العمالة باسم الثقافة أو باسم حرية الرأي

الطاهر المعز

كتب الصديق أحمد الخميسي مقالة قصيرة (تجدونها تحت هذه المُقدِّمة القصيرة) عن التمويل الأجنبي للمنظمات “غير الحكومية” في مصر، ولخّص -بمهارةِ الخبيرِ والعارفِ بأسرار القصة القصيرة- ما كُتِبَ في مصر عن هذا الموضوع خلال عقدين من النقاش والجدل، ومن المؤسف ان هذا الموضوع لم ينل حظه من النقاش في البلدان الأخرى باستثناء فلسطين

1-    أحمد الخميسي هو ابن الأديب عبد الرحمان الخميسي (الذي عرف السجن خلال فترة حكم عبد الناصر كنا عرفه ابنه أحمد بعد سنوات) وأحمد يكتب القصّة القصيرة ببراعة نادرة في عصرنا، كما برع في استخدام أسلوب “ما قلَّ ودَلَّ” (أسلوب القصة القصيرة) في المقالة السياسية التي اهتم من خلالها بشؤون مصر والوطن العربي والعالم

2-    أثيرت مسألة التمويل الأجنبي وخطورته في مصر منذ عقود، وأثارت جدلا، ولكن التمويل الأجنبي غير مُقتصِر على مصر، بل هو في صلب نشاط المنظمات “غير الحكومية” في كافة البلدان، مهما كان مجال نشاطها (حقوق إنسان، دفاع عن “أقليات” دينية أو اثنية، ثقافة، “تنمية”، حقوق المرأة أو الطفل أو المثليين…)

3-    نلاحظ انتشار المنظمات “غير الحكومية” المموَّلَة أجنبيا مع انتشار جنود الإحتلال في العراق وأفغانستان وفلسطين، وكذلك في أكثر البلدان فقرا

4-    اختصت المنظمات “غير الحكومية” في كتابة التقارير عن الوضع بشكل عام في البلدان التي تعمل بها، بطلب من المُمَوِّلين، وعوّضت بذلك إرساليات التبشير والأنثروبولوجيا التي كانت تسبق أو ترافق جيش المُستعمر

5-    أشار الصديق أحمد الخميسي في مقاله ان شراء عقل النخبة المحلية أرخص من الغزو العسكري بالطائرات وأخف ضررا، ومن يبيع نفسه بثمن زهيد لا يمكن التعويل عليه لبناء وطن والدفاع عنه

6-    تمارس الإمبريالية خديعة الخطاب المُزدوج بخصوص أنظمة الحكم الرجعية والدكتاتورية التي تساندها، فتخلق منظمات غير حكومية وتُمَوِّلُها، لكي تضع قدما في الحكم وقدما في المعارضة، ما أثار ردود فعل بعض الأنظمة الرجعية (في مصر وتونس على سبيل المثال) التي تتهم هذه المنظمات ب”الإرتزاق” و”الولاء للخارج” (أو للأجنبي) و”الخيانة” وغير ذلك من الأوصاف والنعوت التي تتسم بها هذه الأنظمة أيضا، ولكن الإمبريالية (الدول “المانحة”) خلقت تنافسا بين عملائها، ومهما كان المنتصر فهي الرابح الوحيد، وينطبق على هذه الحالة ما نُسِبَ إلى أحد الخُلفاء العباسيين “امْطُرِي حيث شئْتِ فخراجك عائد إليّ”

7-    حبذا لو ينال موضوع التمويل الأجنبي للمنظمات “غير الحكومية” حظه من اهتمام العرافين بالأمر، لأن خطورته تماثل خطورة الإستعمار الجديد، بل هي تُمَثِّل إحدى مقومات الهيمنة الإمبريالية