تونس في الذكرى الخامسة للإنتفاضة

الطاهر المعز

تقديم:

في الذكرى الخامسة لإطاحة الشعب برأس النظام، اعتبرت الصحف ووكالات الأخبار ما جرى في تونس منذ بداية 2011 “تجربة رائدة للديمقراطية التوافقية”، لكن البيانات الرسمية الحكومية تشير إلى ارتفاع نسبة الفقر من 15% سنة 2010 إلى 20% سنة 2015 ونسبة البطالة من 12% سنة 2010 إلى 15,5% سنة 2015 من القادرين على العمل (ويقدرها خبراء مستقلون وأجانب بنحو 17%) وثلث العاطلين عن العمل هم من حاملي المؤهلات الجامعية، وارتفعت الديون الخارجية خلال هذه السنوات إلى نحو 60% من الناتج المحلي، وتعمّقت تبعية الإقتصاد تجاه الإتحاد الأوروبي الذي يواجه بدوره ركودا اقتصاديا، وتجاه مؤسسات “بريتن وودز” التي تشترط “إصلاحات” مقابل القروض بفوائد مُجْحِفَة، والإصلاحات تعني الخصخصة وخفض الإنفاق الحكومي وتجميد الأجور وتأخير سن التقاعد مع خفض قيمة المَعَاش، في حين تصاعدت وتيرة العمليات الإرهابية، ما خفض قيمة الإستثمارات الخارجية وإيرادات السياحة التي تعول عليها الدولة لرفع نسبة النمو وخفض نسبة البطالة، كما تصاعدت نضالات الأجراء من أجل زيادة الرواتب وتحسين ظروف العمل، ولم تستطع الدعاية المُكَثَّفَة حول “الانتقال السياسي الهادئ” و الدستور الجديد و”الإنتخابات الحرة” إقناع كثير من التونسيين الذين يعانون أوضاعا سيئة ومن تهميش المناطق الداخلية (خارج المناطق الساحلية) وارتفاع معدلات البطالة، وهي الأسباب التي أطلقت شرارة الإنتفاضة ضد حُكْم بن علي قبل خمس سنوات، وساءت حال سكان المناطق المحرومة خصوصا في الشطر الغربي من البلاد، مثل منطقة “القصرين” التي فقدت عددا هاما من الشهداء خلال الأسبوعين الأولين من كانون الثاني/يناير 2011 والتي تظاهر شبابها مرددين شعارات انتفاضة 2010/2011، بداية من يوم السبت 16/01/2016 إثر وفاة الشاب رضا اليحياوي، 28 عاما،  قبل يوم (15/01/2016 ) بصعقة كهرباء بعد تسلق عمود قرب مقر الولاية (المحافظة) احتجاجاً على سحب اسمه من قائمة توظيف في القطاع العام، في إطار من يسمون “المفروزين أمنيا” أي يحرمون من الوظيفة بسبب نشاطهم السياسي، كما نظم المواطنون في العاصمة وفي عدة مدن أخرى مظاهرات تضامن مع أهالي “القصرين” حاملين صور الفقيد رضا اليحياوي، وفرضت السلطات حظر التجول في القصرين يوم 19/01/2016 من السادسة مساء إلى الخامسة صباحا، بعد محاصرة الجيش المدينة وإطلاق الشرطة الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين الذين رددوا شعار “العمل حق من حقوقنا” ونقل ما لا يقل عن 214 مصاًب خلال 24 ساعة إلى المستشفى، بحسب إحصائية رسمية، وأغلقت بعض المحلات التجارية ومدارس ومكتب البريد أبوابها في وقت مبكر من يوم الثلاثاء 19/01/2016، وتجددت المظاهرات (رغم حظر التجوال) لثلاثة أيام متتالية (إلى حين كتابة هذا المقال)، واحتل حوالي ألف مُواطن مقر الولاية وقدموا مطالب إلى الحكومة أهمها تخصيص موارد لتنمية هذه الجهة المحرومة وإيجاد حلول للعاطلين عن العمل منذ سنوات… تَعُدُّ مدينة القصرين الواقعة في الوسط الغربي (على الحدود مع الجزائر) نحو ثمانين ألف نسمة، والولاية (المحافظة) حوالي 450 ألف نسمة، وهي من أفقر مناطق البلاد، وتتميز بمناخ قاري حار صيفا وبارد جدا شتاء، ويبلغ معدل البطالة فيها نسبة 23%، بينما يبلغ المعدل الوطني نحو 15% ويعاني ثلث سكان ولاية القصرين من الأمية ويغادر التعليم بشكل مُبَكّر (قبل إنهاء مرحلة التعليم الأساسي) نصف المُسجلين بالمدارس، ويقدر العدد الحقيقي للعاطلين بنصف السكان فيما يشتغل نحو 20% من العاملين في الإقتصاد الموازي (غير الرسمي) وقرابة ثلثي السكان لا يتمتعون بنظام التأمينات الاجتماعية…

بعد خمس سنوات من الإنتفاضة التي بلغ عدد شهدائها المُعْتَرَف بهم حكوميا 338 شهيدا، يعود حزب بورقيبة وبن علي إلى الحكم، “ديمقراطيا” هذه المرة (ديمقراطية “التوافق”) ليحكم البلاد بالإشتراك مع الإخوان المسلمين (النهضة) ومع حزبين آخرين يمتلكهما رجال أعمال (كما يمتلكون شركة أو ناديا لكرة القدم)، بعد إطلاق برنامج المصالحة الإقتصادية مع كبار الفاسدين، ويمثل التوجه الإقتصادي الليبرالي والتطبيع مع الكيان الصهيوني القاسم المُشترك بين مكونات الحكومة، إضافة إلى الفساد وتطبيق مبدأ “الأقربون أولى بالتشغيل وبالمناصب وبممتلكات الشعب”، وفي الحكومة وزراء من جنسيات أجنبية إلى جانب مطبِّعين علنيين مع الكيان الصهيوني (ما لا يقل عن ثلاثة وزراء منهم وزير الخارجية) ومسؤولين سابقين في عهد بن علي (منهم رئيس الحكومة نفسه الذي كان يفصل مكتبه في وزارة الداخلية طابق واحد عن غرفة التحقيق لدى الشرطة السياسية)، إضافة إلى مسؤولين في عهد بورقيبة منهم الباجي قائد السبسي ورئيس مجلس النواب… تشكل جميع هذه العوامل، إضافة إلى ارتفاع الأسعار والبطالة والفقر والقمع، أهم أسباب عودة الإحتجاجات بحدة إلى الشارع

دواعي الإنتفاضة:

اجتمعت كل أسباب الإنتفاضة في نفس المناطق التي انطلقت منها شرارة انتفاضة 17/12/2010 التي أفضت إلى فِرار زين العابدين بن علي في 14/01/2011 والوقع أن حركات الإحتجاج لم تنقطع منذ 2008 واتخذت أحيانا طابع الحدّة والشمول لتنتشر في أرجاء البلاد، كما حصل بداية من 17/12/2010،  لكن الحكومات المتتالية تمكنت من حصر الحركات التي حصلت بعد 14/01/2011 في رقعة جغرافية ضيقة (سليانة أو القصرين أو سيدي بوزيد) أو وقع تشويهها مثل تحركات “أين الفوسفات” أو “أين النفط؟” وأمثالها، أو تجزئتها مثل تقسيم العاطلين عن العمل إلى أصحاب شهادات جامعية ومفروزين أمنيا (وبقية العاطلين؟)، وبقي القاسم المشترك هو القمع والتشويه الإعلامي وانحياز جزء من اليسار (البرلماني بالأخص) إلى الإيديولوجيا السائدة بذرائع مختلفة مثل الظرف الذي تمر به البلاد أو ان بعض الإحتجاجات مُخْتَرَقة أو انها غير سلمية أو تمس بمصالح الوطن العليا أو ضرورة الوحدة الوطنية لمكافحة الإرهاب، وغير ذلك من الذرائع… فيما تروِّج بعض “المُعارضة المسؤولة” ان الإحتجاجات لا تجدي نفعا ولا يمكن تحقيق المطالب بالإحتجاج والتظاهر، بل من شأن “هذه الإضطرابات الإجتماعية أن تخيف المستثمرين الأجانب والسائحين، وتزيد من عدد العاطلين عن العمل…” واستغل بعض اليسار والمثقفين (الطابور السادس كما يسميهم رفيقي عادل سمارة) حصول بعض عمليات النهب والتخريب، لإدانة التحركات التي عمَّت مناطق عديدة من البلاد وإدانة الفقراء عن العمل، وكأنهم يتهمون الفقراء بارتكاب هذه الأعمال، لتشويه الحركة من أساسها… لقد استغل اللصوص والمنحرفون، دائما وأبدا وفي كل مكان، التجمعات والإحتجاجات ليندسُّوا داخل المُتظاهرين، “لغاية في نفس يعقوب”، ويعشق اللصوص وسائل النقل المُكتظة والملاعب الرياضية وقاعات الحفلات الموسيقية الخ لأنها مصدر رزقهم، وهو ما فعله اللصوص أثناء انتفاضة 2010-2011، فسرقوا ونهبوا وقطعوا الطرقات، واعتدوا على الناس، ما حدا ببعض اليسار آنذاك إلى المُشاركة في اللجان المحلية التي أنشأها المواطنون لحماية ثورتهم ولحماية الناس وممتلكاتهم… لكن حصل تراجع كبير خلال السنوات الخمسة الماضية وفقد بعض اليسار شيئا من نقاوته وبعضا من مصداقيته لدى مناضليه وأنصاره ولدى فئات الشعب التي قد تحتضنه، إذا ما تاب يوما عن الإكتفاء بالإنصهار في مؤسسات الدولة الرجعية والبرجوازية، والعودة إلى الحاضنة الشعبية (العُمّالية بالأخص)، ببرنامج بديل وأساليب عمل نضالية وثورية… فرّطت القوى التقدمية في فرصة ذهبية بعد فرار زين العابدين بن علي، وهي بصدد الإنتحار حاليا بابتعادها عمّن يفترض أنهم جمهورها…

يستسهل بعض المثقفين وبعض المحسوبين على اليسار نقد الفقراء ونم ىهم في أسفل السُّلَّم الإجتماعي، والحط من شأنهم وتشويههم (لأنهم لا يملكون وسائل الرَّد ولا وقت لهم للرد على هذه الترهات)، بذريعة تخلُّفهم وعدم إدراكهم لنتائج ما يقومون به من أعمال “عنيفة وفوضوية وغير مسئولة” حسب رأيهم، ولا يقدمون بديلا ولا يتمتعون بالشجاعة الكافية لمجابهة الفقراء في ساحة المعركة، فضلا عن الوقوف معهم، كي يفصحوا عن نواياهم، وقد يتقبل الفقراء ذلك ممن يكون إلى جانبهم عند الشدائد، وهل هناك فرصة أحسن من هذه لتحقيق شعار “الإلتحام” بالشعب وبالفقراء، الذي تتغنى به بعض فرق اليسار… إن الفقراء والمحرومين لا ينتفضون أو يثورون تلبية لرغبة أحد أو نكاية بالحكومة أو لأنهم ذوو نزعة هدَّامة بطبيعتهم (كما تدّعي بعض المدارس الرجعية لعلم الإجتماع) أو غيرها، وهذا ينطبق على تونس وعلى غيرها، إذ يتمرد الإنسان عندما يضيق صدره، ويُدْرِكُ انه لا يملك شيئا يخسره سوى الأغلال، بعد محاولات لإبلاغ صوته، ولما تنعدم وسائل التعبير الأخرى (أو تصبح غير مُجْدِية) يلجأ الناس (في كل مكان من العالم) إلى التعبير الجماعي باللسان ثم باليد والحجارة وكل ما يتوفر للفقراء من سلاح بدائي، وغالبا ما لا يختار الفقراء والعمال شكل الإحتجاج أو التعبير، بل يفرضه عليهم الوضع، والتظاهر والإعتصام وسائل جماعية مُتحضِّرة تتطلب حدا أدنى من التشاور والتنظيم، لكن غالبا ما تتدخل قوات الأمن (بما فيها الجيش) لتفريق هذه التجمعات، وقوات الأمن بطبيعتها عنيفة وعناصرها مُسلَّحون، ومَحْمِيُّون بواسطة القانون وجهاز الدولة، أما الفقراء، فلا سَنَد لهم سوى أُسَرِهم وأصدقائهم، وبعض النقابيين ومناضلي اليسار الذين لا يقايضون مساندتهم بشروط من قَبِيل تغيير الشعارات أو مجابهة سلاح الشرطة والجيش بالقبلات الحارة والورود (من أين لهم ثمن الورود؟)… أثمرت ثورة المحرومين في 2010-2011 بعض المكاسب منها حرية التعبير (المُهَدَّدَة حاليا باسم المصلحة العليا للوطن) وانتخاب مجلس نواب الخ، لكن هذه المكاسب مُقتصِرة على البرجوازية وعلى بعض الفئات الوسطى (التي تصف اليوم المُنتَفضين بالغوغاء والمُخْتَرَقين والغباء والحماقة الخ) فمن يملك المال تَمَكَّنَ من شراء الصحف وقنوات البث الإذاعي والتلفزي ومن شراء أقلام وأصوات، لا تُشكِّلُ سوى صدى لصوت صاحب شركة الإعلام الذي يسدد الرواتب آخر كل شهر، وتوسعت رقعة الفساد (بحسب منظمات أجنبية مثل “الشفافية الدولية”) مع توسع رقعة نفوذ رجال الأعمال واستحواذهم على السلطة السياسية إلى جانب السلطة الإقتصادية والإعلامية…

بعض تطورات الوضع منذ 2011:

في الضفة الأخرى من المجتمع ارتفع عدد العاطلين عن العمل (المُعْتَرَفِ بهم في الإحصاء الرسمي) من 700 أو 800 ألف إلى نحو 1,1 مليون عاطل (من 11 مليون نسمة)، وتتجاوز نسبة البطالة في المناطق الفقيرة 30% من القادرين على العمل (قوة العمل) و50% من فئة الشباب، وتصل نسبة الفقر إلى 50% في بعض مناطق الشمال والوسط الغربيين للبلاد، وطال غلاء الأسعار المواد الغذائية وغيرها من الحاجيات الأساسية، وأظهرت دراسة للبنك العالمي ان رواتب 75% من أُجَرَاء البلاد لا تكفيهم لأكثر من أسبوعين، ويضطرون إلى الإستدانة للإنفاق طيلة النصف المُتَبَقِّي من كل شهر،  وعلى صعيد الإقتصاد الشمولي (ماكرو إيكونومي) تشير بيانات البنك المركزي إلى تراجع الصناعات التصديرية بأكثر من 7% رغم تراجع قيمة الدينار التونسي سنة 2015 بنسبة 5,6% مقابل الدولار، وتراجعت عائدات السياحة بنسبة الثلث، وكانت تساهم بنحو 7% من الناتج المحلي وتوفر 20% من العائدات بالعملات الأجنبية… ونشرت بعض تقارير وزارة الداخلية التونسية بيانات ورد ضمنها ان عدد الأطفال الذين يعيشون في الشوارع ارتفع من حوالي ألف طفل سنة 2010 إلى نحو ثمانية آلاف طفل سنة 2015 واستغلت التنظيمات الإرهابية هؤلاء الأطفال وأرسلت ما لا يقل عن 12 طفل قاصر (أقل من 17 سنة) إلى ليبيا وسوريا والعراق سنة 2015 كما ارتفع عدد الأطفال المنقطعين عن التعليم بشكل مُبكِّر (ظاهرة التسرُّب المدرسي) قبل إنهاء التعليم الأساسي من نحو 80 ألف إلى 100 ألف سنويا، وجميعهم من الأسر والمناطق الفقيرة والأحياء الشعبية المُنْتَشِرة حول المدن الكبرى، بسبب الفقر وظروف العيش، وكذلك لأن النجاح في الدراسة لم يعد ضمانا للإرتقاء طبقيا في السلم الإجتماعي (من الفقر إلى البرجوازية الصغيرة مثلا) خصوصا مع تزايد أعداد المُعَطَّلين من ذوي المؤهلات الجامعية، وترصد المنظمات الإرهابية الأطفال الذين يحاولون البقاء على قيد الحياة بامتهان مسح الأحذية وبيع السجائر بالتجزئة ومسح السيارات والتسول… ونَشَرت بعض وسائل الإعلام المَحَلِّية ان الإرهابيين يجندون أطفالا صغارا لمراقبة وجمع المعلومات عن حركة وعادات وتنقلات أعوان الأمن أو اليساريين المُعارضين، مقابل خمسة دنانير (نحو 2,7 دولار) واعتقلت الشرطة نحو خمسين من هؤلاء الأطفال المُجَنَّدِين… قد تكمن أسباب التحاق العديد من التونسيين بالمنظمات الإرهابية في هذا المُعطيات والبيانات، إضافة إلى تيسير الإخوان المسلمين (بأموال قطر والخليج)، خلال فترة حكمهم الأولى التي دامت نحو 27 شهرا انتشار الأفكار والإيديولوجيا الظلامية، والسيطرة على المساجد، في المقابل لم يستكن الفقراء وضحايا النظام الحاكم منذ 1956 بل تواصلت الإحتجاجات ضد الدولة، نظرا لمسؤوليتها عن ارتفاع نسب البطالة والفقر وارتفاع الأسعار وكذلك ضد التهميش الإقتصادي والاجتماعي والسياسي، واضطر الرئيس الحالي ووزير الداخلية (صاحب العصا الغليظة، وهو ممن خدموا بن علي والإخوان المسلمين) إلى الإعتراف “بمشروعية” مطالب المُنتفضين في القصرين، لكن رئيس الحكومة أعلن (من باريس) “أن الحكومة لا تملك عصا سحرية”، ووجب على الفقراء الإنتظار سنوات أخرى، ونذكِّره ان الحكومة التي يرأسها اقتطعت من قوت التونسيين المليارات لضخِّها في خزائن الشركات الخاصة (في قطاع السياحة على سبيل المثال) رغم تشكيك الخبراء في مصير وجدوى هذه الأموال، وترفض الحكومة الدعوة إلى تشكيل لجنة تحقيق في الديون التي تراكمت، ولم تسع مختلف الحكومات بجدية إلى استرجاع الأموال المُهَرَّبة من البلاد، بل أدمجت الفاسدين واللصوص في أجهزة الدولة وتنازلت (بأي حق؟) عن الأموال التي سرقوها من الشعب التونسي… هذه الحكومة “لا تملك عصا سحرية” لحل مشاكل الفقراء ومشاكل التنمية في المناطق المحرومة، بعد انتظار دام خمسة سنوات… أما الفقراء فإنهم طبّقوا شعارا ينادي به اليسار في أدبياته ولا يطبِّقه وهو خلق ميزان قوى يمكِّنهم من افتكاك بعض المكاسب، لأن النظام (وأرباب العمل وكل المُتَنَفِّذين) لا يفهمون سوى لغة القوة ولا يترددون في استخدام القوة في وجه مواطنين عزل لا يملكون سوى الرد ببعض الحجارة على قوة الجيش والشرطة المسلحة وقوة النظام القضائي الذي يرمي بالفقراء في السجون ويطلق سراح الفاسدين واللصوص وقوة النظام الإعلامي الذي يشوه النضالات ويصفها بعمليات التخريب (كما يصف الصهاينة العمليات الفدائية) والنهب وقطع الطرقات الخ

الديون أو الإرتهان إلى هيمنة رأس المال الخارجي:

شكل الإستعمار المباشر مرحلة أساسية في تاريخ البلاد الحديث (1881- 1956)، وكانت الديون الخارجية خلال القرن التاسع عشر ذريعة لفرض الاستعمار المباشر على البلاد، التي يعيد حكَّمُها السابقون والحاليون تجربة إغراق البلاد بالديون، مع ما يتضمنه ذلك من شروط مجحفة يفرضها الدَّائنون، وارتفعت الديون الخارجية بنسبة 58% من 26 مليار دينار (13,7 مليار دولار) في 2010 إلى 41 مليار دينار (21,6 مليار دولار) في 2014 وتمثل نحو 54% من إجمالي الناتج المحلي ورصدت ميزانية سنة 2016 مبلغ 5130 مليون دينار، أو ما يعادل 17% من ميزانية الدولة  لخدمة الديْن العمومي، أي ان جزءا هاما من قيمة الثروة التي يخلقها العمال والمُنْتِجون في تونس، تذهب إلى الخارج لتسديد ديون لم ينفقها الحكّام في برامج تنمية، وسددت البلاد منذ الإنتفاضة ديونا بقيمة 27 مليار دولارا، ولا يمكن للدولة ان تستثمر ولا للعمال والفلاحين والحرفيين أن يحققوا نمو الإقتصاد بنسبة 8% ليتمكن من استيعاب العاطلين على العمل واغتنم وزير المالية الفرصة –خلال ندوة صحفية-  ليتقيأ دروس صندوق النقد الدولي ضد القطاع العام الذي “يشغل حوالي 800 ألف شخص (الواقع انهم نحو 580 ألف) برواتب قيمتها 800 مليون دينار (420 مليون دولار)”، ولم يذكر انه احتسب ضمنها رواتب الوزراء وكبار موظفي الدولة الذين يستأثرون بنصيب الأسد، وتفاوض الحكومة المؤسسات المالية الدولية وبعض الحكومات (منها الولايات المتحدة) للحصول على 31 قرض جديد (سنة 2015) لزيادة تبعية البلاد وإغراقها بالديون التي يتحمل المواطن أعباءها اليوم وغدا، بينما تراجعت معدلات النمو الإقتصادي من متوسط 5% سنويا إلى نحو 2,5% متوقعة سنة 2015 وهو معدل لا يكفي لاستيعاب العاطلين عن العمل، وتحتاج البلاد خلال السنوات العشر القادمة إلى 200 مليار دينار (نحو 105 مليارات دولار) لتحقيق نمو اقتصادي بنسبة 7% أو 8% يمكنه توفير فرص عمل للعاطلين، الذين يحاول البعض تدبُّر أمرهم في الإقتصاد الموازي الذي أصبح يشكل نصف الناتج المحلي الإجمالي، بحسب بيانات رسمية، وإضافة إلى اقتصاد الظل، تعاني ميزانية الدولة من التهرب الضريبي والتهريب وضعف قيمة الدينار (عن أ.ف.ب 15/03/2015) وتجاوزت ديون تونس (الربع الثالث من 2015)  الصادرات بمرتين وتجاوز حجمها قيمة مدخرات البلاد من النّقد الأجنبي بمرة ونصف، وباتت ديون البلاد مصنّفة ضمن “الديون غير القابلة للتحمل”، منذ منتصف سنة 2015، وهي قروض خارجية مقومة بالدولار واليورو، وكل قرض جديد يعني خسارة قرابة 5%  من حجم السيولة في البلاد، ما يُعرقل عملية التنمية، بينما تراجع حجم الإدخار الوطني من 23% إلى 12% من إجمالي الناتج المحلي خلال الفترة من 2010 إلى 2014… من جانب آخر تقترض الدولة التونسية مقابل فوائد مرتفعه جدا، لأن البلاد مصنفة كدولة غير مضمونة وهي أخطر بلد عربي في ما يتعلق بالإقراض (منذ منتصف 2015) وفي المرتبة 85 من أصل 100 دولة على المستوى العالمي لذلك فإن نسب فائدة القروض مرتفعة جدا

ما العمل؟

يصعب أن تؤدِّي الإنتفاضات العفوية إلى تغيير نظام الحكم، لأنها لا تملك برنامجا لعموم البلاد ولا تملك بديلا ولا تكتيكات للرد على مناورات النظام القائم ولا استراتيجية لبناء اقتصاد وطني مستقل في ظل حقبة العولمة الرأسمالية وفي دولة مُثْقَلَة بالديون الخارجية، ويرتبط اقتصادها بالإتحاد الأوروبي، وفي حالة تبعية تامة…

فوّتت القوى الديمقراطية والتقدُّمية فرصة انتفاضة 2010-2011 وهي بصدد تفويت فرصة ثانية، بل هي بصدد تعميق الهوة بينها وبين مكونات الشعب الكادح والفقير، صاحب المصلحة الأول في الثورة… إن عودة نفس الشعارات وانتشار المظاهرات الإحتجاجية في معظم مناطق البلاد، بعد خمس سنوات، مؤشر على وعي طبقي وحس سياسي، بأن الوضع الحالي مشابه لفترة الحكم السابقة (ما يسميه حزب العمال بفترة “الإستبداد”، دون توصيفه طبقيا)، في الأثناء رفع اليسار شعارات خاطئة (منها انتخاب مجلس تأسيسي) ومارس سياسات خاطئة مثل المشاركة في هياكل أنشأها رجال الحكم السابق (لجنة بن عاشور) وتعويض البرامج الثورية (إن وجدت) بشعارات “ديمقراطية” فقط وبث أوهام تغيير النظام من الداخل (في المؤسسات، والبرلمان بشكل أساسي) والتحالف العلني بداية من 2013 (بعد اغتيال القيادي الثاني للجبهة الشعبية في 25/07/2014) مع من طالب الشعب برحيلهم في بداية 2011 الخ

إن البرامج الثورية ضرورية لكنها لا تكفي، ووجب التفكير في آليات تحقيقها مع ربط الحلول العاجلة بالحلول المستقبلية، بعيدة المدى، لذلك فإننا مطالبون جميعا بالإجابة عن بعض الأسئلة منها:

ما هي الحلول الواقعية الممكنة لحل مشاكل البطالة والفقر في المناطق الداخلية الفقيرة وفي الأحياء الشعبية في المناطق الحَضَرِية وحول المدن الكبرى

ما نوعية المشاريع الإقتصادية التي تستوعب أكبر عدد من العاطلين، وتحقق في نفس الوقت استقلالية اقتصادية (نسبية) واكتفاء غذائيا وتضمن المحافظة على البيئة والمُحيط

ما هي مصادر تمويل مختلف المشاريع الإقتصادية والإجتماعية، خصوصا وان إمكانيات الإقتراض الداخلي محدودة

البحث في إمكانية تفعيل التكامل الإقتصادي العربي، ولو من ناحية “براغماتية” بحتة (مثل رفع قيمة التبادل التجاري العربي)، إذ لا يمكن التفكير في حل معزول عن المحيط، القريب والبعيد، العربي والدولي، خصوصا في ظل هيمنة القطب الأمريكي ومن وراءه (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة…)

لا يمكن لمثل هذه الأسئلة ان تجد لها جوابا من خارج أصحاب المصلحة الأولى في التغيير (العمال والفقراء والموظفين والمنتجين من كافة الحِرَف)، لذلك فإن آليات نقاشها وصياغتها جزء من الجواب، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصوغ حزب أو مجموعة برنامجا ويحاول تطبيقه “من فوق”، لأن تغيير طبيعة النظام يفترض تغيير أدوات العمل السياسي (العمل الجماعي والتسيير الذاتي والقيادة الجماعية…)

من جانب آخر، أظهرت تجارب اليسار في أمريكا الجنوبية ان مكافحة الإمبريالية سياسيا مع الإبقاء على المنظومة الرأسمالية وتسيير الإقتصاد داخليا وخارجيا ضمن بوتقتها، لا يؤدي إلى نتائج إيجابية طويلة المدى، كما أظهرت هذه التجارب ان الامبريالية (الأمريكية بشكل خاص) تستخدم كل ما في وسعها للإطاحة بأي تجربة تحاول الخروج من دائرتها، حتى إذا بقي الإقتصاد ضمن الحلول الكينزية (نسبة إلى “جون مينارد كينز”)، كما حصل في البرازيل والارجنتين وفنزويلا… ولا يمكن مجابهة المخططات الأمريكية سوى بالتفاف شعبي واسع ومتين، مع الإشارة إلى ان المكتب الرئيسي للبرنامج الأمريكي “الشراكة في الشرق الأوسط” (ميبي) موجود في تونس، ويدير وينسق العمل التخريبي الأمريكي للمجتمعات في إحدى عشر دولة عربية، ويستهدف فئة الشباب التي يسميها “قيادات الغد”، لذلك لا يمكن ادعاء محاربة الإمبريالية والصهيونية في إطار التشاور المُستمر مع سفارات الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، ولهث المنظمات غير الحكومية وراء التمويل الأجنبي، وكل تمويل مشروط والشروط يحددها القوي والقوي يريد السلم الإجتماعية والتطبيع والتنديد بانتفاضات الفقراء، إما بتعلة انهم “مختَرَقُون” أو لأنهم “مُتَعَجْرِفون” أي يردّون ببعض الحجارة على رصاص الشرطة والقنابل المسيلة للدموع، ويجدر التنبيه أن الحكومات التونسية سواء في ظل حكم زين العابدين بن علي أو الإسلام السياسي أو الخليط الحالي تُسَلِّم معلومات وبيانات مفصّلة وشخصية عن مواطنيها إلى الولايات المتحدة، وتعزز هذا الجانب الإستخباراتي من خلال برنامج “الشراكة الاستراتيجية” الذي وقّعته الحكومتان سنة 2015 ولم تنشر الحكومة التونسية فحواه، ناهيك عن تفاصيل بنوده، بحسب منظمة “أنا يقظ”، في حين كشف تقرير لمنظمة العفو الدولية (حزيران/يونيو 2015) ان حكومة تونس “تتقاسم بشكل تلقائي مع وكالة الأمن القومي الأميركي المعطيات الشخصية لمواطنيها”، وذكرت مصادر عديدة (منها الصحف الجزائرية) ان الولايات المتحدة  تستعد لبناء قاعدة عسكرية ومنصة للتجسس في تونس… أوردنا هذه البيانات بهدف التفكير في ربط الجزء بالكل وربط المحلي بالوطني ثم بالعربي والدولي، وفي كيفية التخلّص من الديون التي تثقل كاهل الشعب وانتفع منها الفاسدون وكبار اللصوص، والتفكير في كيفية التخلص من تلك الإتفاقيات الدولية التي ترهن البلاد اقتصاديا وعسكريا وبالتالي سياسيا، وكيف يمكن أن يترجم مطلب “الكرامة الوطنية” إلى برنامج ذي أهداف ملموسة ونقاط محددة، تصاغ في برنامج وخطوات عملية في طريق تحقيق استقلال القرار السيادي للبلاد، في ظل وضع عربي تسيطر عليه السعودية وقطر وتتنازعه إيران وتركيا وتحتل الصهيونية جزءا منه بعد طرد شعب بأكمله من أراضيه، وكل ذلك بحماية امبريالية أمريكية-أوروبية، وفي تضاؤل عدد الحلفاء.