رحيل حسين آيت أحمد

 

الجزائر –”راي اليوم”- عبد الرحيم حراوي

توفي أحد أبرز قادة الثورة الجزائرية ومؤسس أقدم حزب معارض في الجزائر حسين آيت أحمد، اليوم الأربعاء في مدينة لوزان السويسرية، عن عمر يناهز 89 سنة إثر مرض عضال.

“الدا الحسين”، أو كما يحلو للجزائريين مناداته، اسم ارتبط بتاريخ الجزائر فكان صانعا للثورة الجزائرية المجيدة التي صنعت بدماء وتضحيات رجال من طينة “آيت أحمد”.

فقيد الجزائر اليوم، هو من بين القادة التسعة الذين أطلقوا الثورة الجزائرية في تشرين الثاني/نوفمبر 1954. ويعد مؤسس أول حزب معارض في الجزائر “جبهة القوى الاشتراكية”، مباشرة غداة الاستقلال.

من منطقة القبائل.. كانت الانطلاقة

ولد حسين آيت أحمد سنة 1926 في عين الحمام بمحافظة تيزي وزو (شرق العاصمة)، والتحق مبكرا بحزب الشعب الجزائري، حيث لم يكن يبلغ أنذاك 17 سنة، وهو لا يزال تلميذا في الثانوية في الجزائر العاصمة.

وينتمي حسين إلى عائلة دينية محافظة، حيث كان جده الشيخ محند الحسين مرابطا ينتمي إلى الطريقة الرحمانية.

ويعد آيت أحمد من القادة “المثقفين”، حيث تحصل على شهادة البكالوريا في الجزائر العاصمة، ثم واصل دراسته بعد هروبه من الجزائر سنة 1966 وحصل على الإجازة في الحقوق من جامعة لوزان، وناقش أطروحة دكتوراه في جامعة نانسي بفرنسا عام 1975 حول “حقوق الإنسان في ميثاق وممارسة منظمة الوحدة الافريقية”. “التمرد”.. لازمة “الدا الحسين”؟

يبدو أن “التمرد” صفة لازمة للمناضل حسين آيت أحمد من القدم، حيث كان من أشد المدافعين عن الكفاح المسلح من أجل الاستقلال منذ سنة 1946، نفس الأمر بالنسبة للثورة التحريرية، حيث كان له موقف واضح منذ البداية داعما لإعلان الثورة ضد المستدمر الفرنسي. وتولى قيادة أركان المنظمة السرية والتحضير للعمل المسلح.

آيت أحمد.. هنا التاريخ

ما أن تذكر اسم حسين آيت أحمد إلا وتتبعها بذكر تاريخ الجزائر، نظرا للمسار الهام والدور الأساسي الذي لعبه الرجل أثناء الثورة التحريرية وبعدها.

يعد المرحوم من مؤسسي جبهة التحرير الوطني، التي لطالما كان مؤيدا لمواقفها وملتزما بها، وسبق ذلك انضمامه لحزب الشعب الجزائري في سنة 1943.

وقد تم اختطافه سنتين بعد اندلاع الثورة الجزائرية في سنة 1956 من طرف الجيش الفرنسي رفقة أحمد بن بلة وبوضياف وخيدر، حينما كانوا متنقلين إلى طنجة، ومكث في السجن إلى غاية وقف إطلاق النار في سنة 1962.

ورغم نضاله مع أحمد بن بلة (رئيس الجمهورية الجزائرية بعد الاستقلال) إلا أنه كان معارضا له ولقيادة الأركان التي كان يترأسها هواري بومدين (الذي أصبح رئيسا فيما بعد).

وقد انتهج “الدا الحسين” خيار المعارضة غداة الاستقلال، وذلك من منبر المجلس التأسيسي الذي كان نائبا فيه، وذلك بسبب ما سماها “السياسة التسلطية” للرئيس الراحل “بن بلّة”، فاستقال من المجلس التأسيسي وأسس حزب جبهة القوى الاشتراكية في سبتمبر 1963، ليقود بعد ذلك تمرد في منطقة القبائل سنة 1963. ليتم توقيفه سنة بعد ذلك، ليختار اللجوء إلى سويسرا سنة 1966 بعد فراره من سجن الحراش.

العودة لأرض الوطن.. أمل “التغيير” يصطدم ب”التزوير”؟!

بعد 23 سنة من العيش في المنفى، عاد “زعيم” المعارضة الجزائرية إلى أرض الوطن، بعد سلك البلد لخيار التعددية الحزبية، حيث أعاد بعث حزبه “جبهة القوى الاشتراكية”، ليترشح للانتخابات الرئاسية سنة 1999، قبل أن ينسحب منها رفقة العديد من المترشحين، بسبب ما اعتبروه أنذاك “حسما لنتائج الانتخابات مسبقا”.

الاعتزال.. تسليم المشعل أو الانسحاب؟

أعلن الزعيم التاريخي لحزب جبهة القوى الاشتراكية حسين آيت أحمد انسحابه من الحياة السياسية وقيادة الحزب في المؤتمر الخامس لأقدم حزب معارض في الجزائر سنة 2013، الذي أبقى عليه رئيسا شرفيا، ليتم اختيار قيادة جماعية للحزب بدلا من تزكية خليفة ل”الدا الحسين”، التي يبدو أن أبناء الحزب لم يجدوا “خليفة” للزعيم، فقرروا أن يحتفظوا بمكانته بينهم.

وفي رسالة “الانسحاب”، قال آيت أحمد “سأنسحب من رئاسة الحزب، وكان بودي وكان بوسعي أو ربما كان يجدر بي ولم أفعل ذلك من قبل، وتحدثت في هذا الأمر مع رفقاء وأصدقاء ولكن التاريخ يصنع نفسه في الوقت الذي نقدم فيه إسهامنا المتواضع″.

واحتفظ الراحل بشعبية كبيرة طيلة مساره النضالي، وها هو يغادرنا اليوم بنفس الصورة التي لطالما رسمها لنفسه، ذلك الرجل الثائر الثابت على مبادئه، الرافض لكل المساومات، الخائف على بلده والمنافح عن وطنه، إنه ببساطة “الدا الحسين” الذي يغادر اليوم الجزائر “كبيرا”، تاركا ورائه تاريخ ومبادئ خطها بعرقه لأجل أن “تحيا الجزائر”.