مفاجآت غسان كنفاني المدهشة:

التغيير و”اللغة العمياء”!

 

نصار إبراهيم

فلسطين المحتلة

بعد أن أعدت طباعة وتدقيق هذه الورقة “النادرة” المدهشة والرائعة، ها أنذا أضعها بين أيديكم وأمام عقولكم… كلمة الشهيد غسان كنفاني في الندوة الاستراتيجية الهامة “أفكار عن التغيير واللغة العمياء” التي قدمها في دار الندوة ببيروت 11 – آذار – 1967.
وبعد القراءة المتأنية لهذه المداخلة ربما سيصل الكثيرون إلى ذات الفكرة التي توصلت إليها وهي: أن هذه الورقة يجب أن تُدرس أولا لقيادات الأحزاب والتنظيمات الفلسطينية وثانيا لأعضائها … وبالطبع للمثقفين والإعلاميين… كي يدركوا ويتعلموا كيف عليهم أن يفكروا ويتعاملوا مع أسئلة وحركة وتحديات الواقع… وأيضا ليفهموا بالضبط كيف يكون دور المثقف الثوري أو الوطني الملتزم بقضية هائلة كقضية فلسطين والأمة العربية… أو أية قضايا إنسانية كبرى وجدية… كيف يجب وعيها ومقاربتها والتعامل معها ومع أسئلتها وتناقضاتها بصورة إيجابية ونقدية خلاقة، بعيدا عن الغوغائية واللغة العمياء التي تهيمن اليوم على كتابات وأعمال العديد من المثقفين بما يخفي العجز والتواطؤ وضعف المخيال، تلك اللغة التي ترضي الجميع وتريحهم فيما هي لا تقول ولا تعني شيئا محددا في الواقع…
لكم تحياتي وتقديري

● ● ●

تقديم

بعد أن أعدت طباعة وتدقيق هذه الورقة “النادرة” المدهشة والرائعة، ها أنذا أضعها بين أيديكم وأمام عقولكم… كلمة الشهيد غسان كنفاني في الندوة الاستراتيجية الهامة “أفكار عن التغيير واللغة العمياء” التي قدمها في دار الندوة ببيروت 11 – آذار – 1968.
ومع أنني من المتابعين لكتابات الشهيد غسان كنفاني وميراثه الفكري والسياسي والأدبي… غير أن هذه هي المرة الأولى التي أطلع فيها على هذه المداخلة أو الورقة…و بعد أن قرأتها بسرعة واندهاش.. أعدت قراءتها بدقة وتأن أكثر من مرة… وتوقفت طويلا أمام مضامينها وركائزها وأفكارها وطريقة سردها ومنطقها ومنهجها… الأمر الذي أيقظ في عقلي ووجداني من جديد غسان كنفاني بكل رشاقته وحيويته وعفويته الجميلة.. بكل ما يملكه من قدرة على الاستشراف والربط والتحليل الجدلي دون إضاعة الاتجاه في اللغو العام..
إنه فعلا وكما وصفه محمود درويش تماما”لم يستطعْ غسان كنفاني أن يكون مؤثراً وفعّالاً إلا لأنه كان كاتباً محترفاً … حتى في كتابته الصحفية أو اليومية كان شديد الخصوصية والتميّز والإتقان. رشيقاً ومتوتراً كغزال يبشّر بزلزال. كان ممتلئاً بحيوية نادرة في هذا الجيل. كان مسكوناً بكهرباء لا تنضب”.
لقد حاولت أن أتذكر ملامح المرحلة والزمن الذي كان يتحدث فيهما وعنهما غسان كنفاني.. ومن باب المقارنة والأسى فكرت: يفصلنا نصف قرن عن اللحظة التي وقف فيها غسان كنفاني ليلقي محاكمته أو بيانه هذا عام 1968 واللحظة الراهنة اليوم عام 2016… وبعد صمت وجدتني أتمنى لو أن بعض القيادات الفلسطينية (أقول مجرد بعضها) يعرف أو يفهم أو يدرك أو يعي اليوم بعض (وليس كل) ما كان يعرفه ويدركه ويفهمه ويعيه غسان كنفاني قبل نصف قرن من الآن… هل هذا كثير.. أم هو أكثر من ذلك بحيث تتجاوز المقارنة الأمنية لتقترب من مستوى الفضيحة…
هنا لا أتحدث عن فذلكات ولا عن رياضة ذهنية ولا عن ترف فلسفي… بل أتحدث عن كيف يرى ويقارب العقل القيادي السياسي المبدع والمثقف الثوري أسئلة الواقع ويشغل نفسه بها حتى النهاية…
في هذه المداخلة يقف كنفاني أمام أسئلة مفصلية كبرى، الكثير منها إن لم يكن جلها، هي ذاتها نواجهها اليوم… كان يقدم قراءته المذهلة بكل تواضع، ومن موقع المشارك الفاعل في الحوار وليس من موقع المالك الوحيد للحقيقة… كان فاعلا حيويا على طاولة الحوار… وليس محتكرا لها… لقد تناول كنفاني أسباب التخلف والعجز في الواقع العربي…وناقش وبإدهاش مشكلة التناقض بين الأجيال وعملية التغيير الاجتماعي والحزبي… كان يناقش ويحاور ويتساءل بعقل الباحث الدقيق والصارم.. بعيدا عن اللغة الهلامية أو اللغة العمياء على حد قوله… كان يتحرك ويدير النقاش بجدارة ومهارة طبيب جراح فيكشف بدقة أسباب الاعتلالات والاختلالات ويقدم أفكارا منهجية وليس وصفة جامدة للعلاج… يكشف معنى الديمقراطية سواء بالمعنى الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي… يحدد وبدقة الفارق بين الديمقراطية البرلمانية والديمقراطية كدورة دموية شاملة للجسد الاجتماعي بكافة بناه ومؤسساته، يناقش ببراعة وحيوية مفهوم الاستراتيجية… يتحدث بإسهاب وعمق ودقة (وكأنه يعيش الآن هذا التحدي) دور الشباب في التغيير وفي تجديد الدورة الدموية في المجتمع والدولة والأحزاب السياسية… يؤكد على أن الحزب يبقى النموذج الأرقى لاختبار قدرة المجتمع على ممارسة الديمقراطية بعيدا عن الجمود وتقديس الأفراد إذا ما تصرف بصورة ديمقراطية في داخله… يتحدث عن أزمة الحزب السياسي مع نفسه وفي علاقته بالأحزاب الأخرى…
بعد القراءة المتأنية لهذه المداخلة ربما سيصل الكثيرون إلى ذات الفكرة التي توصلت إليها وهي: أن هذه الورقة يجب أن تُدرس أولا لقيادات الأحزاب والتنظيمات الفلسطينية وثانيا لأعضائها … وبالطبع للمثقفين والإعلاميين… كي يدركوا ويتعلموا كيف عليهم أن يفكروا ويتعاملوا مع أسئلة وحركة وتحديات الواقع… وأيضا ليفهموا بالضبط كيف يكون دور المثقف الثوري أو الوطني الملتزم بقضية هائلة كقضية فلسطين والأمة العربية… أو أية قضايا إنسانية كبرى وجدية… كيف يجب وعيها ومقاربتها والتعامل معها ومع أسئلتها وتناقضاتها بصورة إيجابية ونقدية خلاقة، بعيدا عن الغوغائية واللغة العمياء التي تهيمن اليوم على كتابات وأعمال العديد من المثقفين بما يخفي العجز والتواطؤ وضعف المخيال، تلك اللغة التي ترضي الجميع وتريحهم فيما هي لا تقول ولا تعني شيئا محددا في الواقع.]

(انتهى التقديم)

● ● ●

التغيير و”اللغة العمياء”!

(الجزء الأول)

11 آذار 1968

شهد هذا المنبر أساتذة أكفاء، استعرضوا جوانب مختلفة من أسباب الهزيمة وحوافزها ووسائل الارتفاع إلى مستوى التحديات التي أطلقتها، والواجبات العاجلة التي تفرضها على هذا الجانب أو ذاك من مجتمعنا.
وكل ما قيل، يبرهن على شئ واحد على الأقل متفق عليه تماما، هو أن رصد ما حدث وما يحدث وما سيحدث ينبغي أن يبدا من جوانب مختلفة، فليس ثمة رواية رصد واحدة. وليس ثمة خطأ واحد، والهزيمة لا يمكن اختصارها بشعار أو التنصل منها باتهام.
إن ما يحدث على هذا المنبر يلخص ما يحدث عمليا على الأرض العربية كلها في أعقاب الهزة العميقة، إن الحوار يتفجر من كل جانب، وحصيلته كلها هي الصورة، فالجوانب المختلفة لا يمكن التعبير عنها من قبل جبهة واحدة أو شخص واحد، وأفضل ما نستطيع أن نفعل هو أن نستوعب كل ما يقال آنذاك، هذا وحده هو الذي يعطي الحوار معناه وجدواه ومستقبله.
ولذلك كله لدي ملاحظة واحدة لا بد من تثبيتها قبل أن أبدأ حصتي من هذا الحوار، إن الزاوية التي أتحدث عنها هي جزء من الموضوع، لا تكتسب معناها إن كان لها أي معنى، إلا بإضافتها إلى مجموع الأبعاد التي اشترك الزملاء على هذا المنبر في تحديدها.
ثمة نقاط سيبدو أنني تجاهلتها، ثمة أسباب ربما تكون أكبر من تلك التي أشرت إليها، ثمة وسائل تصحيح قد تكون سباقة عن تلك التي سأراها في سلم الأولويات. إلا أن الصفحات التالية لا تدعي أن ذلك صحيح فهي تشكل حلقة في سلسلة معناها الحقيقي في ربطها إلى الحلقات الأخرى.
هناك دور القوى الخارجية في القصة وسبر غورها. هناك دور القوى المضادة في الداخل وقيمة لعبتها، هناك الحصيلة التي تجئ من تفاعلات القوى الاقتصادية والاجتماعية، هنالك أسلوب العمل العربي السياسي خلال السنوات العشر الماضية، هنالك أسباب وأمور أخرى قد لا يكون العدو قادرا على حصرها وإنكارها، فبالإضافة إلى أنه غير ممكن فهو غير وارد أيضا.
من هنا فإن هذه المحاولة يمكن أن توصف منفردة بأنها جزئية، فإذا وضعت في مكانها من قصة هذا المنبر وأصواته الستة عشر تصبح لوشئتم كاملة.
إن فترات الهزائم في تواريخ الشعوب تشهد نموا سريعا في الحس النقدي، يتطور في أحيان كثيرة نحو تيار من النقمة والغضب، ومما لا شك فيه أن ذلك الحس النقدي حتى لو اتخذ صورة النقمة والغضب، يظل ذا طاقة بناءة لا غنى عنها.
إن قدرة الإنسان على تجاوز السقوط هي ذات قدرته على الإدانة، وطاقته على تصحيح الخطأ هي ذاتها طاقته على اكتشافه.
ولذلك فإن فترات الهزائم عند الشعوب تتخذ طابع المراجعة الصارمة والقاسية في نوع ضمتي من عقاب الذات غايته الأساسية التزود بقدرة إضافية على الدفاع عن النفس.
إن تيقظ الحس النقدي في فترات الهزائم يشبه تيقظ حواس الإنسان دفعة واحدة لحظة تعرضه للخطر، فهي تضاعف طاقتها على الالتقاط لتضاعف بالتالي قدرتها على المواجهة.
وذلك كله، بلا ريب يشكل ظاهرة بناءة لا بد منها ولا غنى عنها طالما أن الحافز في جوهره هو الرد على الخطر، والتخلص من الهزيمة.
ولكن فترات الهزائم لا تشهد فقط هذا التيقظ في حس النقد والمراجعة، بل تشهد أيضا ظاهرة أخرى شديدة الارتباط بذلك التيقظ، وهي تجاوز الحس النقدي لحدوده، وتحوله إلى نوع من التنصل عن طريق المبالغة في عقاب الذات.
وهذه الظاهرة هي التي تشكل الوجه الأخطر في فترات الهزائم، وطالما أننا استعملنا مثال الإنسان الذي يواجه الخطر، فتتضاعف قدرات حواسه على الالتقاط والمواجهة لوصف تيقظ الحس النقدي، فإن تجاوز الحس النقدي لحدوده يمكن أن يلخص في إنسان مماثل أفقده الخطر المحيق به شجاعة تنقذ الحس، فأضاف إلى الخطر الذي يواجهه أشباحا من الأوهام، وأفقد نفسه التقييم الحقيقي لقدراته وبالتالي تصويب هذه القدرات.
إننا بصورة ما نواجه حاليا امتزاجا بين الحالتين، فأمام تيار من المراجعة الشجاعة، نشهده هنا وهناك، يوجد تيار آخر من العويل الذي لا يرمي في نهاية المطاف إلا إلى التنصل وراء ستار النقد باسم النقد والمراجعة- في فترات الهزائم – يمارس التيار الأقل قدرة على الصمود لعبة الانتحار، فيدخل في فوضى تقييم الأشياء والأمور والمواقف، ويرتكب أخطاء جسيمة في إدراك حجومها الحقيقية وأمكنتها في الصورة المهزومة برمتها، وتلقى هذه اللعبة أرضا خصبة للاستقبال، وسط الانكسار الذي تعممه الهزيمة، ومن هنا يكتسب خطورته وطاقته على الهدم.
في هذه الفترات الدقيقة تكتسب مهمة الباحث دورا أعمق مما كان لها في أي وقت مضى، فهي مطالبة بالتزود بشجاعة مضاعفة، من جهة القدرة على النقد ومن جهة أخرى للتمسك بما لا ينبغي أن يُدمّر.
والفارق بين هذين الجانبين من المهمة فارق دقيق جدا، ويكفي أن يخطو الباحث خطوة أخرى إضافية إلى جانب النقد ليسقط في فوضى التقييم، أو خطوة إضافية إلى جانب التمسك بالمعطيات التقليدية ليسقط في الجمود والاستسلام لما أضحى غير مقبول.
على أن خطورة فترة الهزيمة، من حيث أنها تحمل في مناخها في آن واحد بذور البناء وبذور الدمار، تستلزم إدراكا حقيقيا لما يستحق أن يُنبَذ ولما يستحق أن يُدَافع عنه، فليس أسهل من الولاء المطلق إلا الرفض المطلق.
لقد رأى هذا الجيل في الكتب التي قرأها في المدراس صورة فوتوغرافية لا تنسى، لقد التُقِطت الصورة في أواخر العقد الثاني من هذا القرن، وهي لرجل يمتطي صهوة جواد مندفع بكبرياء، يلوِّح بين أذنيه سيفا لامعا ليواجه بهما – بوضوح لا يحتمل التردد – طائرة تركية تنقض عليه.
لقد كانت تلك الصورة حقيقية، لم تكن فيلما، ولم تكن معدة سلفا للإعلام، كانت تلخيصا فذّا ومروِّعا للحقيقة، كانت تمثل كيف أطل العرب على القرن العشرين من خلال الثورة العربية الكبرى.
بين تلك الصورة الرمز وبيننا نصف قرن تماما، وإذا اجتذبنا أنفسنا بعيدا بعض الشئ عن الدوامة التي تستغرقنا وتشغل أيامنا لرأينا فيما حدث خلال نصف القرن هذا تطورا يشبه المعجزة.
ومع ذلك إنه لم يكن نصف قرن تماما، في الواقع إن الإطلالة العربية على العصر لا تزيد كثيرا عن ربع قرن، لقد تسلم الرجال المحليون دفة بلاد شاسعة خارجة من العصور الوسطى قبل ربع قرن تقريبا.
إن الذي حققه العربي لنفسه خلال هذه الفترة الوجيزة هو شئ كبير في قياس التاريخ، لقد كان خارجا لتوه من تحت العباءة السوداء التي ألقاها فوقه الحكم العثماني المتخلف، طوال قرون كانت ذات قيمة جوهرية في تاريخ الإنسان المعاصر، وإذا كان التاريخ قد شهد أمثلة عديدة ليقظات سريعة في ألمانيا واليابان مثلا، فإن تلك اليقظات لم تكن لتنطلق من الصفر، كانت تنطلق من طبقة موجودة تكنولوجيا وسياسيا وعسكريا، حتى وإن كانت طبقة شنت الحرب، أما بالنسبة للعرب فقد بدأ الدخول إلى العصر من نقطة الصفر.
لقد شهد جيلنا نحن على سبيل المثال تطورا مذهلا، قد يكون اقترابنا منه قد أفقده في نظرنا قيمته الكبرى، لأن الفروق الجذرية التي تفصلنا عن آبائنا ليس لها مثيل قط، ومن النادر أن شهد التاريخ مثل هذا البون الشاسع بين الأجيال المتقاربة، بل وتلك الفروق التي نستشعرها حتى إزاء إخواننا، فالعجلة تجري بأسرع مما يمكن الاستيعاب.
إن هذه الحقيقة مهمة فقط من حيث كونها تلغي نظرية عدم الجدارة، وضعف قابلية العرب للتطور، وهي نظرية لا يبنى عليها جزءا أساسيا من دعوى تبرير غزوه فحسب، ولكنها باتت تستخدم كمنطلق نظري لدى بعض كتابنا تحت ستار النقد.
إن المسافات بين أجيالنا الراهنة لم يعد ممكنا بعد قياسها بالسنوات، فالتطور بات أسرع من أن توضع له حدود، ومن هنا تنبع واحدة من أهم مشاكلنا المعاصرة، فهذه الحقيقة على بساطتها تتناقض تناقضا جوهريا مع قاعدة اجتماعية موجودة في حياتنا، وليس بالوسع التخلص منها بسهولة، وهي القاعدة التي سنطلق عليها مبدئيا قاعدة الأبوة.
فالأكبر عمرا تقليديا يطلب من الأصغر دائما حق الاحترام والتسليم، وإذا كان هذا التقليد قد شكل جوهر المؤسسة الاجتماعية في فترات الركود، فإنه يشكل الآن وسط الديناميكية التي تتجاوز نفسها كل يوم قيدا صعبا يؤدي إلى نتائج شديدة الخطورة.
ولا يعني هذا على الاطلاق التخلي عن المؤسسة العائلية، ولكن يعني حتما أن يضاف إليها بند حيوي وأساسي، هو أن يبادل الكبير الصغير الاحترام.
إن ما أسميناه بقاعدة الأبوة، تعكس نفسها إلى أبعد من الإطار العائلي، ومع ذلك فقد يبدو الإطار العائلي أفضل مثال عنها ولكن ليس أهمها، إنها تعكس نفسها كقاعدة على حياتنا الاجتماعية والسياسية أيضا، فهي تؤخر في اندفاع الطاقة الشابة إلى القيادة، في وقت تتميز فيه حركة المجتمع بالسرعة، وتستلزم بالتالي التصاعد معها لا تكبيلها.
سنسارع إلى القول بأن هذا الكلام لا يعني على الاطلاق التقيد بالمعنى المباشر لصيغة – العناصر الشابة – إذن المقصود ليس بالضبط العمر بالسنوات على الرغم من أهمية ذلك، ولكن اصطلاح – الصيغة الشابة – يتجاوز التعريف المحدود إلى ما هو أبعد منه، إلى الصفة العقلية للعنصر الشاب، أي إلى العقلية الشابة التي توازي مستوى العصر وتتجاوب معه بغض النظر، لو استلزم الأمر، عن شهادة الميلاد.
ومع ذلك فإنه في وضعنا التطوري الراهن، غالبا ما تتوازى العقلية الشابة مع العمر الشاب، فإذا وضعنا هذا في الحسبان فإنه ينبغي أيضا عدم إلحاق أي ظلم بالاستثناءات التي قد تكون كبيرة جدا.
وسواء أكان الوضع خاصا بهذه الفئة أو تلك ممن تمثل العقلية الشابة، فإن هنالك سدودا غامضة واقفة في طريقهما يتبعهما الانتظار أمامهما لحد التخلي أحيانا، وإذا تهيأت لهما فرصة تجاوز تلك السدود فإنهما يجدان من الصعب أن يتركا مكانهما الجديد بعد أقل وقت ممكن، وقت ممكن للجيل الأحدث الذي وصل لتوه بعدهما.
لقد أدت هذه الحقيقة إلى سلسلة من النتائج، قد يكون أبرزها هذا الاستسلام في قبول مبدأ أن يظل صاحب السلطة أطول فترة ممكنة على رأس السلطة، بدل أن يكون التبديل تجاوبا مع ديناميكية التطور، ودفع رجال العصر في تطورهم الدائب إلى القيادة على مختلف المستويات.
مرة أخرى سنسارع إلى القول أن ما نقصده بالقيادة لا يعني على الإطلاق زعامة الدولة، لأن المسألة ليست ولا ينبغي أن تكون مسألة فرد أو مسألة مجموعة من الأفراد، إن المقصود بالقيادة هو كل المستويات التي يمارس منها الإنسان في مجتمع معافى قدرة التأثير.
الواقع أن رئيس الدولة أو زعيم الحزب هو من حيث الواقع محصلة لمجموع القيادات الموجودة في الجسم الاجتماعي والسياسي الذي يترأسه. ومن الظلم النظر إلى هذه المسألة نظرة ذاتية. إن تغيير قمة الدولة ليس على الإطلاق تغييرا بالمعنى الذي تعنيه الكلمة. وطالما أن مجموع القيادات التي تشكل الهرم السياسي ليست في وضع سليم، فإنه من العبث أن نطلب من ذلك التغيير أن يلبي مطامحا.
إن القضية وراء هذا الكلام أعمق من مجرد التحرك الشكلي، فقد آن لنا ألا نوجه طاقتنا إلى سطح الإشكال وإلى الجزء الظاهر على صفحته الخارجية، وحين نتحدث عن التغيير فنحن نقصد التغيير العميق في البنى التحتية للتكوين السياسي والاجتماعي، وهو ذاته التغيير الذي يعطي رئيس دولة ما، أو زعيم حزب ما أو القيادة المشتركة لتنظيم ما، طاقته الحقيقية وقابلياته وأداة وسلطة وإمكانية تحقيق مطامحه وخطته.
ولذلك فإننا حين نقول إن ضعف القدرة على استيعاب العناصر الشابة تجعل من المسلم به قبول مبدأ أن يظل صاحب السلطة في منصبه مدة طويلة، يشكل خلالها سدا في وجه العناصر التي تتجاوب أكثر مع تطور العصر، فإننا إنما نشير إلى جميع الأجهزة والمؤسسات والتنظيمات والأحزاب والإدارات والهيئات بصيغها السياسية والاقتصادية والثقافية.
إن هذه الظاهرة تشكل سدا غير مرئي يعرقل نقل قدراتنا العالية على التطور إلى صعيد الممارسة اليومية.
ذلك هو بالذات ما نراه مجسما في ظاهرة الهجرة والاغتراب، فالاغتراب ليس بحثا مجردا عن المال ولكن عن القيمة أيضا.
وذلك بالذات ما يجعلنا نرى مديري دوائر أقدم على مقاعدهم من الأوراق في أرشيف مكاتبهم.
وذلك بالذات ما يجعلنا لا نرى وجوها شابة بالصورة التي تعكس حقيقة التطور الذي نعيشه على مقاعد سلطاتنا التشريعية والتنفيذية.
وذلك بالذات ما نسميه تجاوزا بأنه انعدام المبادرة والخيال والاختراع، في الواقع إن هذا الانعدام يخص الفرصة وليس القابلية.
وذلك بالذات السبب في تخلف مناهجنا عن اللحاق بروح العصر، وتخلف إطارات الإدارة عندنا عن مماشاة سرعة الحركة في المجتمع.
وذلك بالذات أيضا الذي ألغى من حياتنا السياسية ظهور بادرة تطوع الأنظمة على اختلاف أنواعها في التجاوب مع تلك الديناميكية والقدرة على امتصاصها.
سيخيل إلينا لأول وهلة، عند استحضار صور الأنظمة في دول العالم المختلفة، أن الجيل الشاب هناك أيضا لا يتمتع بهذه الامتيازات، هذا التصور في الحقيقة ليس صحيحا لاعتبارين هامين أولهما: أن الجيل الشاب يأخذ في الواقع فرصته كاملة في المؤسسات السياسية والإدارية. وثانيهما: إن حاجتنا نحن، في غمار تطورنا السريع والشديد الحركة لدفع العناصر الشابة إلى مراكز القيادة أكثر بكثير من حاجة المجتمعات الغربية، التي لا يوجد بين أجيالها المتقاربة ذلك البون الشاسع من فارق التطور الذي يوجد بين أجيالنا.
هذه الحقيقة ستقودنا إلى نقطة جوهرية أخرى هي مسألة الديمقراطية.
إن المؤسسة الديمقراطية ليست ترجمة للمؤسسة البرلمانية، وفي الواقع إن البرلمان هو مظهر واحد من مظاهر الديمقراطية وليس الديمقراطية.
إن الديمقراطية حس موجود بمقدار متساو، من البرلمان إلى العائلة مرورا بالمؤسسات السياسية والإدارية والثقافية التي تشكل الدورة الدموية للحالة الديمقراطية.
وأي استعاضة عن تلك الدورة الدموية الكاملة بمجرد الشكل أو بجزء من الشكل، هو في ذاته انتهاك للديمقراطية.
ولذلك فإنه حين تكون مؤسساتنا الإدارية والسياسية والثقافية قادرة على استيعاب الطاقة الشابة تلقائيا والتأثير فيها، فإن هذه الحالة هي حالة ديمقراطية، وعكسها لا يمكن أن يكون بأي شكل من الأشكال ذا علاقة بالديمقراطية.
إن ذلك كله سيضيف إلى نقطتنا الأولى عن قاعدة الأبوة، معنى جديدا، فقابليلتنا لاستيعاب الجيل الشاب مرهونة في الواقع، بقدرتنا على قبول تأثيره بمؤسساتنا وإخضاعها لفهمه الجديد المتنامي، والصحيح هو أن قابليتنا تلك ما تزال إلى الآن محدودة.
إن ما نسميه تخلفا تكنولوجيا، وهو ما يركز الكثيرون على الحديث عنه في هذه الآونة هو في الواقع في جزء كبير من أسبابه ناتج عن هدر في طاقة جيلنا الشاب، ولما كان المتمسكون بالسلطة عاجزين عن التجاوب مع الحركة السريعة لتطور العصر، فإنهم يفضلون أن لايفتحوا على أنفسهم أبواب الإنجازات العصرية. كي لا يفقدوا سلطتهم بسبب عدم قدرتهم على التجاوب معها.
إن هذا الكلام لا يعني بالطبع أننا متقدمون تكنولوجيا، ولكنه يعني أننا لا نكتفي بعدم تقدمنا ذاك، بل إننا نضع السدود أمام الإمكانية المتوفرة عندنا لتبديل هذه الحالة بسرعة.
وينتج عن ذلك أن طاقتنا التي يمكن لها أن تشكل بداية هامة وأساسية نفقدها دون أن ندرك تماما معنى ذلك، إن الإحصاءات الأولية التي تحكي عن شبابنا المزود بمستوى علمي ممتاز، والذي اضطر إلى الهجرة، جديرة بأن تصيبنا بالذهول أمام ضخامة الشكوى من تخلفنا التكنولوجي، ولكن الإحصاءات الأخرى غير المتوفرة التي نود لو أنها تقول لنا كم من خبرائنا العلميين يعملون – لو اضطروا للعمل – في ميادين لا علاقة لها باختصاصاتهم جديرة أغلب الظن أن تصيبنا أيضا بالذهول.
إن هذا العصر يشهد ظاهرة فريدة من نوعها، وهي أن الغالبية الساحقة من العناصر التي تشكل جسد المجتمع العلمي والتكنولوجي هي غالبية شابة. وهذه الظاهرة نتاج حتمي لسرعة التطور. فإذا طبقنا هذه الظاهرة على مجتمعنا الذي يشهد سرعة مضاعفة في حركة التطور لرأينا ببساطة كم هي خطيرة وأساسية المشكلة التي يواجهها.
إن استيعاب هذا التطور يحتاج منا إلى قدرة غير عادية على التجاوب، وعلى طاقة هائلة لتبديل الإطارات التقليدية لمسايرته والارتقاء معه، وهذه القدرة والطاقة تفرضهما الطبيعة المزدوجة للسباق الصعب الذي نخوضه، فنحن من جهة نسابق تخلفنا، ومن جهة أخرى نسابق للحاق بحركة العصر السريعة.
والسؤال الآن هو: لماذا رغم كل شئ لم يحدث هذا الانقلاب؟ لماذا رغم كل شئ لم يفرض الجيل الشاب وجوده بالصورة التي يستلزمها هذا الواقع الديناميكي؟ أليس تبديل الإطارات التي نتحرك من خلالها هو حتما مؤكد نتيجة لتلك السرعة المتنامية في تطورنا؟.
إن الأجوبة عن هذه التساؤلات هي بدورها قضية زمن، ومجتمعنا في الحقيقة هو في طور الولادة، ومن غير الحكمة الاعتقاد بأن حركة التاريخ لن تفرض نفسها في نهاية المطاف.
ومع ذلك فإنه لا بد من الاعتراف بأن الواقع الاقتصادي والواقع السياسي الناتج منه يجتمعان بثقلهما فوق هذه الحركة، ويؤخران قدر طاقتيهما من لحظة الانعطاف الجذري.
ومن هنا لم يكن من المصادف أن تشهد المنطقة، على اتساعها، سلسلة من المحاولات لفرض لحظة الانعطاف تلك بمقادير متفاوتة من النجاح والفشل ومن الفشل المر، ولكن مهما يكن فإن تلك المحاولات بمقادير متفاوتة أيضا قد عادت فأضحت أسيرة تقييمها الذاتي لنفسها، وبنت من تلقائها ذلك السد بعلو أو آخر أمام الحركة السريعة المتجهة دائما للأمام للجيل الشاب.
في هذا المخاض الصعب، العنيف طورا والمرتد إلى السكون طورا آخر، برزت ظاهرة حرِيَّة بالتأمل والتحليل شاعت في المنطقة بغض النظر عن الأنظمة المختلفة التي كانت تعيشها بصورة متشابهة تقريبا.
ولم تكن هذه الظاهرة في نهاية المطاف، إلا نتيجة حتمية لمجموع تلك التناقضات التي تكمن خلف وفي المحاولات المتعددة التي شهدتها دول المنطقة في الفترة الماضية.
لقد ولدت في المنطقة خلال السنوات العشر الماضية ما نستطيع أن نسميه لغة عمياء، وليس ثمة شئ يستعمل في حياتنا اليومية أكثر من هذه اللغة العمياء.
لقد باتت الكلمات التي لا قيمة لها، إلا إذا كانت معبرة، لا تعني شيئا على وجه التحديد، إن التعريف لم يعد موجودا وبات لكل كاتب قاموسه الخاص يستعمل كلماته في ضوء فهمه الخاص لها، وهو فهم غير متفق عليه، ولذلك فهي لا تعني شيئا.
إن المعاني التي تحملها إصطلاحات مثل الثورية والناصرية والاشتراكية والعدالة والديمقراطية والحرية لا حصر لها في الكتابات التي نطالعها كل يوم، ولذلك فإنه يبدو من مجرد رصد هذه الكلمات ومصادرها أن جميع الأطراف متفقة تماما على كل شئ، ومما يثير الدهشة أن أحدا غير متفق عمليا مع الآخر.
يبدو أننا في حاجة ماسة إلى إعادة القيمة للكلمات كتعاريف محددة تعني شيئا متفقا عليه، وهي خطوة كانت لازمة لجميع شعوب العالم في أواخر القرن التاسع عشر وهي على عتبة انطلاقها نحو العصر.
ومضى الإشكال إلى أبعد من ذلك، فصار بالوسع أن يستخدم إنسان ما اللغة ليستر عجزه أو ليخفي مقصده، وصار بين أيدينا الآن تراث من اللغة العمياء التي أفقدت الحوار قيمته الفعلية، ومن الممكن أن تستخدم لأغراض متناقضة في وقت واحد.
إن الاختباء وراء غموض الكلمات هو سلاح أساسي للذي يشعر بعجزه عن تحقيق هدفه، أو الذي لا هدف على التحديد لديه.
وقد أدى العجز وغياب الفكر الواضح، وما صار يسمى باستراتيجية العمل، إلى ظهور هذا الطابع الذي يغرقنا حتى الأعماق بما يمكن تسميته بالفكر العمائي، الذي يستبدل الوضوح بالتعمي ويرشق غياب الهدف بالكلمات الطنانة التي ترضي الشاعرية الموجودة في أعماق كل منا من دون أن تزيد رؤياه.
إن هذه اللغة العمياء قد تكون، في نهاية التحليل، مبعث اطمئنان أولئك الذين يخشون التغيير، فهي ستار من ضباب أمام الحركة التي تخيفهم حقا. وإذ نلاحظ أن ممثلي طبقة معينة يروقهم كثيرا تشجيع هذه الظاهرة التي يعتبرونها- تحت ستار الوطنية – تعبيرا صحيا، فإننا نرى في الواقع أنها ليست سوى درع يؤدي في نهاية المطاف إلى حماية أولئك الذين يجثمون بنفوذهم الاقتصادي والسياسي على صدر حركة التغيير.
هل يمكن أن نسمي هذا المجتمع تمشيا مع رفضنا للطبقة المستغِلة استغلالا للغة؟ ذلك ممكن بالطبع شرط أن لا ننسى بأن مسألة الاستغلال ذات حدين؛ المستَغِل والمستَغَل، فإذا كانت تلك وسيلة المستَغِل فما هو دفاع المستَغَل؟.
إذا كانت للمستَغِل استراتيجيته الأبعد مدى عن اللغة بالطبع، والتي تخضعها لخدمة ذلك الهدف، فما هي استراتيجية المستَغَل؟
إن ذلك هو الوجه العلمي من الإشكال الذي نستعرضه، وهو يطرح على الفور القضية الأكبر التي ينبغي أن نكون الآن بصددها، إن اللغة العمياء أفقدتنا – بالتدريج – القدرة على وضع استراتيجيتنا الواضحة في مواجهة التحديات التي تندفع نحونا على جميع المستويات. للعدو الذ يواجهنا على الصعيد الأخطر، والذي ينبغي أمام خطره الماثل أن نخضع جميع تناقضاتنا لمصلحة حل التناقض الرئيسي معه باستراتيجيته المحددة، التي تشكل خط سيره المندفع بشراسة لا تعرف الهوادة.

● ● ●

التغيير و”اللغة العمياء”!

الجزء الثاني

يطرح بن غوريون مهندس تلك الاستراتيجية واستاذها خطه كما يلي؛ ينبغي أن نتخذ من الفتوحات العسكرية أساسا للاستيطان لا يمكن إنكاره، وإيجاد واقع إنساني واقتصادي وثقافي واجتماعي جديد، يجبر الجميع على الاعتراف به وإدخاله في حسابه.
( ألا يدرك أصحاب التقاليد والأخلاق الذين يهاجمون حقنا في توسيع حدودنا وضم المناطق المحتلة، أنهم إنما يساعدون العدو الذي ما زال ينازع في الأرض التي تحت يدنا، لأن جزءا منها قد ضُم للدولة بموافقة الأمم المتحدة وجزءا آخر ضُم دون موافقة الأمم المتحدة.
إن الواقع يحتم علينا أن نغير الوضع في المناطق الحالية بالهجرة والاستيطان اليهودي، ليس هناك مبرر للدفاع عن حقوق العدو الذي يتربص بنا، فليس له أي حق لدينا).
لقد كتب بن غوريون هذا الكلام في العشرين من تشرين الأول الماضي (تشرين أول 1967) في صحيفة هآرتس الإسرائيلية معلنا من خلاله دون أي تردد إستراتيجية إسرائيل الموجهة حتما ضدنا.
أمام وضوح في الهدف من هذا النواع، أمام منطق يريد للفتوحات العسكرية أن تكون حقا للاستعمار الإسكاني، حاذفا مرة واحدة ونهائيا كل حق يمكن أن يكون للطرف الآخر… تضحي اللغة العمياء التي تعرفنا عليها أكثر من مجرد ظاهرة لا معنى لها أو عابرة … تضحي جريمة.
إنها لا تعرقل فقط طريق وصول الطلائع الشابة، حاملة معها الدماء الجديدة إلى مرتبة القيادة والتأثير، ولكنها تعرقل أيضا رؤية العدو واستكشاف غوره ومدى خطره، وبالتالي وضع استراتيجية راسخة لمواجهته وإحباط تحدياته.
وذلك كله لا يحدث بالصدفة ولا اعتباطا،إنه سلسلة متصلة الحلقات تشكل في مجموع دوائرها الصغيرة القيد الذي يكبل انطلاقتنا.
إن ما أسميناه قاعدة الأبوة ليس في الحقيقة إلا نتاجا حتميا للعقلية الاقطاعية وللإقطاع السياسي ومنطق الرأسمال الوطني.
وهذه القاعدة ليست ظاهرة سيكولوجية إلا بمقدار ما تبلورالطبقة الظواهر السيكولوجية.
وما أسميناه اللغة العمياء ليس مدرسة أدبية بقدر ما هو قيد فكري، طرقت حلقاته على سندان المصلحة الضيقة ليعرقل سرعة حركة التاريخ.
وغياب استراتيجية العمل التي أسهم في تغييبها شعبية اللغة، ورعاية قاعدة الأبوة هي بدورها نتاج حتمي لغياب الديمقراطية الحقيقية الملائمة لملامحنا الراهنة، والتي تلعب دور الدورة الدموية في جسدنا السياسي، ولا تلتقي على تسميات تأخذ في هذا المكان أو في ذاك شكلا أو آخر متسلحة بمعنى اللغة أو بقاعدة الأبوة.
إذا أعدنا ترتيب جزيئات هذه الصورة فإننا سنحصل على الاستنتاج التالي:
إننا نواجه عدوا نقل معه من الغرب خلاصة التكنولوجيا والتطور العلمي، وأبدى قابلية كبيرة لاستيعاب العناصر الشابة في مراتبه القيادية مستخدما في ذلك ليس فقط شكلا من أشكال الديمقراطية الملائمة تماما لمستلزماته ومهماته وسرعة عملية التبديل والتطور الجارية فيه، ولكن أيضا اتصاله العضوي والطبيعي بحركة تطور العصر.
وقد أنتج ذلك كله معا تصورا واضحا عنده لخطه الاستراتيجي، وأدى هذا التصور إلى اختصار كبير في التحبيط، وإلى إخضاع جميع التناقض الرئيسي الذي أكدته استراتيجيته تلك والقائم عمليا بيننا وبينه.
لقد كانت النتيجة الطبيعية للدورة الدموية هذه من أولها إلى آخرها، تصويب الجهد الفكري والسياسي والاجتماعي والتكنولوجي إلى هدف واضح ومحدد دون هدر ودون استخفاف.
وفي المقابل على الجهة العربية لم يكن من المتيسر لظروف تاريخية، تكثيف الطاقة التي طورها العصر، ولكننا أضفنا لذلك هدرا يثير الدهشة لإمكانياتنا العلمية وللدرجة التي استطاعت رغم كل المصاعب تطويرها، وقد أدت البنى الاجتماعية التقليدية إلى إظهار جمود غير عادي في قابليات مؤسساتنا السياسية والاقتصادية على امتصاص عناصرنا الشابة الدائمة التقدم والدائمة التطور والسريعة التبدل.
وبالتالي فإن عدم وصول الدماء الجديدة بصورة دورية وسريعة وتلقائية إلى مراكز السلطة، بالمعنى العام، كان يزيد ليس فقط في هدر الإمكانيات ، ولكن أيضا في مواصلة الانشطار عن حركة تطور العصر.
والنتيجة الطبيعية التي نتجت عن هذه الحالة كانت تتلخص في تقديس البنى الفوقية للمجتمع التي شكلت غالبا حاجزا أمام ما ينبغي من سرعة التبديل، وحتى في الحالات التي كانت قوة ما أفضل بما لا يقارن من القوة التي قبلها، وتستطيع الوصول إلى القدرة على التأثير فإنها كانت تواجه على الفور تلك الجسور المقطوعة التي كانت تفصلها عن البنى التحتية للمجتمع، والتي كانت تؤدي بدورها إلى إبطاء حركة التبديل.
وحتى فيما يختص بالديمقراطية، سواء أسميت الديمقراطية الثورية أو الديمقراطية التقليدية، فقد ظلت نتيجة لذلك كله، طافية على جلد المجتمع، وعاجزة عن أن تكون دورته الدموية الصحيحة.
وأدى ذلك إلى تفريغ “الحوار” من كل ما في ضرورة هذه الظاهرة من قيمته، ودفعه بالتالي نحو ما أسميناه باللغة العمياء التي تشبه ما يسمى شعبيا حوار الطرشان، إن تقارب شعارات الأحزاب والدول في المنطقة وكذلك دساتيرها مسألة تثير الدهشة حقا، إلا أن المدهش أكثر هو كمية التناقض الحقيقي فيها.
وبالطبع فإن هذه الأمور جميعها قد أدت تلقائيا إلى غياب استراتيجية العمل بالنسبة للعرب، وهذا الغياب يلغي القدرة على تصويب الجهد الفكري والسياسي والاجتماعي والتكنولوجي، بل العددي أيضا، نحو هدف يخدمه خدمة يومية دون هدر ودون استخفاف.
إن غياب هذه الاستراتيجية ألغى القدرة على ترتيب التناقضات التي تواجهها مجتمعات المنطقة العربية، ومعرفة الكيفية التي ينبغي إخضاعها فيها لمصلحة التناقض الأكبر والمباشر.
ولذلك كله خضنا معركتنا كما يقال دون استعداد صحيح، ودون استخدام امكانياتنا وبمعزل عن طاقاتنا وبتخلف تكنولوجي مذهل، وبتقليدية سياسية وعسكرية جامدة، ولم يشترك الشعب بمعركته إلى آخر ما هنالك من الكلمات التي يخشى أن يؤدي تكرار استعمالها إلى اعتبارها حالات عابرة وسلسلة مصادفات سيئة.
ففي الحقيقة ليست هذه العناوين إلا نتائج، وينبغي تفحصها على هذا الأساس وإلا فإن تكرارها هو الشئ الطبيعي إذا كان منطقها نفسه ما زال سليما لا يمس.
إن خلاف بن غوريون وليفي أشكول ترتد أصوله إلى عام 1917، وقد ظل الإثنان متماسكين داخل تنظيم حزبي واحد حتى عام 1964، ومع ذلك لا أشكول ولا بن غوريون حسما مسألة الاندماج من جديد عام 1976 ، ولكن الدورة الدموية التي كانت تمد الحزبين بالعناصر الشابة هي التي فعلت متجاوبة مع التطورات السريعة بصورة فورية.
فمباشرة بعد حزيران، أُبعِد اسحق رابين وهو في ذروة انتصاره عن رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي، لأن القانون يحظر في هذا العصر الذي تفوق سرعته سرعة استيعاب أي إنسان له، أن يبقى اسحق رابين على رأس منصبه أكثر من أربع سنوات، وفي الوقت الذي كان اسحق رابين يترك منصبه كانت الوزارة الإسرائيلية تصر على إبقاء صيغتها كوزارة وحدة وطنية بين عناصر متناقضة يحتد بينها خلاف لا يصدق، ولكن ذلك الخلاف كان لا بد من إخضاعه، في ضوء الاستراتيجية المرسومة، لخدمة المرحلة القادمة التي يتوقع الإسرائيليون لها مهاما أخرى.
إن هذه الأمثلة لا ترمي إلى اعتبار العدو نموذجا يحتذى، ولكنها تصر على أن ما اصطلحنا على تسميته بتوزيع الأدوار بين القوى الإسرائيلية هو في الحقيقة ليس كذلك، ولكنه ببساطة حدث تفرضه استراتيجية مرسومة سلفا هي وحدها التي تضع واجبات وحقوق مرحلة من المراحل، وبالتالي فإن غياب إستراتيجية من هذا النوع على الصعيد العربي سيكون من شأنه الوصول بنا إلى ما نكتفي بتسميته خطأ في التقدير، في حين أن الخطأ في التقدير ليس على الإطلاق سببا إنه نتيجة.
إن ذلك كله يقودنا إلى نقطة جوهرية تتمثل في التساؤل التالي: إذا كانت المسألة في مجملها، وكما قلنا، ليست مسألة تبديل القائد، لأنه في الواقع طرف واحد في الموضوع، فكيف السبيل إذن إلى عصرنة أجهزتنا السياسية والاقتصادية ومؤسساتنا الثقافية وجعلها ذات قدرة على الاستيعاب تتناسب في طاقتها مع سرعة حركة التطور في مجتمعنا؟.
إن هذا التساؤل يضعنا في صلب المسألة الديمقراطية، هذا الاصطلاح الذي نفهم منه حكم الشعب للشعب وبالشعب بغض النظر عن المصطلحات التي تُحمِّل كلمة الديمقراطية أقل مما تعني.
وطالما أننا نعتبر البرلمانية مظهرا واحدا للديمقراطية وليس هي الديمقراطية، وطالما أننا نقصد بالديمقراطيىة تلك الدورة الدموية السليمة المتجددة التي تصل إلى جميع أجزاء وأطراف الجسد الاجتماعي، فإننا مطالبون تلقائيا بأن نجعل الحس الديمقراطي ممارسة يومية على جميع المستويات.
لقد شهدت البلدان العربية، في نطاق حوراها مع الديمقراطية تجارب تستحق الدرس، شهد بعضها برلمانا دون حرية صحافة، وشهد بعضٌ آخر حرية صحافة دون برلمان، وشهد بعضٌ ثالث برلمانا دون حرية أحزاب، وبعضٌ رابع أحزابا دون برلمان، وبعضٌ خامس شهد برلمانا وأحزابا وحرية صحافة دون أن يستطيع ذلك كله معا أن يكون الديمقراطية الحقيقية، رغم أن كل تجربة من هذه التجارب قد وصفت نفسها بأنها أل: الديمقراطية.
فأين هو الحل إذن؟
إنه من الظلم في الواقع أن نفتش عن الديمقراطية من خلال الصيغ والحكم على وجودها أو عدم وجودها من خلال كمية المظاهر التي تأخذها الديمقراطية في مظهرها البرلماني، فنحن أيضا مطالبون بالبحث عنها في مظهرها الاجتماعي وفي مظهرها الثقافي.
ولكن أبعد من ذلك، نحن في الواقع مطالبون بأن نبحث عنها في مظهرها الإداري وفي مظهرها الجامعي، وقبل ذلك في مظهرها الحزبي.
إنه من المسلم به أن الحزب بالذات هو تكثيف للتجربة الديمقراطية، ولذلك فإن قدرة أي حزب وطاقته وجدارته تقاس بحركة الدورة الدموية في جسده، وسوف نرى بالتجربة التي مرت بها الغالبية الساحقة من أحزابنا أنها تشكو من انعدام الديمقراطية داخل أجهزتها ذاتها، وأيضا في العلاقة فيما بينها.
في داخل أجهزتها كان الرجل المؤسس يأخذ طابع التقديس، وكانت القلة المحيطة به تشكل السقف الذي تصطدم به الحركة الصاعدة للجيل الشاب.
خارج أجهزتها في علاقاتها مع الأحزاب الأخرى، كان الاتهام بديلا للحوار، وكان التشويه المتعمد بديلا للفهم المتبادل.
في داخل أجهزتها أدى التسلط القيادي إلى منع حركة النشوء، وأدى تقديس الدور القيادي لقادتها الذين لا بديل لهم، إلى الانعكاس في تقييمها لذاتها حين جعلت من نفسها أيضا قوة لا بديل لها.
وخارج أجهزتها أدى تقييمها الإيجابي المطلق لنفسها إلى تقييم سلبي مطلق لغيرها.
إن الجسد الاجتماعي يمكن تشبيهه بالجسد البشري، فإذا كان لكل غدة دورها، فإن الخطر ليس فقط في اختلال عملها الذاتي ولكن أيضا في اختلال علاقتها بالغدد الأخرى.
وبالنسبة للغالبية الساحقة من أحزابنا، فقد عجزت سواء في بنياتها التنظيمية الداخلية أو في علاقاتها مع الأحزاب الأخرى، عن أن تكون نواة الحس الديمقراطي الحقيقي. وغياب ذلك الحس أدى بدوره إلى عرقلة تبلور استراتيجية واضحة، سواء لديها أو في تصورها للدور الذي ينبغي لجميع القوى أن تلعبه معا.
إن التكوين الحزبي تجربة لا غنى عنها، ففيها يتعلم المواطن الوسيلة الأجدى للعب دوره في المسؤولية العامة. فهو لا يكتسب داخلها فقط ثقافته السياسية وتصوره للعمل السياسي ولكن أيضا ما يمكن تسميته بالأخلاق الديمقراطية.
لقد عجزت أحزابنا عن تحقيق هذه المهمة التي لا غنى عنها، ولم تستطع أن تبلور من خلال إطاراتها الطليعة السياسية التي تستطيع أن تلعب الدور القيادي في المجتمع، والتأثير به والتأثر منه في آن واحد.
وأدى ذلك العجز إلى نتيجة أخطر من حيث القيمة، وهي عجز هذه الأحزاب عن بلورة استراتيجية تتناسب مع ديناميكية المجتمع الذي تصدت للتعبير عنه، أو عن بلورة صيغة بديلة للصيغ التقليدية التي رفضتها.
وهذا كله يشكل في الحقيقة جانبا من الجوانب التي أدت إلى ظاهرتين متلازمتين في حياتنا الحزبية وهما: التعدد من ناحية، والعجز عن استقطاب القوى الاجتماعية الفاعلة من ناحية أخرى.
في ظروف من طراز تلك التي يعيش فيها مجتمعنا، يشكل غياب الأحزاب الفاعلة، التي تمثل قوى حقيقية هي في الإجمال مهدورة بلا حساب، خطأ مهلكا وقصورا فظيعا تترتب عليه نتائج خطيرة على مختلف المستويات.
ليس ثمة طريق للخروج من المأزق العميق الذي نعيشه الآن إلا في الحزبية، الحزبية بمعناها الحقيقي الفاعل المنتج التي تمارس داخل أطرها علاقات ديمقراطية راسخة، وتمارس في علاقاتها مع بعضها ذات العلاقة على صعيد حوار بناء ومنتج.
ومثل هذه الشروط للحزبية تلغي ظاهرة التعدد الذي لا مبرر له، والذي هو في جوهره تكرار للأخطاء وللقصور أكثر منه تجديدا للمحاولات وتصعيدا للدور.
لقد اتخذت أحزابنا في تجاربها الماضية صيغة من صيغ التجمع الطائفي أو العشائري أو الطلابي، وهي في مجموعها صيغ لا تحدد قوى اجتماعية حاسمة، وليست ذات حدود ثابتة وواضحة، وقد أدى ذلك كله بالإضافة إلى نقل عقدة الأبوة إلى التكوين الحزبي ذاته، وإلى شكل ومضمون علاقاته بالأحزاب الأخرى، لقد أدى إلى تراكم كمي وليس إلى تطوير نوعي، خصوصا وأن هذه العلاقات مجتمعة قد أتاحت قبول غياب الاستراتيجية للحزب والافتقار لسرعة استيعاب الظروف الموضوعية والارتفاع في إرادة علاجها إلى المستوى الفاعل.
وهذه التجربة لا تلغي قيمة الحزبية، ولكنها تصلح نموذجا للدراسة والنقد ومنطلقا لعملية تطوير شامل.
لقد أثير في السنوات الماضية نقاش واسع لا نهاية له حول مسألة الحزب الواحد، ومسألة تعدد الأحزاب، والواقع أنه ليس بالوسع فرض مقياس واحد والالتزام به واعتباره نموذجا لا غنى عنه، ولا بديل له، فلكل ظرف موضوعي أسبابه وحوافزه واجتهاداته. ومع ذلك فإن الأساس يظل أولا في قدرة هذه الأحزاب مجتمعة، أو الحزب الواحد منفردا، على أن يحقق داخل إطاراته التنظيمية وفي علاقاته بالقوى المنظمة الأخرى الدورة الدموية الحقيقية التي تجعله ظاهرة صحية وليس تطوافا على سطح حلقة مفرغة.
إن الحزب السياسي هو شكل واحد من أشكال تنظيم القوى الفاعلة في المجتمع، ولكن هناك أشكال أخرى لقابلية التنظيم هذه، تتمثل في التنظيم النقابي، العمالي والفلاحي والمهني، أو في التنظيمات الثقافية التي غالبا ما تلعب، عن عمد أو بتلقائية دور الأرض التي يجري فوقها الحوار البناء، وسواء أكان التنظيم حزبا أو نقابة أو جمعية، فإن شرطه الأول ينبغي أن يكون سلامة الدورة الدموية في جسده، وقدرته البديهية ليس على الحوار فقط، ولكن أيضا على توفير طاقة استيعاب ما هو شاب وجديد والتبدل به ومعه. لم تكن المشكلة أبدا في المنطقة ممثلة في استحالة التطور ولكنها كانت أننا لم نستخدم طاقتنا المتطورة لنضاعف حركة تقدمنا.
لم يكن مأزقنا في أننا فشلنا في تفنيد خطئنا، بل كان في أننا لم نتح لقدرتنا فرصة وضع خطة.
لم تكن هزيمتنا فقط لأن القوى التقليدية، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا كانت تكبلنا، ولكن أيضا لأن القوى البديلة كانت مسلحة بالرفض أكثر مما كانت ترفع استراتيجية جديدة ومتكاملة.
ووراء ذلك كله لم يكن عجزنا تعبيرا عن لا جدارتنا، بل كان نتيجة لمنع دماء مجتمعنا الجديد من أن تصل إلى الرأس والذراعين.
لم تكن المشكلة في أننا لا نعرف، بل في إننا لم نتح لمن يعرف أن يقول أو أن يعمل.
لم تكن في إننا كنا غرباء عن العصر، ولكن في أننا شتتنا وأهدرنا العناصر الشابة التي هي جسرنا إلى العصر.
ومسؤولية ذلك كله، كما حاولنا أن نثبت، ليست مقتصرة على ذلك الفرد أو هذا، أو على نظام دون غيره، أو على تنظيم دون سواه، ولكنها مسؤولية الجميع بدرجات تكاد تكون متساوية.
إن المنطقة برمتها تقف على أبواب منعطف تاريخي حاسم، وليس الانتصار في هذا التحدي إلا انتصار الجميع، وليس في الهزيمة إلا اندحار الجميع.
وأي تصور موضوعي تقيمه السنوات القليلة التي تجتازها المنطقة الآن يثبت شيئا واحدا على الأقل، هو أنه لا يوجد من يستطيع التنصل منه دون ثمن باهظ، ومهما كان الجدل النظري الذي يمكن أن يشغل الأفكار حول وحدة المصير في المنطقة، فإنه مما لا شك فيه أنها وحدة لا تبدو أشد منها الآن في أي وقت مضى وهي تواجه من خلال الهزيمة المهينة تحديات تصل إلى درجة موت أو حياة.
وهذا التصور يلقي لتوه على كاهل لبنان مهمات قد تكون ظروفه بالذات تهيئه للعبها على نحو مصيري، ليس فقط في نطاق دور يقوم به إزاء التحدي الكبير، ولكن أيضا في نطاق دور يقوم به إزاء التحديات الأصغر التي يشكل مجموعها قضيته الداخلية.
إن الدور اللبناني هو حصيلة موحدة لثلاثة عناصر جوهرية: فهو واجب وطني والتزام تاريخي، وقدر جغرافي.
وهو من خلال التحديات التي تبرز في كل واحد من هذه العناصر الثلاثة يقف بدوره على المنعطف التاريخي الذي يستطيع في تجاوزه أن يجدد دماءه ويقطع شوطه في سباقه المزدوج مع العصر.
إن ذلك يحتاج أول ما يحتاج، إلى توضيح قاطع للأولويات في سلم التحدي الذي يشكل حضورا يوميا في المنطقة، والالتزام بالتالي بخطة مواجهة في مستوى هذا التحدي.
ومثل هذا التحديد لا يمكن أن يحدث بالصدفة، ولا من خلال تلقائية أوتوماتيكية، ولكن من خلال إطلاق الطاقة على الاستيعاب عبر جدل حر يستقطب حركة التطور المتسارعة في المنطقة برمتها، ويحيطها بالمناخ الجدير بتفاعلها وبلورة قدراتها البناءة.
لا بد للمجتمع أن ينظم حواره من خلال مواقف استراتيجية حاسمة، ويتيح للقوى الاجتماعية الفاعلة مداها في ذلك الحوار وتنظيماتها وأحزابها، والوصول بحركة الحوار الصحي إلى درجة إيجاد الصيغة القادرة على امتصاص الطاقة الكامنة في الشعب والتعبير عنها، ومد عروق الدورة الدموية في جسده إلى أقصاها، اتساعا وعمقا، وتجاوز الاطارات المحددة نحو قدرة التعبير عن ديناميكية التطور وحيويته التي يحفل بها مجتمعنا.
في الظرف الراهن وطنيا وتاريخيا وجغرافيا، يستطيع المناخ اللبناني أن يفجر الطاقة البناءة للحوار الشجاع والمسؤول، مستقطبا الأصوات التي تضج من أقصى القارة العربية إلى أقصاها، ويستطيع من خلال هذا الحوار ومعه وبه أن يطلق طاقته الذاتية نفسها.
أن يلغي القيود التي تفرضها عقدة الأبوة، متيحا لعناصره الشابة المتدفقة فرصة نقل ديناميكيتها وحيويتها واتصالها بالعصر إلى مستوى التأثير اليومي.
أن يمد شعار الوحدة الوطنية شكلا ومضمونا من صفته الطائفية فقط إلى صفته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أيضا، أن يعمق الحس الديمقراطي إلى مستوى الدورة الدموية التي تفعل فعلها في البرلمان كما في الأحزاب، كما في الجامعات، كما في المؤسسات الثقافية والإدارات نزولا إلى أعماق التجمعات العائلية.
أن يفتح عيون اللغة ويبصرها ويجعلها ليس تعبيرا عن العجز والغموض والفنائية، ولكن عن الرؤيا الواضحة للقيم والأمور، بحيث يفوِّت على الجدل والحوار لعبة هدر الوقت والطاقة والمواقف.
ربما كان المناخ اللبناني الآن يشكل جوا ملائما تماما لشروق جديد في الحوار العربي، شرط أن تطلق فيه طاقته الكاملة على الاستيعاب والتأثير والالتزام بالمسؤولية. إن تفجر حس النقد بعد الهزيمة، ظاهرة تشمل القارة العربية كلها وليس من المصادف أن تأخذ بوادرها في لبنان، بالرغم من كل ما ينبغي توقعه من تداخل في حدود الجدل والشعارات والنيات، وعمليا يلعب لبنان جزءا من الدور الذي يستطيعه، ومما لا شك فيه أنه سيلعب دوره الكامل طالما إننا نؤمن في طاقته ومناخه، وبأن الذي سيبقى مهما تعالى الضجيج، هو الذي ينفع الناس.
وذلك كله يلقي بأثقال المسؤولية على كواهل الجميع بمقادير متفاوتة ولكن حتما بمقادير ملزمة.
يلقي بالمسؤولية على كواهل العناصر الشابة في جامعاتها وأحزابها وعائلاتها، بنفس المقدار الذي يلقيه على كواهل الزعماء في نفوذهم وأحزابهم وعائلاتهم ومراكز القوة التي يتمتعون بها.
يلقي بالمسؤولية على كواهل المثقفين ليكونوا عناصر توعية لا عناصر تغميض، عناصر التزام بالبناء لا عناصر تستريح إلى الرفض المطلق فقط.
يلقي بالمسؤولية على كواهل رجال الصحافة والإعلام ليكونا عند مسؤولية الأداة الخطيرة التي بين أيديهم، ومسؤولية الحصيلة التي يفرضها الواجب الوطني والالتزام التاريخي والقدر الجغرافي.
يلقي بالمسؤولية على كواهل مهندسي سياسة الدولة وبناء استراتيجياتها الداخلية والخارجية، التي تفرض بلا تردد استيعاب القدرات الكامنة في المجتمع والعناصر الشابة التي تمثل الدماء المتجددة لهذا المجتمع، والتي تجعل في خلاياها الصلة مع حركة تطور العصر.
لقد حققت القارة العربية خلال ربع القرن الذي سارت خلاله إلى العصر الحديث، واحدة من معجزات التطور في التاريخ، حققتها فوق أرض من وحول التخلف المظلم التي امتدت في حياتها أكثر من خمسمائة سنة، وحققتها رغم استفراس قوى مضادة أحاطت بها وشغلتها من الداخل والخارج في سلسلة من التحديات المصيرية التي ظلت تشكل بالنسبة لها مواجهات يومية صعبة.
ورغم ذلك، فإن مطامحنا ما تزال أوسع وأكبر من أن نلجأ إلى السكون، وإذا كان لهذا أي معنى فهو معنى الجدارة.
لقد جاءت الهزيمة فوجدت طاقة هائلة لدى هذا الشعب، ليس لرفضها فقط ، بل لمراجعة الحساب مع نفسه، والتصدي لتجربته بأقسى ما يمكن من النقد إلى درجة الإيجاع، فإنه إنما يفعل ذلك ليرضي مطامحه التواقة بلا تردد إلى الأكمل والأفضل.
في تجربته الصعبة الراهنة يضيف الإنسان العربي إلى إرادة الصمود عنده إرادة الانطلاق والتصحيح، فقد يكون الانسان العربي هزم في معركة قتال لم يتح له فيها أن يقاتل كما ينبغي وكما يستطيع، ولكن إرادته على الصمود والانطلاق لم تهتز، بل اكتسبت على العكس قابليات إضافية تزيد في صلابتها وتوقها إلى الأفضل، وهو يعبر عنها جميعا في تيقظ غير عادي لحس النقد والمراجعة عنده.
ومع ذلك، فإنه من غير الحكمة أن نتصور بأن الإنسان العربي يجد في هذا التيقظ النقدي تعويضه، وقد تكون فترة الانتظار التي يعيشها الآن على أعصابه مشابهة لتلك التي عاشها عام 1949، أو لتلك التي عاشها الشعب الروسي بين عام 1904 ساعة تلقي اللطمة المدوية من اليابان، وعام 1905 عندما ثار ثورته الأولى التي كانت إرهاصا لثورته التي جاءت بعد ذلك بعشر سنوات، وغيرت وجه القرن العشرين.
إن ما يحدث الآن ليس المخاض، ثمة شئ عظيم يولد بين ركام الهزيمة مثلما يولد بركان من تحت الشظايا الباردة لجيل مهجور.
فالجرح إذا انفتح في جسد ميت لا يؤدي إلى أي اهتزاز، ولكنه إذا ما انشق في جسد حي زاد قابليته للمقاومة، وحرك القوة الكامنة في أعماقه وضاعف من طاقته على الرد.
إن الجسد العربي الذي تلقى الجرح يتحرك، يبرأ، يتحفز، يقاوم، يضاعف طاقة حواسه، يقف على قدميه الصلبتين، يعبر جسر العذاب.