سمير قصتنا: عَلِيٌّ عَلى بابِ خَيْبَرْ

 سيف دعنا

“البطل هو الشعب في أسمى درجات فضائله”

جورج أمادو: “فارس الأمل”

“إنهم على ألابواب.”

الإرسال الأخير للجيش الفرنسي من “ديان بيان فو”.

   

هل يمكن لأي إنسان أن يعيش أفضل؟ هل يمكن لأي إنسان أن يموت أفضل؟ أكثر من اربعين عاما من المقاومة، ولم يتعب. ثلاثون عاما في سجون الصهيونية، ولم يتعب. سبعة أعوام اخرى من المقاومة، ولم يتعب. عاش وصوت سيد المقاومين يصدح في وجدانه: “لامكان للتراجع، لا مكان للضعف، لا مكان للذل”. آمن أن من يَتْعَبْ أولاً يُهْزَمُ أولاً. عاش سمير، فاختصر بحياته قصة فلسطين كلها، وقصة العرب كلها، وقصة حربنا مع الصهيونية. وسقط سمير فصار إسمه اختصارا لكل الكرامات وكل الشرف : مقاوم، فجريح، فأسير، فأسير محرر، فمقاوم، فشهيد. كيف يمكن لأي إنسان أن يعيش أفضل؟ هل يمكن لأي إنسان حقا أن يموت أفضل؟

”أنا سمير القنطار، فدائي عربي من أجل تحرير فلسطين.“ هكذا عرف نفسه في “قصتي”. وقصته هذه لن تُبقي في قلبك ذرة واحدة من اليأس. قصته هذه ستملأ قلبك بالثقة والطمأنينة والقناعة والأمل والايمان بأن الليل ليس أبديا. وفي قصته سترى بداية بزوغ صباح حرية العرب يلوح هناك في الافق. لكنك ستعرف أيضا، كما عرف سمير، أن هذه الحرية من الجمال والروعة حقا بقدر ما يجعلها أهلاً لأن نهب من أجلها كل حياتنا وأكثر. ستعرف أن فلسطين والجولان وسوريا تستحق أن يهبها الإنسان كل حياته وكل لحظاته وكل قواه، كما فعل بطلنا سمير. هل يمكن لأي إنسان حقا أن يموت أفضل؟

”أنا ذاهب إلى فلسطين،“ قال سمير. هكذا بدأت القصة. حاول الوصول إليها من الاردن أولا، فمنعته سجونها من الوصول. لم ييأس. لم يتعب. لم يهزم. حاول الذهاب من لبنان ثاني مرة فتعطل محرك الزورق. لم ييأس. لم يتعب. لم يهزم. حمل هو ورفاقه المجاديف وكثيرا من الرصاص والبنادق وأبحروا إليها. ولو تعطل المحرك هذه المرة كان سيجدف إلى فلسطين. أنا ذاهب إلى فلسطين، قال بطلنا سمير. كان عمره سبعة عشر عاما، لكنه قالها كنبي يرى ما لا يراه ولن يراه أبدا من “ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة”. فلسطين هي كلمة السر في هذا العالم. هي البداية وهي النهاية. كل شيء يبدأ فيها وكل شيء ينتهي عندها. حريتها  تحمل في طياتها تغيير العالم. تحمل في ثناياها تأكيدا أن هذا الليل لا يمكن أن يكون أبديا. تحمل في أحشائها تأكيدا بوجود شمس. هل يمكن لأي أحد أن يعيش أفضل؟

“أنا عائد إلى فلسطين”، قال سمير بعد تحرره. أراد أن يبقى نجما يحترق ليضيء ليل فلسطين حتى تشرق تلك الشمس، وحتى ينتهي هذا الليل الحالك. حينها فقط، حين تتحرر فلسطين سيتاح لنا فعلا أن نقدر قيمة الحرية وقيمة الكرامة وقيمة البطولة وقيمة سمير. ليس ذلك لأننا اكتوينا بنار العبودية طويلا، وليس ذلك لأننا احترقنا بنار الخيانة مرارا، وليس ذلك لأننا قهرنا من تشفي المهزومين بدماء أبطالنا يوميا. بل لأننا سندرك حينها فقط قيمة الدماء التي سالت من أجل حريتنا، وسنعرف حينها فقط أن ثمن هذه الحرية كانت حياة أبطال من طراز خاص. سنعرف أن ثمن حريتنا كان حياة أبطال كـ سمير القنطار وعماد مغنية وغسان كنفاني. هل يمكن لأي إنسان أن يموت أفضل.

سقط  سمير. توجع قلبنا. ”سمعت قلب فلسطين يأن حسرةً ويتأوه ألماً ويتوجع حزنا على سمير،” قالت لي امي وهي تبكي على سمير بالأمس. سمعت فلسطين تتغنى بأناقته وشجاعته بكلمات تتأوه ألماً وحسرة. نعم. لفلسطين قلب كقلب الام يحزن، ويتحسر، ويتوجع، ويتأوه على الشهداء، ولا تسمعه إلا الأمهات فقط لأن قلوبهن من قلب فلسطين. لكن عدونا لا يعرف قصتنا يا سمير، ولن يعرفها أبدا.  لديه السلاح فقط. أما نحن فلدينا ما لا يفهموه ولن يفهموه أبدا: لدينا ما سيهزم هذا السلاح. لدينا البطولة.  لدينا قلب نازف سيظل فيه دائما وأبدا مكان آخر ومتسع آخر للحزن على شهيد آخر وعلى بطل آخر. لكن ليس في قلوبنا ولن يكون على الإطلاق أي مكان للغفران والنسيان. لا مكان في قصتنا للتعب. لن نتعب. ولا مكان في قصتنا للهزيمة. لن نهزم. قصتنا في فلسطين وفي سوريا، يا أبا علي، ستنتهي كما أردت لها أن تنتهي. لن تكون إلا مثل قصص من سبقونا في الجزائر وفيتنام ولبنان. ستنتهي كما أردت لها أن تنتهي. ستنتصر المقاومة، لأن هذا الليل لا يمكن أن يكون أبديا، ولأن هناك شمس في الإنتظار.

ظنوا أنهم قتلوك يا سمير، لكنهم لم يقرؤا قصتك جيدا. لكني اقسم اني قرأت في ثنايا سطور قصتك نص إرسال جيشهم الأخير من معقلهم الأخير في فلسطين يا أبا علي: ”إنهم على الأبواب. العرب على الأبواب. عاد عَلِيٌّ إلى باب خيبر“.

* كاتب عربي