موعدنا في مزارع شبعا

ثريا عاصي

استناداً إلى الأخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام، نفّذ مقاتلو المقاومة اللبنانية عملية عسكرية ضدّ القوات الإسرائيلية التي تحتل مزارع شبعا. يبدو، بحسب المعلّقين، أنّ المقاومة تُظهر من خلال هذه العملية جرأة ومهنيّة على درجة عالية.
اللافت للنظر أنّ قوات المستعمرين الإسرائيليين ربما كانت تتوقّع هجوم المقاتلين اللبنانيين في مزارع شبعا، بدليل انّها أجرت في الأيام القليلة التي سبقت الهجوم مناورات عسكرية، فضلاً عن أنّها كانت تقوم دورياً بقصف المناطق المحيطة بمواقعها احتياطاً، بل ليس مستبعداً أن تكون هذه القوات قد استشعرت دخول المقاومين اللبنانيين إلى المناطق التي تحتلّها ولكنها لم تتمكّن من اكتشاف مكان تواجدهم أو من مواجهتهم.
تُحاكي عملية شبعا التي نفّذتها مجموعة الشهيد سمير القنطار، العمليات التي كانت تجري ضدّ القوات الإسرائيلية عندما كانت هذه الأخيرة تحتلّ الشريط الحدودي، والتي تصاعدت وتيرتها إلى حدٍّ جعل المستعمرين الإسرائيليين يقتنعون بأنّ احتلال الأراضي اللبنانية صعب وذا كلفة كبيرة، فقرّروا إخلاءها.

مهما يكن فإنّ عملية مزارع شبعا تُجيز لنا إبداء بعض الملاحظات، منها:

ـ إنّ المقاومة اللبنانية قادرة على القيام بهجمات على المواقع الإسرائيلية في المناطق المحتلة، وبالتالي، من المحتمل، إذا توفّرت الظروف الملائمة، أن تتصاعد وتيرة هذه الهجمات وأن تتزايد فاعلياتها، حتى يقتنع المحتلون بأنّ الاستيلاء على أرض اللبنانيين في جنوب لبنان، ليس مسألة بسيطة. ما ينطبق على لبنان ينطبق على جميع الدول المحيطة بفلسطين المحتلة، وعلى الضفة الغربية وقطاع غزة أيضاً.

ـ من المفارقات العجيبة في بلاد العرب، أنّ هذه المقاومة اللبنانية التي ينعتها المستعمرون الإسرائيليون وحلفاؤهم المستعمرون في الغرب بالإرهابية، لأنّها تقاتل الإسرائيليين وتشجّع على قتالهم، ينعتها شيوخ الخليج أيضاً بالإرهابية، ويلفّقون ضدّها التّهم. فهي إيرانية حيناً، ومرتدّة حيناً آخر، وفي مختلف الأحوال هي من وجهة نظرهم، لا تقاوم الإسرائيليين. «إذا أتتني مذمتي من ناقصٍ»! ينبني عليه أنّه يكفي هذه المقاومة شرفاً، وشهادةً على حقيقتها وعلى هُويَّتها بما هي جذوة حركة التحرر الوطني، أنّها في آن، على لوائح الإرهاب التي وضعها المستعمرون الأميركيون والأوروبيون والإسرائيليون والخليجيون!

ـ من لا يعترف من اللبنانيين، بدور المقاومة في الدفاع عن التراب الوطني في مواجهة المشروع الاستعماري الإسرائيلي، إنّما يكون قد وضع نفسه في خدمة مشيخات وإمارات الخليج. علماً أنّ أحداث السنوات الخمس الماضية أثبتت لكل ذي بصيرة أنّ هذه الأخيرة هي في الواقع كيانات خاضعة لسيطرة المستعمرين الأميركيين، ولكنها كانت مموّهة تارة بالعروبة، وتارة أخرى بالإسلام.

ـ ينجم عنه أنّ المواقف التي يتّخذها حكام الخليح إنّما تُعبّر عن تناسق كامل بين مصالحهم من جهة، ومصالح المستعمرين الإسرائيليين من جهة ثانية. بكلام أكثر صراحةً ووضوحاً، كون بلدان الخليج واقعة فعلياً، تحت الاحتلال الأميركي، فإنّ دور حكّامها لا يعدو دور الوكلاء المحليين الذين ينفّذون ما يطلبه أصحاب السلطة الحقيقية. وإن عجز أو شذّ أمير أو شيخ، انقلب عليه أولاده أو قتله أقاربه. فمن يريد أن يميّز مواقف حكام الخليج من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، إنّما يسعى إلى خداع الناس!

ـ أظنّ أنّه في موضوع التصدّي لمقاومة المستعمرين، دفاعاً عن الوجود، علينا أن نرتقي في تفكيرنا ومشاعرنا إلى درجة فوق السياسة الحزبية والعصبية القبلية والطائفية. من البديهي أنّ العملاء أتباع الأتباع لن يُعيروا اهتمامهم لهذه الاعتبارات وهم منسجمون مع أنفسهم. لا شكّ في ذلك، فأنا أفكر من موقع مناهضة الاستعمار ومناصرة حق الشعوب في تقرير مصيرها بحرية، لذا لا يسعني الا أن أنحني تقديراً واحتراماً وإجلالاً أمام المقاومين في بلادي الذين يبذلون التضحيات من أجل أن نبقى على هذه الأرض اللبنانية السورية. ما أعنيه هنا هو أنّه يحق للمقاوم أن يكون مؤمناً، أن يُدين بالديانة التي اقتنع وآمن برسالتها، أو أن يكون علمانياً يحتفظ بسرّ إيمانه، ولكن الوطن لا يُدين بديانة من الديانات ولا يتبع مذهباً من المذاهب.
الوطن حقل نزرعه جميعاً، يختلف الثمر باختلاف الأرض والبيئة، ولكن ثمرة شجرة التفاح تفاح، أكان المزارع مؤمناً أو لا. ما يهمّ هي المعرفة والمهارة والأمانة والإخلاص والنشاط!

:::::

“الديار”، بيروت

http://www.addiyar.com/