الوحدة الوطنية وتحصين الجبهة الداخلية

جورج حدادين

مفهوم الوحدة الوطنية ومفهوم تحصين الجبهة الداخلية، من أكثر المفاهيم التي يتم استغلالها واستثمارها وتؤولها وتحوّيرها بما يتلاءم مع المصالح الذاتية للطرف المعني، فكل طرف يقدم تأويله الخاص لهذين المفهومين، كذلك تفعل الطبقة والشريحة والفئة بحسب موقعها في صيرورة تقسيم العمل، حيث تتبنى تصورها وتدافع عنه، بحسب موقعها في معادلة صراع المصالح.

الرأسمالي مالك وسائل الإنتاج وأتباعه، يثير حالة من الهستيريا، ويطلق أبواق وسائل الإعلام المسخرة لخدمة مصالحه، ويطلق عاصفة من اللغو عن تبعات وتداعيات مزعزعة  للوحدة الوطنية وعناصر مفتته للجبهة الداخلية، في حال طالبت نقابات عمالية أو اتحادات أو منظمات العمل الشعبي بحقوقها، ويتم تسخير نخب تابعة ووسائل إعلام لخلق حالة من تزييف الوعي الجمعي بهدف إحداث حالة من التطابق بين الرأي العام مع موقف مستغله ( الرأسمالي)، وليتم إقناع الرأي العام بمقولة أن المساس بمصالح الرأسمالي المتمحورة حول الربح ( البقرة المقدسة) سيؤدي حتماً إلى المساس بمصالح الوطن العليا، فمقولة ” جنرال موتور بخير أمريكا بخير” لا تزال فاعلة، ودعم الطغمة المالية المضاربة بقوت المجتمع ، على حساب كافة شرائح المجتمع الأخرى، دعم الفئة التي أنتجت أزمة ما يسمى الرهن العقاري عام 2008 ، والتي حققت الإرباح الهائلة، ملحقة الدمار بكافة شرائح المجتمع، أثناء محاولة الطغمة المالية هذه الانتقال بالرأسمالية المنتجة إلى الرأسمالية المضاربة، لا تزال ماثلة في الوعي، حيث تم تزييف وعي المجتمع لكي يتقبل مقولة أن “دعم الطغمة المالية المسببة للأزمة على حساب المجتمع” هي الوسيلة الوحيدة للخروج من الأزمة.

 قوى التبعية في السلطة وفي السوق وفي صفوف النخب، في دول التبعية، توظف الوحدة الوطنية من باب حماية مصالحها الذاتية، التي تعبَر بالضرورة عن مصالح المركز المهيمن المتبوع، وتسوَق مفهوم الوحدة الوطنية بما يتساوق مع مفهوم دورها التابع.

ما المقصود بهذين المفهومين: الوحدة الوطنية وتحصين الجبهة الداخلية، مفهومان كما كل المصطلحات والمفاهيم، يتطوران ويتغيران بحسب تطور التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، وبنى المجتمع الثقافي، وتبقى أسئلة مركزية برسم الإجابة:

 وحدة وطنية لصالح من؟

وما هي شروط تحصين الجبهة الداخلية!

بخصوص دول المحيط، دول التبعية، فأن مفهوم الوحدة الوطنية يتشكل بالضرورة في سياق تطور مشروع التحرر الوطني المقترن بمشروع التحرر الاجتماعي، وكذلك مفهوم تحصين الجبهة الداخلية يأتي في هذا السياق.

 الوحدة الوطنية وتحصين الجبهة الداخلية، هي أدوات لتحقيق بناء المجتمع الجديد، وليس للحفاظ على مجتمع التبعية القائم، أنها أدوات بناء قواعد المجتمع الجديد، الذي يشترط بناء بنى تحتية وبنى فوقية تلبي شروط بناء المجتمع المنتج المستقل.

فسمات الدول والمجتمعات غير المحصنة يمكن تلخيصها بما يلي:

الدولة المستهلكة والمجتمع المستهلك غير المنتج غير محصن بالضرورة.

الدولة والمجتمع الذي يسوده استغلال فئة صغيرة محدودة العدد، لكافة شرائح المجتمع الأخرى، التي تشكل الأغلبية، غير محصن.

الدولة والمجتمع الذي ينخره الفساد والرشوة غير محصن.

المجتمع الذي تسوده الثقافة الغيبية السلفية غير محصن.

المجتمع الماقبل رأسمالي ، الذي يتشكل من مجاميع تتساكن على أرض موحدة ولم تندمج بعد لتشكل مجتمع، غير محصن.

المجتمع الذي يسوده القمع السلطوي والقمع المجتمعي غير محصن.

المجتمع الذي يبني استقراره على أسس أمنية على حساب الأمن الاجتماعي غير محصن.

تحصين المجتمع لا يتم باللعب على الغرائز البدائية، ولا يتم بالأناشيد ” الوطنية” ولا بالحشد الإعلامي التحريضي، ولا بالقبضة الأمنية.

بالمقابل يمكن سرد بعض قواعد ارتكاز حقيقية، وشروط واقعية لبناء وحدة وطنية حقيقية، وتحصين الجبهة الداخلية :

التحول في الدولة والمجتمع من سمة الاستهلاك إلى سمة الإنتاج.

التنمية الوطنية المتمحورة حول الذات، وتنمية قوى الإنتاج الوطني في كافة القطاعات، الصناعية الزراعية والخدمية.

إنتاج وتنمية ثقافة وطنية متمحورة حول قيم الإنتاج والتراث والحضارة التراكمية، وعلى أساس تبني منظومة القيم الإنسانية النبيلة وتنمية الأجمل والأرفع منها، وتعمميها داخل المجتمع.

وحدة الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، هي شرط الوحدة الوطنية، وتتم عبر وحدة الأطر الممثلة فعلاً لهذه الشرائح، على قاعدة التوحد حول مشروع التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، وكل من موقعة وخصوصيته على قاعدة تقسيم العمل.

تأمين شروط وتهيئة البيئية الملائمة لبناء الأطر الممثلة بالفعل وفي الواقع للشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، وتفعيل دورها في صنع القرار الوطني.

الثروات والخيرات المادية والمعنوية المنتجة بجهد الكادحين والمنتجين يجب أن توزع بحسب قانون لكل حسب جهده.

أنها خطوط عامة وعناوين يمكن الانطلاق منها للحوار بين كافة المهتمين والمعنيين، حول مفاهيم الوحدة الوطنية وتحصين الجبهة الداخلية، وقد تكون مقاربة تستند قدر الإمكان إلى قوانين علمية بعيدا عن الشعارات، وبعيداً عن التوظيف التحريضي والتوظيف ألغرائزي.