابع والدته “أجمل الأمهات” كما يصفها، التي رفضت رغم أوجاع قلبها أن يخرج “إبن عمرها” مكسوراً، تحلم بإحتضانه لكن “لا اعتذار.. لا أرضي إلا أن يخرج منتصرا.. لا أرضي له الذل”. فهي تدرك أن لإبنها عشرات الأمهات هناك في الأرض المحتلة، أبرزهن (أم جبر).. والدة زعيم الجناح العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الذي إرتبط به القنطار في الآسر.

 27 عاما ذروتها الآن.. مقاومة ذات توجه ديني / قومي تتمسك بـ(الوعد الصادق) لأم فدائي ذي ميول شيوعية.. آُسر قبل 27 عاما في عملية (القائد جمال عبدالناصر).. وأشجار آرز وبرتقال وزيتون وصوت مارسيل خليفة ونشيد (الله معك).. مفردات مشروع عربي نحلم به.

*جريدة العربي الناصري /  الأحد 16 يوليو 2006