السلام عليك يا سمير القنطار !

ثريا عاصي

من منّا يجهل اسم سمير القنطار، وأنّ الرجل كان مقاوماً ضدّ المشروع الاستعماري الاستيطاني العنصري الإسرائيلي، وأنّه كان يعمل منذ أن استطاعت المقاومة تحريره من الأسر على تقوية هذه الأخيرة. ولكن سمير القنطار كان أكثر من ذلك. كان شاهداً حيّاً على فشل الحملة العسكرية الإسرائيلية ضدّ المقاومة في تموز ـ أب 2006، وبالتالي كان رمزاً من رموزنا نحن، الذين وإن تباينت آراؤنا في السياسة، فإنّنا ننسى جميع خلافاتنا ونقف خلف المقاومة وننحني أمام شهدائها إجلالاً واعترافاً بما لهم علينا.
لا أظنّ أنّ المستعمرين الإسرائيليين أرادوا من وراء اغتيال سمير القنطار استهداف المقاتل المقاوم أو القائد العسكري. المقاومات الجماهيرية ضدّ الاستعمار لا تتوقف إذا استشهد أحد قادتها أو عدد منهم، لذا فالرأي عندي أنّ الإسرائيليين استهدفوا «الرمز» سمير القنطار، فما من شكّ في أنّ المقاومة انتصرت على الإسرائيليين في قضية سمير القنطار. لقد أجبرتهم على إطلاق سراحه، بذلك تكون قد حرّرته.
من المعروف أنّ إحدى قواعد الاستراتيجية التي يتبعها المستعمرون الإسرائيليون هي رفض التنازل أو التراجع قيد أنملة تحت تأثير ضغوط سياسية أو عسكرية، وإن حدث وأخلوا فعلاً موقعاً كان تحت سيطرتهم، فإنّ ذلك يكون ظاهرياً أو جزئياً أو خدعة أو صفقة ! لا يوجد حل وسط مع المستعمر العنصري !
فحرية سمير القنطار كانت الشواذّ عن القاعدة. كانت كلفتها عالية؛ شنّ الإسرائيليون حرباً، ارتكبوا خلالها جرائم وتسبّبوا بدمار هائل في ضاحية بيروت وفي بلدات جنوب لبنان وبقاعه. ذاق الإسرائيليون في المدن بدورهم، ربّما للمرة الأولى منذ أن استعمروا فلسطين، مرارة القصف. استعانوا بحلفائهم على الصعيد الدولي وجيّشوا أعوانهم في بلاد العرب، في مؤتمرات «الاعتدال»، و»حوار الأديان» السيّئة الذكر ! ولكنّهم رضخوا في نهاية الأمر وخرج سمير القنطار من سجن المستعمرين حرّآً.
أعتقد أنّ الإسرائيليين أرادوا محو «الرمز» الذي كان يجسّده سمير القنطار، مثلما فعلوا دائماً، مع الفلسطينيين. إذ تعقّبوا مناضليهم ولم يهدأ لهم بال قبل تصفيتهم، ولو بعد حين ! هذه هي طبيعة الصراع مع مستعمر استيطاني عنصري، غايته النهائية إبادة الأصلانيين، أو إقصائهم إلى أبعد مسافة وإغرائهم وغوايتهم تضليلاً حتى تفرغ ذاكرتهم وتتجمّد عقولهم، فترى بعضهم في جيش العثمانيين الجدد يقاتلون السوريين واللبنانيين ! وفي أفغانستان يحاربون في جيش الأميركيين في سبيل الله وفي قطر «يقاومون» وينظّرون للثورات.
هذا من ناحية، أمّا ناحية ثانية فليس مستبعداً أن يكون الهدف من اغتيال سمير القنطار هو استفزاز المقاومة اللبنانية وجرّها إلى حرب كمثل حرب تموز 2006، فمن نافلة القول أنّ الإسرائيليين سوف يعاودون هذه الحرب متى اتّضح لهم أنّ الظروف مؤاتية لإشعالها ولكسبها. إذ لا ننسى أنّ الإسرائيليين لا يقبلون بوجود المقاومة اللبنانية، وآل سعود الذين يسرح سفيرهم ويمرح في بيروت ليسوا راضين عن هذه المقاومة أيضاً.
ووضعاً للنقاط على الحروف، فإنّ المطلوب بعد حل الجيش العراقي، إسرائيلياً وأميركياً وخليجياً وفرنسياً وتركياً، هو حل الجيش السوري وحل المقاومة اللبنانية. أمّا إذا كان ذلك معقّدا ومتعذّراً، فيمكن أن يكتفي هؤلاء الأعداء «بفلسطنة» لبنان، على شكل «سلطة وطنية» في جزء و«سجن المقاومة» في جزء آخر.
السلام عليك يا سمير القنطار ! فلقد كنت مقاوماً قبل الأسر، وكنت مقاوماً في الأسر، وبقيت مقاوماً بعد تحرّرك، ربّما لأنك كنت تعرف الإسرائيليين، فالصراع مع المستعمر العنصري هو صراع ضدّ نظام الرأسمال الذي ولد الوحوش البشرية التي تحيط بنا من أجل افتراسنا.

:::::

“الديار”، بيروت

http://www.addiyar.com/