السوريّون على مذبح المعارضات والمستعمرين وشيوخ الوهابيّة

ثريا عاصي

تُطالعنا في كل يوم، وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي عن إشاعة جديدة ورواية غريبة، عن أنفسنا، عن عاداتنا وميولنا ومعتقداتنا، وعن دولنا وتاريخنا الملوّث بالنفط والمعهّر بأموال السلطان والمخدّر بخزعبلات تُسمّى فتاوى يطلقها رجال الدين الدجّالين. فصحفنا وإعلامنا يضجّ بأصداء برقيات ويكيليكس، وأخبار الصحافة البريطانية والأميركية والإسرائيلية. هذه جميعها صارت يا للأسف، مصادر ننهل منها ونرجع إليها في السّجالات والأهاجي، التي تتصاعد حدّتها كلما ابتعدنا عن أصلنا وأوغلنا غرباً.
يزعمون أنّ «داعش» هي ليست تركية أو سعودية ـ قطرية أو أميركية ـ فرنسية ـ بريطانية. هؤلاء يرسلون السلاح إلى سوريا ويدرّبون المرتزقة في معسكرات قيل إنها موجودة في البلاد المحيطة بسوريا! ولكنّهم يتنصّلون من المسؤولية عن انضمام المرتزقة إلى «داعش» وعن وصول السلاح إليها، ناهيك عن غارات طيران المستعمرين الإسرائيليين. فلولا مقاومة الجيش العربي السوري للمرتزقة لما التحق الأخيرون عديداً وعتاداً بـ«داعش»! هذا هو المنطق الذي تسير عليه أجهزة الدعاية الاستعمارية في بلاد الغرب. واستطراداً فإنّ الحكومة السورية هي من وجهة نظر المستعمرين، وراء «داعش» والأعمال الإرهابية الفظيعة التي ترتكبها الجماعات التي تدور في فلكها!
في السياق نفسه، تخرج علينا وسائل الإعلام بين الفينة والفينة بشائعات عن أنّ «داعش» هي في الواقع انبعاث للجيش العراقي الذي اتّخذ الحاكم الأميركي في العراق، بريمر، قراراً بحله، يستتبع ذلك ضمنياً، أنّ الجيش العراقي، جيش صدام حسين، البعثي، السنّي، خرج من تحت الرماد لينتقم، ليس من آل سعود ودويلات الخليج، ولكن من « الشيعة « ومن الإيرانيين وأنصارهم في سوريا ولبنان واليمن. أمّا دليل صانعي هذه الإشاعات فتلخيصه أنّ ضباطاً من الجيش العراقي «المُنحلّ» يدرّبون ويقودون جماعات «داعش». عليك أن تصدّق هذه الترهات، إذا كنت «من المؤمنيين»، فالخيانة ومعاونة العدو تُقاس في هذا الزمان، بالمعيار الطائفي والمذهبي. فبحسب زعمهم، ليس كل من يضع يده بيد أميركا أو بيد الإسرائيليين، خائناً وساقطاً، وطنياً وأخلاقياً . لن نقتنع حتى تجفّ آبار النفط!

هذا يعني ضمنياً أيضاً، أنّ بريمر الحاكم الأميركي كان مصيباً عندما أمر بحل الجيش العراقي واستجيب لأمره، وما ينطبق على العراق قد ينطبق على سوريا! ومهما يكن أنا في حيرة من أمر «داعش». كيف تخوض هذه الأخيرة في سوريا معركة ضد الجيش السوري بأعداد من المقاتلين يفوق عدد جنوده وبسلاح أفضل من سلاحه؟ هل هذا يعني أنّ «داعش» تسمية تدلّ على قوات أجنبية دخلت إلى سوريا عبر حدودها مع الدول المجاورة؟ أمّا أن السيد صدام حسين لم يـُعدم كما أُشيع، وأنّ جيشه خرج من مخابئه؟ أين «الثورة» السورية؟ أو بتعبير أدقّ، ما هي العلاقة بين «هذه «الثورة» المجهولة الإقامة والهوية من جهة، وبين داعش «المجهولة» الإقامة والهوية أيضاً من جهة ثانية؟ فمن المرجّح أنّ القوى التي نكّلت بالسوريين وأضعفت حكومتهم، هي تلك التي تستّرت بعباءتي «داعش» وجبهة النصرة. وبالتالي يحق لنا أن نتساءل عن مصادر السلاح وعن أصول المجندين في هذه القوى، فضلاً عن العلاقة بين إنجازاتها من جهة، وبين «ممثّلي الثورة» المتجوّلين من جهة ثانية. ولا سيّما أنّ معالجات «كتّاب المعارضة» لاقتحام الساحة السورية من قِبل آل سعود والعثمانيين الجدد بالتزامن مع ظاهرة «داعش» وجبهة النصرة ووصول المهاجرين من أصول قوقازية تميّزت بالسطحية. لم نسمع أو نقرأ على سبيل المثال، تعليقاً أو تحليلاً جديّاً حول تصريح أدلى به وزير خارجية فرنسا، دفاعاً عن جبهة النصرة، أشاد فيه «بالعمل الجيد الذي قامت به».
من البديهي أنّ للحرب على سورية أبعاداً أوسع بكثير من الجغرافيا السورية، وبالتالي يبدو اهتمامنا بالمعارضة السورية نوعاً من المسخرة وإضاعة الوقت. فما يهمّ في الواقع هم السوريون، وكيفية إعادة اللحمة إلى الأمة السورية على أسُس مادية وموضوعية تفرضها مصلحتهم المشتركة حاضراً ومستقبلاً.
ألا يُثير هذا السيل الفيّاض من الفتاوى التي يطلقها رجال دين الوهابية ـ الحنبلية، الريبة والدهشة؟ لقد وصل بهؤلاء الفجور إلى حدّ مصادرة الديانة الإسلامية وتغييب الكتاب عن الناس، حتى يتسنّى لهم تحريف الكلِم، وتنصيب آل سعود أولياء. ألم يدّعوا أحقية تكفير الناس وشرعنة قتلهم، وأكل لحمهم، شرط أن يؤكل نيئاً لا مسلوقاً ولا مشوياً كما ورد في كرّاس يُدرّس في مدارس جامعة الأزهر!
لم نسمع ولم نقرأ لكتّاب «المعارضات» السورية، الذين يملأون أعمدة الصحف العربية، في الشرق وفي شمال إفريقيا، ما يوضّح لنا ويقنعنا بأنّ تبعية المعارضات السورية لآل سعود ليست ناجعة في معالجة «الاستبداد»، وفي إرساء الديمقراطية.
لم نسمع ولم نقرأ بياناً باسم المعارضات السورية التي تزعم أنّ الجيش السوري يُلقي على الناس براميل المتفجرات، فيه شرح لأسباب صمتها وتغاضيها عن أفعال «الثوار» عندما يقصفون الناس عشوائياً بواسطة قذائف تحمل «قارورات الغاز» . لم نرَ براميل الجيش، التي من المحتمل أن تكون متخيّلاً كمثل أسلحة الدمار الشامل، ولكن رأينا أشرطة مصوّرة عن «سلاح قارورات الغاز».
لم نقرأ ولم نسمع، عن أمور كثيرة كان يتوجّب على «الثورة» وعلى كتّاب المعارضة، أن يقدّموا تفسيراً وإجابات عنها. ولكن في أغلب الظن أنّ «الثوار» في سوريا، وكتّاب المعارضات السورية يعانون من ضياع زماني ومكاني. الدرعية ليست دمشق. « فضربنا على آذانـِهِم في الكهفِ سنينَ عـَدَداً».

:::::

“الديار”، بيروت

http://www.addiyar.com/