حتى تتحقق المعجزة السوريّة

ثريا عاصي

من المرجح جداً أن تكون الحرب على سوريا قد بدأت قبل سنة 2011. وحتى لا أغوص في القضية العربية فيطول البحث، أقتضب فأقول أن شرارة هذه الحرب خرجت بحسب تقديري، من بيروت، وتحديداً من عين الرمانة في 13 نيسان 1975، لحظة الهجوم على الحافلة التي كانت تقل فلسطينيين عائدين إلى مخيم اللاجئيين، تل الزعتر ! صار المخيم أثراً بعد عين!
تحوّل لبنان في ذلك الوقت إلى غرفة تدوّي في أرجائها أصداء إنفجارات وإنهيارات تهز بلاد العرب، أقصد هنا مصر وحلفاءها في محاولات التصدي للإعتداءات التي يشنها بين الفينة والأخرى، المستعمرون الإسرائيليون. تتوالي منذ ذلك الحين هذه التصدعات وتتكرر الإعتداءات ولكن التصدي لها لم يعد بمقدور نظم الحكم العربية. إنفرط عقد التضامن العربي في انتظار المشاريع الموعودة والمكرمات المأمولة…
حضرت نظم الحكم جميعاً إلى بيروت حاملة مطالبها وأوهامها. أرادت منظمة التحرير الفلسطينية «قراراً وطنياً فلسطينياً مستقلاً». قرار مستقل في البلاد العربية المحيطة بفلسطين. إنقلبت المفاهيم، صار الصرع فلسطينياً ـ إسرائيلياً، لا شأن لنا فيه! أما غاية حكومة الرئيس المصري أنور السادات، التي دخلت حرب «أوكتوبرـ تشرين» 1973، جنباً إلى جنب، مع السوريين، ثم تخلت عنهم واتفقت دون إخطارهم، مع الإسرائيليين على وقف إطلاق النار، بعد أن فرضت تعديلات على خطط الجيش المصري وعزلت قادته، كأنها أرادت إفشال الهجوم العربي على الجبهتين المصرية والسورية، فأغلب الظن أن غاية هذه الحكومة المصرية من خلال دورها على الساحة اللبنانية كانت تطوير مفاعيل فشل الهجوم في تشرين 1973 وتوسيع دائرته بدءاً بفصل مصر عن محيطها العربي شرقاً وغرباً. فلسطين للفلسطينيين ومصر للمصريين!
من البديهي انه بدا للمعنيين أن لبنان كان الساحة الوحيدة التي تتسع وتلائم تجسيد «القرار الوطني الفلسطيني المستقل». ولكن سرعان ما اتضح ان ذلك يتطلب دعماً من آل سعود. ما استدعى إتفاقا بين الأخيرين من جهة وبين السوريين من جهة ثانية، يقضي بأن يتقاسم الطرفان النفوذ في لبنان. فالسلطة السورية كانت ولا تزال، مضطرة إلى اتخاذ مواقع لها على الساحة اللبنانية من أجل استخدامها كأوراق ضغط في تسوية منتظرة تعيد هضبة الجولان التي احتلها الإسرائيليون في حزيران سنة 1967. من نافل القول أن سوريا ليست قادرة على خوض حرب تقليدية منفردة، ضد المستعمرين الإسرائيليين. لا بد هنا من أن نأخذ بالحسبان أن مصر إرتبطت بإتفاقية كامب دافيد، وأن ميزان القوى على الصعيد الدولي راح يميل بشدة لصالح المعسكر الأمبريالي الذي تمثل إسرائيل، كما لا يخفى، ركناً من أركانه.

تأسيساً عليه يلزم القول أنه لم يكن تحرير الجولان بواسطة قوات عسكرية تقليدية مستحيلاً وحسب وإنما بات الدفاع عن سوريا نفسها أيضاً أي عن وجودها بما هي دولة وطنية، معجزة من المعجزات.
من المرجح أن هذه المعجزة سوف تتحقق. فلقد صمدت وقاومت سوريا عدواناً هو الأقسى والأكثر شراسة على الإطلاق. أما الذين يشككون بضرورة هذه المعجزة وبإحتمالية حدوثها، فإن المطلوب منهم بدَلَ ذر الرماد في العيون، الإجابة على السؤال: لماذا تحالفت الولايات المتحدة الأميركية وأعوانها في أوروبا، وأمراء النفط الخليجي، والإسلاميون في الهجوم على ليبيا وأسقطوا دولتها ؟ لماذا قاموا بالعمل نفسه في العراق؟ لماذا حاولوا في تسعينيات القرن الماضي إغراق الجزائر في دماء أبنائها ؟ هل كان معمر القذافي شيعياً، هل كان صدام حسين علوياً؟
مجمل القول ان الحدث الأبرز والأهم على الساحة العربية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي كان بالقطع ظهور قوة خليجية تتميز بالفحش والغطرسة، تتحصن بالقواعد العسكرية وبالأساطيل الأميركية، تريد نشر «الفوضى الخلاقة» وشريعة الغاب.
إن المعجزة السورية واقع ملموس، من وجهة نظري . ولكن وراء كل معجزة رسالة تحتوي عادة على شروحات وإجابات عن أسئلة حول كيف حصل الذي حصل ولماذا؟

:::::

“الديار”، بيروت

http://www.addiyar.com/