عن نشأت وعن الإحصاء الذي هو عكس الجنون

 

الشهيد الفدائي نشأت ملحم

سقط في حرب الاستنزاف التي استمرت ألف يوم، بالتمام والكمال، 367  قتيلا إسرائيليا. بينما قتلت حوادث السير ،في العام الفائت وحده 345 إسرائيليا.

على ضوء المعلومة أعلاه: ما الذي يمكن أن تحققه، فعلا، عملية إطلاق نار في قلب تل أبيب؟

إنقاص عدد الصهاينة؟ ليس دقيقا:  فكم عدد الرصاصات القاتلة التي من المفترض أن تنجح في تفكيك بنية نووية ومؤسسات وجيش وعقيدة ودين وما يراد له أن يكون قومية؟  إن إسرائيل، بصواريخ تزن أطنانا، وبطائرات إف 16، وبأباتشي وبمفاعل ديمونة، وفوهات ابواق التسوية المصوبة إلى الشعب الفلسطيني، بمئات آلاف البنادق وبمجتمع مسلّح حتى الأسنان، وبصفاقة ساستنا المميتة، لم تنجح في إبادة الشعب الفلسطيني. فكيف ستنجح رصاصات المقاومة، قليلة العدد، على الضدّ، بإبادة إسرائيل؟

ما الذي يمكن أن تحققه، فعلا، رصاصات فرادى، وسط تل أبيب؟

إليكم محاولة للإجابة: تهشيم الوعي الزائف، إعادة رفع وعي جديد على أنقاض هذا الخراب الذي إسمه ثقافة وطنية (ثقافة وطنية تطالب بحكم ذاتي ثقافي .. ثقافة وطنية تطالب، من على منصة الكنيست، بدولتين لشعبين – دولتين لشعب ونصف، ونصف شعب، بعبارة أدقّ-) ! وهو الخراب الذي تفقس تحته فطريات مفكّرة على شاكلة هؤلاء الذين ينبزون لنا بعد كل غيمة ماطرة لكي يقولوا لنا: توقفوا عن تمجيد الشهداء، أنتم تزعجوننا ونحن بحاجة للتفكير أولا فيما إذا كان هؤلاء الشهداء شهداء أم مجانين.

أسفرت عمليّة ديزنگوف عن مقتل إثنين على الأقل: شمعون رويمي من أوفاكيم، و ألون پيكل من تل أبيب. كلاهما كانا جنديين في وحدات قتالية إبّان حرب غزة الأخيرة. أما بار “سيمتا”  الذي نفذ فيه ملحم عمليته، فهو معروف، وفقا لموقع عروتس شيفع اليميني الصهيوني، بكونه مكان التقاء المسرّحين من الوحدات القتالية. لا بدّ أن العديد من الجنود التقوا هنالك، وتحدثوا عن الطرائف التي حصلت معهم في حرب غزة الأخيرة قبل أن يشربوا البيرة، لذكرى الأيام المجيدة التي قصفوا فيها الشجاعية صباح الأحد 20.7.2014 ، مثلا (في ذلك الصباح، حصلت ثلاثة أمور مهمّة: قصفت وحدات المدفعية الإسرائيلية الشجاعية بجنون، وامتلأ الفيسبوك ببكائيات المثقفين، لقطاء لجنة المتابعة، ونهض نشأت ملحم، من على برشه في السجن، كي يحلق ذقنه، من دون أن يعبأ بالهامش الرمادي الذي يملؤه البعض بالضجيج.)

أي فعل يشبه الجنون كالشهادة؟ :  جنون القصف!

لكنّكم فقدتم قدرتكم على التمييز لأنكم لا تملكون الجرأة على تحديد إلى أي الاتجاهين المحتربين على هذه الأرض تنتسبون. أنتم ترتزقون من وجودكم في المنطقة الرمادية: فلسطينيون بامتيازات إسرائيلية. عملية كعملية نشأت ملحم تُحارب، ليس لأنكم تشفقون على جنود إسرائيل المسرّحين إلى باراتها، بل لأن هذه العملية بالذات تفقدكم امتيازاتكم كمتألمين حسّاسين من فرط التمييز. لنعترف، بعد كل شيء، أن منظر مثقّف حساس ويعاني من التمييز هو أكثر جاذبية من منظر شهيد يحمل مسدّسا ويطلق النار نحو مجرمَيّ حرب، في بار يسكر فيه مجرمو الحرب.

يتبع هذا،  تساؤل عن معنى “المقاومة”.  كنه هذه الكلمة بات يخلق عند البعض أوهاما تنزع عن المقاومة موهبتها الأساسية: ضعف العدد والعديد. سعيها، في هذا الهامش الضيق، على الضد من احتمالات التاريخ، إلى قلب منطق التاريخ. وجنونها عند اتخاذ الخيارات. أيها السادة، المشتركين في جريدة الإتحاد الحيفاوية، وفي كل إصدارات المركز العربي للأبحاث في الدوحة (وأيضا، جمهور متابعي أحمد طيبي من على موقع يوتيوب) :  ليس مطلوبا من المقاومة، وسط كل هذا الجنون الذي يحيط بها، أن تكون رزينة. ليس مطلوبا منها أن تخرج مرة كل أربعة سنوات (كما تفترضون) كي تقف في طابور التصويت لانتخابات الكنيست. لكي يلقي أحمد طيبي، في المحصّلة،  بنكتة لطيفة عن على المنبر، فتفرحون. تريدون سماع نكات؟ إذهبوا إلى البار الذي أطلق فيه ملحم صلية رصاص على كل هذا الزيف الذي تعيشون فيه. واسمعوا نكات جنود الچڤعاتي و الچولاني المسرّحين.

ما الذي فعله نشأت ملحم حقيقة؟ لقد مارس جنونا. يشبه جنون مقاتلي الضفادع البشرية أبناء كتائب القسام في زيكيم. يشبه جنون الشيخ خضر، ونضال أبو عكر، وأحمد سعدات. لكنه لا يشبه إلقاء كلمة من على منصّة الكنيست بكل تأكيد.

ما الذي تفعله المقاومة؟ ما الذي فعله نشأت ملحم غير ارتكاب الجنون؟ غير أن هذا الجنون موجّه، لتحويل فعل الجنون نفسه إلى ممارسة جمعية (يسمّونها، في بعض الأحيان، إنتفاضة) وهوما ينفي عنه صفة الجنون ويحيله إلى مقاومة لا تعبأ بضعف العديد، وقلة العدد، عندما يحين موعد الاختيار.

عن انفصام الشخصية

علينا أن نفهم: إن إنفصام الشخصية في هذا البلد نسبي: فأن تمجّد المقاومة حين تدفع غزّة وحدها ثمن المقاومة، أمر، وأن تنتقدها إن اندلقت المقاومة في حضنك وسط تل أبيب، فهددت تعايشك، هو أمر آخر. هذا ليس انفصام شخصية. هذا، كيف نقول، حنكة! . أما نشأت ملحم، فهو بتعريف العرب العاربة (أو موقع عرب 48، فهو مختل عقليا).

لماذا؟ لأن نشأت ملحم بفعله الفردي، والمجنون، واللا مسؤول، قد سلّط دمه المضيء على الهامش الرمادي المريح الذي يتمدد فيه البعض ويطلقون شعارات تأييد المقاومة، ما دام مدى نارها لا يصل إليهم، وما دام مدى نار الأباتشي محصور في غزة.

أنتم، يا من تتوقفون لحظة لتستمتعوا بملكة التشكيك،أديروها  وقلّبوها كيفما شئتم، أنتم مستاؤون لأن شابّا إسمه نشأت ملحم، قد أخل بالتوزان الدقيق للرمادية في الهامش الذي تفضلون العيش فيه: تطلقون شعارات قومية لكنّكم وبكل تأكيد ترفضون أن توطأ إسرائيليتكم, وتصرون على النضال الشعبي الجميل، المقبول على المانحين. لأنكم تسترزقون.

أنتم تفضلون الانتساب لفلسطين بامتيازات إسرائيلية. هذا ما أنتم عليه. هذا ما يربونكم على أنه الأفضل للقضية الوطنية (القضية الوطنية هي أنتم.. الأفضل لها هو بقاء امتيازاتكم ، بالضرورة)

أترككم، مع اقتباس من غسان كنفاني. الاقتباس من قصة قصيرة بعنوان “لا شيء”

–          لقد قتلتَ اثنين

–          من؟

–          أنت، حينما أطلقت رصاصك، قتلت اثنين منهم..

–          وأين المفاجأة؟ حينما يطلق المرء رصاصا، فإنه يطلقه على شيء ما

–          كنت تتعمد ذلك؟

–          أوف! ماذا تحسب إذا؟

–          كنت أحسب أنه انهيار عصبي!

–          وما الفرق؟

–          الفرق أن المصاب بانهيار عصبي لا يتعمد ذلك!

:::::

بوابة الهدف الإخبارية

http://hadfnews.ps/post/11713