مشروع رؤية سياسية لجبهة عربية شعبية تقدمية

 

عُقِدَ في مدينة الحمَّامات التونسيَّة، في 2 و3 و4 كانون أوَّل الجاري، لقاءٌ لعددٍ من القوى والأحزاب اليساريَّة والقوميَّة والشخصيَّات التقدّميَّة المستقلّة.

استضاف اللقاء عددٌ مِنْ أحزاب الجبهة الشعبيَّة التونسيَّة ( التيار الشعبي وحزب العمال وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد ” وطد “)، وقد مثلهم الرفاق : زهير حمدي و حمة الهمامي و رياض الفاهم. واتَّفق المجتمعون على إطلاق المسار نحو بناء «جبهة عربيَّة شعبية تقدمية»، ومتابعة الاتّصال بالقوى والأحزاب والشخصيَّات التقدّميَّة العربيَّة التي لم يتسنَّى لها حضور اللقاء لدعوتها للمشاركة في بناء الجبهة.

وقد قرر أعضاء اللقاء تشكيل لجنة تنسيقية من عدد من الرفاق الحاضرين لمتابعة التوجهات التي تم إقرارها، خلال الأشهر القليلة القادمة.

كما صدر عن اللقاء «مشروع رؤية سياسيَّة» وورقة تحدّد المهامّ المطلوب إنجازها من لجنة التنسيق.

مشروع رؤية سياسية لجبهة عربية شعبية تقدمية

 

إن الأحزاب والقوى والشخصيات العربية المجتمعة بتونس، يومي 2 و3 ديسمبر 2015، انسجاما مع “إعلان تونس”، الصادر بتاريخ 25 جويلية/تموز 2015، وبعد استعراضها للأوضاع الخطيرة التي يمرّ بها الوطن العربي وكامل المنطقة، يهمّها أن تؤكّد ما يلي:

1ـ إن الأوضاع الخطيرة السائدة حاليا في الوطن العربي ليست عادية ولاهي مجرّد استمرار للأوضاع السابقة وإنما هي إيذان ببداية مرحلة جديدة هي الأخطر منذ معاهدة “سايكس بيكو” (1916)، مرحلة تتصادم فيها من جهة إرادة الشعوب العربية الطامحة إلى التحرر الوطني والانعتاق الاجتماعي عبر انتفاضات وحركات اجتماعية غير مسبوقة ضد أنظمة مستبدة وفاسدة وتابعة انطلقت من تونس وامتدت إلى عدد من الأقطار العربية الأخرى، ومن جهة ثانية إرادة القوى الاستعمارية والرجعية التي عملت وتعمل على إجهاض هذه الانتفاضات والحركات وتخريبها وعلى إعادة تقسيم الوطن العربي على أسس طائفية/مذهبية وعرقية وقبلية مقيتة، باستخدام العنف والإرهاب والحروب الأهلية المدمّرة التي تثيرها وتموّلها وتسلّحها القوى الاستعمارية الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، والكيان الصهيوني وغلاة الرجعية  العربية والإسلامية في المنطقة، وتوظّف فيها، إلى جانب التدخل العسكري المباشر (ليبيا، سوريا، العراق، اليمن…)، حركات وجماعات ظلامية، إجرامية، متعددة العناوين، تكريسا لمشروع “الشرق الأوسط الجديد” الاستعماري.

2ـ إن الهدف من هذه الحملات والأعمال الإجرامية والحروب الأهلية الرجعية، هو إجهاض المسارات الثورية وتدمير الدولة وتفكيكها وضرب وحدة المجتمعات وبعث كيانات طائفية وعرقية مكانها وتخريب كل المكتسبات العلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية المحققة في إطارها، وتدمير الذاكرة الحضارية للأمة، ونشر الخراب والزجّ بالشعوب العربية في أنفاق مظلمة منعا لنهوضها وتحقيق طموحها إلى الوحدة وبناء ذاتها على أسس الحرية والمساواة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاستقلال وسيادة القرار الوطني، وتهميشا لقضية العرب الأولى والمركزية، القضية الفلسطينية، بهدف قبرها وفسح المجال للصهاينة لإقامة دولة دينية، يهودية، عنصرية، متصادمة مع الأعراف والقوانين الدولية، على أرض فلسطين المغتصبة، وتسهيلا لمواصلة السيطرة على مقدرات العرب الاقتصادية وبالأخص ثرواتهم النفطية وعائداتها المالية، وعلى أسواقهم ومواقعهم الإستراتيجية في إطار نظام إقليمي جديد على مقاس مصالح القوى الاستعمارية الكبرى وأدواتها في المنطقة.

3ـ إن تطور الأوضاع في الوطن العربي والمنطقة عامة خلال الفترة الأخيرة ازداد تعقيدا وخطورة خاصة في سوريا واليمن بفعل التدخل الامبريالي الرجعي. غير ان الوطن العربي شهد في نفس الوقت تطورا آخر في غاية من الأهمية يعبر عن استمرار استفاقة الشعوب ورفضها للواقع المتردي الذي يفرض عليها. فقد عرفت كل من العراق ولبنان حركات اجتماعية وشعبية واسعة ومتجاوزة للطائفية ضد الفساد وضد ظروف الحياة القاسية. كما تشهد فلسطين انطلاق انتفاضة جديدة، ذات طابع شبابي، وهي في طريقها إلى التحول إلى انتفاضة شعبية تضع من جديد في الصدارة المطالب الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال الغاصب الممعن في القتل والتشريد والتهويد. وإلى ذلك ورغم الظروف الصعبة، فإن المسار الثوري في تونس لم يتوقف وتواصل القوى الثورية والديمقراطية والتقدمية التصدي لمحاولات القوى الرجعية الالتفاف على المسار الثوري والعودة بالبلاد إلى الوراء.

4ـ إنّ الطريق الوحيد، الفعّال والناجع لمواجهة هذه المرحلة الجديدة الخطيرة، هو طريق النضال والمقاومة الوطنية والقومية التي تمثّل وحدة القوى الثورية والوطنية والديمقراطية والتقدمية العربية وتكتلها ضمن جبهة عربية شعبية تقدمية واسعة وحقيقية، أكبر ضمان للسّير فيها بنجاح والشرط الأوّل والأساسي لتعبئة الشعوب العربية حول مشروع نهوض جديد يحقّق آمالها وطموحاتها. إن غياب هذا المشروع الوطني التقدمي الموحد إلى حد الآن واستمرار تشتت القوى الوطنية والتقدمية هما العائقان الأساسيان أمام بروز البديل الذي يفتح آفاق التغيير للشعوب العربية ويحدد لنضالها الوطني والديمقراطي والاجتماعي هدفا واضحا.

إن مشروع النهوض العربي الجديد لن يكون له معنى إلا إذا استند إلى المبادئ والأهداف التالية:

أـ النضال من أجل تحقيق التحرر الوطني والقومي والتصدي لكافة أشكال التدخل الأجنبي، الإقليمي والدولي، العسكري وغير العسكري، في الشأن العربي الذي يستهدف اجهاض المسارات الثورية التي تهدف الى الحرية والسيادة والديمقراطية والعدالة والتي تستهدف من جهة اخرى تفكيك الدول وضرب وحدة المجتمعات بصفة مباشرة او غير مباشرة، والعمل على تحقيق وحدة الأمة العربية في إطار الاستقلال والسيادة الوطنية، ودعم وتوسيع الجهود القومية الرامية إلى تحقيق هذا الهدف.

ب ـ دعم مشروع المقاومة الوطنية والقومية خيارا إستراتيجيا في مواجهة العدو الصهيوني لتحرير فلسطين.

ج ـ اعتبار المشاريع التكفيرية والطائفية بمختلف أشكالها وعناوينها هي الوجه الآخر للاستعمار والصهيونية لما تستهدفه من تخريب الأوطان العربية وتهديد وجودها.

د ـ مناهضة الرأسمالية الليبرالية المتوحّشة وكافة أشكال الهيمنة والنهب والاستغلال الذي تمارسه الدول  الاستعمارية والمؤسسات المالية العالمية ووكلاؤها المحلّيون على شعوبنا وتوحيد النضال الشعبي ضدهم وتوثيق الصّلة بالشعوب الأخرى التي تعاني من نفس الاضطهاد, وتكثيف الجهود دوليا في مواجهة مشروع الهيمنة الأمريكي-الغربي الذي يلقى صدّا متصاعدا في مختلف القارات وتتحقق ضده انتصارات ومكاسب في أمريكا اللاتينية وفي أروربا وغيرها، علاوة على ظهور قوى أخرى في الساحة الدولية بما يؤشّر لنهاية العالم ذي القطب الواحد والسير نحو عالم متعدد الأقطاب.

ه ـ مناهضة الاستعمار والصهيونية والعنصرية والرجعية العربية والانحياز الكامل لكل حركات التحرر الوطني والدفاع عن القضايا الإنسانية العادلة.

و ـ اعتماد الحرية والديمقراطية صمام أمان لبلوغ الأوطان غايتها في التقدّم والنهوض وتكريس المساواة ونبذ كل أشكال التمييز على أساس ديني ومذهبي أو جنسي أو عرقي أو ثقافي وضمان التعدد الفكري والسياسي والتداول على الحكم عبر انتخابات حرة ونزيهة وشفافة كضمان التوازن بين السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية.

ز ـ اعتبار أن القضاء على الإرهاب مرتبط  بوضع حد للأطماع الاستعمارية والامبريالية في المنطقة وإقامة أنظمة وطنية، ديمقراطية، تكفل سيادة شعوبها وتحفظ وحدة أراضيها وتضمن لها الحرية وتحقق لها مقومات العدالة الاجتماعية والمساواة  والحياة الكريمة.

س ـ تحقيق العدالة الاجتماعية بأفق اشتراكي عبر ضمان سيادة الشعوب على ثرواتها والسيطرة على القرارات التي تهمّ اختيار أهدافها التنموية وتحقيق مقومات الحياة الكريمة لكافة أفرادها في مواجهةالنظام الدولي القائم الذي تصوغ توجهاته كبريات الدول والاحتكارات الرأسمالية والامبريالية العالمية  ضمانا لمصالحها وامتيازاتها.

ع ـ احترام الهوية الثقافية والحضارية للأمة العربية وتعزيزها وتطويرها في إطار التفاعل المتكافئ مع مختلف مكونات الحضارة الإنسانية في قيمها المشتركة ضد التعصّب والكراهية والتمييز.

ف ـ الإيمان بالعمل المشترك مع القوى الوطنية التقدمية على قاعدة المشتركات الوطنية والإنسانية واعتماد الحوار الديمقراطي كأداة لحل التناقضات بينها.

5ـ إن تكريس هذه الأهداف الكبرى وتحويلها إلى برامج نضالية ملموسة في المستويين الوطني والقومي يقتضي خلق إطار مشترك للقوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية العربية، يتجاوز الطابع الشكلي والمناسباتي للعديد من الأطر السابقة التي بعثت للوجود والتي اخفقت في تحقيق اهداف وطموحات الجماهير العربية . إن هذا الإطار الجديد هو إطار للفكر والعمل لتحقيق الاستقلالية السياسية للجماهير العربية عن كل الأنظمة والقوى والمحاور الإقليمية والدولية الرجعية والمعادية لمصالح الشعوب العربية. وحتى يكون الانتماء لهذا الإطار له معنى فيشترط على كل راغب في الانخراط فيه أن يكون له وجود ونشاط فعليان في بلده.

إن المهام المباشرة لهذا الإطار الجبهوي تتمثل في العمل على:

ـ تعبئة الجماهير والقوى الوطنية والتقدمية العربية وتنظيمها لمواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني الرجعي وخوض المعارك السياسة في مختلف الساحات العربية لتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في اطار السيادة الوطنية.

ـ نسج تحالفات مع القوى التقدمية والمعادية للامبريالية في مختلف أنحاء العالم وإقامة علاقات دولية مع البلدان والدول التي لا تعادي مشروع النهوض العربي وتساند القضايا الأساسية لشعوبنا وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

تونس في 04  ديسمبر 2015