المطلوب اتحاد كتاب واحد

العروبة هوية وانتماء ثم راية

نرفعها، أو نجزِّئها ننكِّسها

د. عادل سمارة

(لماذا كتبت نقداً لمؤتمر اتحادات الكتاب العرب في الإمارات ولمخاطبة حاكم السعودية؟)

أصعب الصعب أن تكون مثقفاً  في هذه اللحظات من الزمن. قد تكون هذه خصوصية في الوطن العربي. أما في فلسطين المحتلة بأسرها فالأمر أشد قسوة. ذلك لأن الثقافة ليست متعة، بل الثقافة عبئا ثقيلاً تُصان كما الشرف له ولها.

إن نظرة لما يُدار في/ضد الوطن العربي  وقد انتقل من الاستهداف إلى الإبادة. وهي لحظة موت وصدق  تُسائِل أول ما تسائل المثقف: اين تتخندق؟ سلاحك الكلمة في شكل فكرة، مضمون، محمول، لا في شكل لغو او قشرة لغوية. ففي اي معسكر تتمترس كلمتك اي موقفك المبني على فكرة يُفترض أن تكون جِدُّ واضحة تضيئك وتضيء من يقرئك. نعم لأن المرء حين يكتب لا يتوجه لنفسه بل للناس، أي يقدم فكره للناس فيكون أول التأميم. نعم، يختبىء/يتمترس المقاتل الغِواري خلف سلاحه كما يختبىء/يتمترس المثقف خلف  موقفه وكلمته.

ففي لحظة المشروع/الشغل المعولم على إبادة أمة، يغدو من اللازم على المثقف أن ينتقل من الوجود الفردي الكتيم او المنغلق ربما دفئا واكتفاءً بالذات،  أن يرتفع إلى لحظة وحالة الحضور. وبينهما مسافة وعي وثمن وتضحية، لأن الحضور هو الانخراط في الاشتباك الجماعي. فالمثقف الثوري النقدي المشتبك هو تماما من يحمل شعار: “هي رأية، نرفعها أو ننكِّسها”.

حين تكون اللحظة حاسمة حادة كما هي اليوم، ننقسم وانقسمنا بين:

·       المثقف المشتبك حتى لو بعنقه وحده

·       والطابور السادس الثقافي الذي لا يتماسك الفرد فيه وحده.

تقف وحدك، ليس لتبقى وحيداً بل لتصبح بعض جميع هم/ن الشرفاء وهم كثر. يقولون حينها مغامر وانتحاري وفردي وطوباوي، وقد تكون كل هذه صحيحة بقدر كبير، ولكنك ترضى لأنك:

·       لا ترى الخيانة وجهة نظر

·       ولا تقل: بعد عقدين من النضال إلى عقدين من الاستخذاء والخيانة.

·       ولا تقل لرفيقك أزفت لحظة تقاعدي وطنياً قوميا طبقيا.

·       ولا تقل له اسمح لي الآن اصير عميلاً

لا يكون المثقف المشتبك وحده ولم يكن، لأن كل الفقراء ذوي الرؤيا معه في قلبه وهو في قلوبهم حتى لو لم يستطيعوا فك حبل المشنقة عن عنقه وحتى لو غاصوا في وحل الطائفية وأنظمة وقوى الدين السياسي وتناسل أميبي انشطاري للهويات السامة المسمومة.

وهذا ينقلنا إلى العام وهو الهام.

المثقف او الكاتب، طبقا لموضوع اللحظة، هو إما خادم للشعب أو معتد على وعي الشعب. هذا كلام حادّْ لأن الواقع هكذا، لذا يجب ان يكون هكذا.

فالكاتب يُنتج نتاجا ما ويتقدم به للناس أو على الناس. وهذا ينقل نتاجه من الملكية الفردية الاستعمالية إلى الناس، وحينها يتبين إن كان يكتب لهم أو لخصمهم: للشعب ام للنظام الحاكم سواء كان يحكم بذاته أو اعتمادا على تبعيته.

على ضوء هذا يتحدد موقف السلطة منه:

·        فإن كان يكتب للسلطان، فهو “آمن”

·       وإن كان يكتب للشعب/الأمة فهو مُطارَد بمستويين:

o     إما مطاردا من نظام يتناقض معه تناحرياُ فيكون المطلوب عنقه

o     أو مطارداً من نظام يتقارب معه لكنه يطلب عقله وموقفه كي يحتويه أي يكون المطلوب موقفاً.

وليسمح لي القارىء بمعترضة: كثير منا نحن المثقفين المشتبكين دافعنا عن عبد الناصر، وصدام حسين والقذافي والأسدين،  ولا نزال لأنهم عروبيون وليس لأننا مقتنعين بكل ما قاموا به. لأنهم وطنيون في اليمن ومصر وسوريا والجزائر والحجاز وكل شبر . ومن كان منا من رعاياهم أُعتقل وربما قُتل، ولكنه لم ينزاح إلى الخيانة. واتصالاً بكل هذا نحن مع المقاومة من فلسطين الى لبنان وصنعاء ودمشق وبغداد وكل عرق يقاوم.

لماذا أثير مسالة الشعب او ما نصطلح عليه في هذه المرحلة ب :الشارع؟

ذلك لأن الشارع العربي قد تم تخديره تمهيدا للإجهاز عليه حتى بالإبادة. وإلا ما معنى  كل هذا الأفق المذبوح والمتذابح من المحيط لما بعد الخليج  ولا أحد يُسعف أحدا،ً بل أحد يقتل أحداً لصالح لفيف من الأعداء لا يخسرون شيئا سوى ما يدفعونه من ثروة الأمة لتقتل بعضها. لا احدا من الطبقات الحاكمة يُقتل ولا شيخ طائفي يُقتل ولا جندي امريكي يُقتل ولا مستوطن صهيوني يُقتل. الثورة المضادة في أمان مكتمل. ومع ذلك الشارع العربي لا يُسعف فيه أحد أحدا!.

في هذا أو أمام هذا المشهد، يكون الكتاب أو اتحاد/ات الكتاب أمام أحد خيارين:

·       إما الانخراط في الاشتباك ككاتب، مثقف،مفكر، …الخ وصولا إلى اتحاد كتاب عربي واحد،.

·        أو الانكفاء إلى نقابة/نقابات.

ذلك لأن المشهد يتطلب قرارا، لا خياراً.

لعل الفاجعة أن الطابور السادس الثقافي اتخذ موقفا وقرارا بشكل فوري. أما نحن فلا نزال في اشتباك فوضوي عبثي ملهاوي بين أن نكون مثقفين وأهل فكر فنتخذ موقفا وبين أن نكون تجمع نقابي مطلبي لا يرتقي أو يعلو  على تأمين حاجات الأسرة!

أولا، لماذا  نقابي؟ ذلك لأن اتحاد الكتاب او العمال أو المرأة…الخ هي حالة تتوسط بين النقابة والحزب. وهذه يسمونها منظمات المجتمع المدني في تخليط مقصود. لأن النقابة حالة تجمع من أهل حرفة ما يقودهم تحسين اوضاعهم وليس طبقتهم او مجتمعهم. هم ليسوا أعداء للطبقة والمجتمع، ولكنهم لا يناضلون من أجل الجميع، إلا إذا تقاطع في التحليل الأخير نشاطهم المطلبي مع نشاط نظرائهم في القطاعات الأخرى، وهذا بالطبع نضال مؤجل النتائج، اي حالة معاصرة من “المُرجئة” لكن على الأرض. بينما منظمات المجتمع المدني هي اساساً موقف فكري طبقي يقاوم هيمنة الطبقة الحاكمة/المالكة بهيمنة الطبقات الشعبية. وفي حالتنا العربية مشروعه أشد مرارة وقسوة لأنها تواجه برجوازيات خائنة. لذا يجب ان تكون هيمنة المشروع العروبي الوحدوي للطبقات الشعبية في مواجهة هيمنة التوابع التطبيعيين القطريين الكمبرادور.

هذا لأن اتحاد الكتاب هو عمل فكري سياسي معاً. ومن هنا يمكن للكاتب ان يكون موظفا صحافيا او في اية دائرة وينشط نقابياً. أما تشكيل اتحاد كتاب، فهو نشاط سياسي لفريق  ممن يتصفون بالعمل الذهني. ومن هنا يكون اتحاد الكتاب حالة سياسية اجتماعية فوق النقابة وعلى حواف الحزب السياسي. ومن هنا تحرص الأنظمة السياسية على احتواء الكتاب، ولا تقلق بنفس القدر على احتواء النقابات أو على الأقل لا تخشاها بنفس القدر.

مثال: حصلت مجموعة من الصحفيين في الضفة والقطاع (مناطق الاحتلال الثاني اي 1967) على ترخيص من السلطات الصهيونية كما أذكر 1975-76. وكانت تلك المجموعة مهنية أكثر مما هي مسيَّسة. ولأن مسألة تمثيل م.ت.ف للشعب الفلسطيني كانت على اشدها من حيث تنازُع التمثيل من قبل النظام (وليس الشعب) الأردني، بل حتى كان هناك من يتبنى البحث عن الاندماج في الكيان الصهيوني الإشكنازي (راجع أطروحات د. سري نسيبة للاندماج في الكيان الصهيوني ودفاعات د. عزمي بشارة عن أن كل نقاش يبدأ بعد الإقرار بوجود وبقاء الكيان الصهيوني الإشكنازي).  لأن الأمر كان هكذا، ولأن الأمر لم يكن نقابياً، فقد قررت فصائل م.ت.ف ان تنتزع الرابطة المذكورة  لصالحها. اي لأنها اعتبرت المطلوب رابطة، اتحاداً وليس نقابة.

وعقد اجتماع للجميع في قاعة شركة كهرباء القدس، 1978، وجرت انتخابات وفاز فريق م.ت.ف، وكنت انا نفسي المتحدث باسمه مع أنني كنت قد غادرت التنظيم وبقيت على موقفي الفكري والوطني المؤسس لذلك التنظيم وحتى اليوم. وأذكر أنني

اعتبرت من يأخذ ترخيصا من الاحتلال مثابة “تعامل مع العدو” لأن الأمر ليس نقابياً بل نضاليا، وهذا ينطبق على رابطة صحفيين تحت الاحتلال، ولم يرفض ذلك الموقف أحدا من فريقنا.

تشكلت هيئة إدارية لرابطة الصحفيين كما تشكلت هيئة أخرى للكتاب. ولكن ما حصل أن حاول التنظيم المتوفر على المال الاستئثار برئاسة هذه وتلك. ولا أريد ذكر اسماء هنا. فتركت كلتيهما. وعدت إلى اتحاد الكتاب ربما قبل سنوات قليلة لكي أدعم ترشيح الصديق الغاضب مراد السوداني في مواجهة المطبعين الذين يستغلون نقدي لمؤتمر اتحاد الكتاب العرب في الإمارات بأنه ضد هذا الصديق أو ذاك؟ لا بأس، فالمطبعون صغار دائماً حتى لو وصلوا مناصب عليا، بل ربما لأنهم مطبعون وصلوا تلك المناصب الدنيا.

ثانياً: نعم لقد سبقنا الطابور السادس الثقافي ولا يزال. فهو قد هتف لإعادة احتلال العراق 1991على يد نصف مليون جندي بقيادة امريكا وبريطانيا، ولم نتنبه. وشرب نخب احتلال بغداد 2003، ولم نتنبه. واحتفل باحتلال ليبيا ولم نتنبه. أما وهو يشارك بكل ثقله في استدعاء الثورة المضادة لاحتلال سوريا وقد احتل الكثير من أرضها فتنبه بعضنا.  أما اليمن، فلا يسأل بها أحد!

معترضة: ذات يوم يجب ان نكتب كيف وجد الطابور السادس الثقافي العربي ومنه الفلسطيني غذاء من الطابور نفسه في الغرب الراسمالي ولا سيما في الماركسية الثقافوية مدرسة فرانكفورت ثم البنيوية وما بعد الحداثة…الخ.

في كل من هذه كان يجب على اتحاد الكتاب العرب ان يكون له موقفاً، أو يُعلن أنه مجرد نقابة فيكون كما قبل: “مكانك تُحمدي أو تستريحي”. ولكن، أما والاتحاد هذا لم يتخذ موقفاً من الأنظمة التي تعترف وتطبع مع الكيان الصهيوني فلا غرو أنه لم يتخذ موقفا من عدوان هذا النظام القطري او ذاك على جزء آخر من الوطن العربي!

ولأنْ لا موقفاً أُتخذ تجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني الإشكنازي، صار طبيعياً أن تقوم أنظمة عربية بالمشاركة في تدمير العراق جرَّاء استعادته للولاية  التاسعة عشرة من ارضه، الكويت! وها هي الكويت الرسمية اليوم تُهين العراق وتشارك في العدوان على اليمن ويُجند ويسلح ويمول احد شيوخها  الطبطبائي 12,000 إرهابي ضد سوريا !

نعم أيها الزملاء الكتاب: الكويت تحرر أرضها في عدن وصنعاء لأنها تحت احتلال أهل اليمن! والإمارات تشارك العدوان السعودي (السلطة طبعا) لأن تعز مثلاً، هي إقطاعية لحاكم ابو ظبي. ولا داع للحديث عن العدوان السعودي على اليمن. ولا التذكير بأن قطر والإمارات والسعودية هي دول عظمى شارك طياروها في تقويض الدولة الليبية، وأُنفقت أموال الريع النفطي على تخريب سوريا والعراق ومصر وحتى تونس اليوم. بل إن “تونس”الثورة كان أول مواليدها إرسال آلاف الإرهابيين لتخريب سوريا، ناهيك عن “المغرَّبات لجهاد النكاح- وهن لسن مُغيَبات كي يضطررن لذلك” (المغيبات هن نساء المقاتلين في فترة توسع الدعوة النبوية والفتوحات). أما الأردن الشقيق فقضى على الطيار الكساسبة عبر غرفة أل “موك”. ترى، هل فكرالأردنيون والفلسطينيون خاصة ما هو الفارق بين الكساسبة والبطل الدقامسة؟ بل وكثيرين من العرب ومنهم سليمان خاطر المصري؟ بكلام آخر، هل البطولة مطلوبة من الفقراء والجنود وحدهم؟

بيت القصيد، فإن واحدة من هذه الكوارث تشترط من الكتاب موقفاً طالما ليس الاتحاد نقابةً. فما بالك منها جميعها؟ كان يجب ان يكون موقفا في مواجهة أو بمستوى اصطفاف الطابور السادس الثقافي. ولكن لم يحصل.

ولهذا بالضبط، يمكن لاتحاد الكتاب ان ينتقل من عاصمة قُطْرية عربية إلى أخرى.

تصوروا لو اتخذ الاتحاد موقفا من الاعتراف الرسمي المصري من الكيان، هل كان سيُسمح لأي عضو فيه من قطر آخر أن يدخل الحدود المصرية؟ بل كان سيكون الموقف متبادلا: لا الاتحاد يذهب ولا السلطة تسمح. بل تقمع من هم في ما تسيطر عليه من أرض.

وبمناسبة الإمارات فهل كان لاتحاد الكتاب ان يدخل أرضها لو اتخذ موقفا ضد مشاركة الإمارت في العدوان على اليمن؟ أو لاعتراف دُبي بالكيان؟

 سيقول البعض: إذن سنقاطع معظم إن لم نقل جميع الدول العربية!

ولِمَ الدهشة يا سيدي؟

حينما يكون الأمر متعلقاً بالوطن، فلا مناص من موقف. إفترض نفسك سجيناً! هذا من جهة ومن جهة ثانية، ما الأهم : موقف دفاع عن الوطن أم لقاءات للكتاب والمثقفين هي بروتوكولية أكثر مما هي مناخ للإبداع.

يأتي الإبداع من مناخات عديدة، منها النضال بتعدده ومنها الهدوء النفسي ومنها الموهبة ومنها التعمُّق الفكري …الخ، لكنه لا يأتي من المؤتمرات حتى لو كانت بها أوراقا ومحاورات. ذلك لأن وسائل الاتصال اليوم تسمح بالحوار الواسع والأعمق والممتد.

صحيح ان اللقاء الشخصي افضل وأجمل، ولكن هل تلتقي كل الناس مع كل الناس؟ أم أن من يلتقون هم الهيئات الإدارية ليومين او ثلاثة لا تتسع لأكثر من التعارف.

 أعتقد، وهذا لا يُلزم احدا، أن على الكتاب طالما ليسوا نقابة أن يختاورا بين:

·        التفكير الحر

·        وحرية التفكير.

 فالتفكير الحر هو المدخل للإبداع والانتماء وحماية الهوية الكبرى، بينما حرية التفكير هي قيد تفرضه السلطات الحاكمة وتتحكم به كمؤشر (بارومتر) يسمح لك إلى هذا الحد أو ذاك. هي حرية ممنوحة ومحدودة وكثيرا ما تُصادر.

كثيرا ما ذكرتني حرية التفكير بقول المتنبي في قصيدة الحُمَّى، حين شبه نفسه بالحصان بقوله:

(وما في نفسه أني جوادُ………أضر بجسمه طول الجمام

تعوّد أن يُغبَّر في السرايا….ويدخل من قتام في قتامِ

فيُمسك لا يُطال له فيرعى….ولا هو في العليق ولا اللجامِ)

 التفكير الحر قابل ومتسع للتواصل والتفاعل والابتكار والإبداع المنتج أكثر من حرية التفكير حتى وإن سمحت بالانتقال من عاصمة قطرية إلى أخرى. بل حتى في الزنازين يمكننا التفكير الحر.

وإذا كان من الصعب ، برأي كثيرين من الكتاب، أن يفرضوا على بعضهم مقاطعة نظام عربي قطري يعتدي على آخر، وخاصة أن كل اعتداء من هذا الطراز هو خدمة للإمبريالية والصهيونية بلا مواربة، فليكن الموقف من اي نظام يعترف بالكيان موقفا جماعيا، اللهم إلا إذا وصل البعض إلى اعتبار الكيان الصهيوني الإشكنازي عضو في جامعة الدول العربية بدل سوريا! وفي حال تبني مقاطعة المطبع والمعترف بالكيان، يمكن للاتحادات أن تلتقي في بلد لم يعترف، أو لم يعترف بعد، اقول هذا بأسىً أو لن يعترف.  فكثيرا ما التقت مؤتمرات عربية طبقا لهذه المحددات او بناء عليها.

وإن كنت انتقدت الاجتماع في الإمارات، ولا أتراجع عن هذا، فليس الأمر لإدانة لا الجميع ولا أفراداً، بل من أجل رمي الحجر في الماء الآسن لعل حركة ما تتبعه، بمعنى أنه لا بد من تغيير في طبيعة علاقة أو موقف الاتحادات من هذا النظام أو ذاك.

قد يقول البعض نحن ندخل وطنا لا نظاماً. وهذا حديث افتراضي. فاي نظام يسيطر على بقعة يفرض سيادته، وحين يكون موقفه وسياساته معادية للعروبة يجب مقاطعته من أهل الفكر ومقاومته لأن في هذا تعبئة شعبية. وهذا بخلاف العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي لا يمكن إلا أن تتنقل ولا يسهل على النظام استثمارها. بل كثيرا ما يمنع هذا النظام العربي أو ذاك تبادل المنتجات (التجارة البينية) مع قطر آخر لأنها تقوي المشترك العربي. أما الفكر والثقافة فلا يمكنه منع تبادلها، وبالتأكيد، فإن المؤتمرات ليست السبيل الوحيد ولا الأفضل لتعميق لتبادل الثقافي العربي، لأنه لا ثقافة مصرية او فلسطينية او إماراتية منفصلة وخاصة.

إن مقاطعة اتحاد/ات الكتاب لنظام عربي موقف له صدى تثقيفيا تعبويا هائلا.

أرجو أن نتذكر، أن الأنظمة العربية كما الطابور السادس الثقافي سبقتنا جميعاً. فبعد أن تمت مقاطعة سلطة السادات في مصر إثر اتفاق كامب ديفيد أي اعتراف تلك السلطة بالكيان الصهيوني الإشكنازي، تصالحت الأنظمة وأصبح الاعتراف بالكيان أمرا “خاصا”، واختياراً ومبرراً، وهو ما قاد إلى اعتراف منظمة التحرير ومن ثم الأردن، وموريتانيا والإمارات وها هي السودان تنتظر سماح الكيان له بالاعتراف به. كما تم تمرير الاعتراف  غير المباشر وهو جريمة بنفس المستوى مع المباشر، اقصد اعتراف السعودية وقطر والمغرب وتونس، ولا يدري المرء عن غيرها بعد.

من هنا، اعتقد أن مقاطعة هذه الأنظمة هو القرار الصحيح ليس فقط لأن وسائل التواصل تسمح بتواصل اسهل من الجغرافيا وحسب، بل لأن المقاطعة موقف مبدئي قومي بلا مواربة يليق بأهل الفكر كثيرا ولا أقول اكثر من غيرهم كي لا أفضلهم على الناس.

لذا كتبت ما كتبت عن مؤتمر الاتحاد/ات في الإمارات. وكتبت ما كتبت عن رسالة اتحاد الكتاب الفلسطينيين إلى حاكم السعودية في قضية  الشاعر العربي الفلسطيني فياض الشهيد بالانتظار. ولا أعتقد ان هذا الحاكم يقيم وزنا لأي عربي إلا إذا كان المتدخل غربياً وخاصة امريكي. لم ُيعدم الشيخ النمر لأنه شيعي، أو كما يزعم من يكرهون العروبة بانه فقط مسلماً، بل أُعدم لأنه مواطن رفض الظلم. وأخشى أن يكون هذا مصير الشاعر الفلسطيني. ليكن لمن أراد مخاطبة هذا الطاغية ان يخاطب كما يشاء، لكن أعتقد أن رفض مخاطبة الطغاة هو موقف تعبوي عروبي، وهذا هدفنا. الطاغية يُعاقَب لا يُخاطّب. بل من قال أن جميع الذين أُعدموا يوم النمر إرهابيين. أشك في هذا، فالإرهابي لا يُعدم إرهابي. ناهيك أن الإعدام سلوك وحشي في كافة الأحوال والحالات.

التطبيع يفترض المقاطعة:

إن التطبيع موقف خياني يُعلن عن نفسه ولا يخجل. وهذا يستوجب مقاطعة لا تخجل. هكذا ببساطة ووضوح. فالوطن العربي هو حق الشعب العربي على وجه الشيوع،  وليس حق فرد في قطعة أرض. وبالمناسبة، لا بد من معترضة، فليس الوطن العربي وطن المسلمين، بل وطن فيه مسلمين لأن الإسلام دين وثقافة وليس قومية.

لكن مفهوم التطبيع لا بد أن يأخذ تعريفه الحقيقي جغرافياً. فليس رفض التطبيع محصوراً في الموقف من الكيان الصهيوني الإشكنازي، بل يجب ان يكون من كل نظام عربي إقليمي او دولي يعترف بهذا الكيان ويدعمه. ومن هنا، فيما يخص الكتاب والمثقفين…الخ وجوب الموقف الذي يحرض ضد هذه الأنظمة. فلا يمكن مثلا، احتضان مثقف لبرالي لا يعتبر الولايات المتحدة عدوا، أو إسلامي يعتبر العدو هو فقط الكيان وليست أمريكا. أو مثقف ناصري، يعتبر العدو الشعب اليمني وليس النظام السعودي!

ليس هذا مجال التفصيل في المقاطعة الاقتصادية والتجارية مع الشركات  العالمية المتعاملة مع الكيان ولا حتى مجالا لكافة مستويات التطبيع. أنما اقصد حصر الحديث عنه هو أن رفض التطبيع وضرورة المقاطعة لا تقتصر على الموقف من الكيان الصهيوني الإشكنازي وحده. وهذا ربما احتواه كتابي : “التطبيع يسري في دمك” الصادر غن دار ابعاد في بيروت ومركز المشرق/العامل في رام الله.

مركز القول وقصاراه…إتحاد كتاب عربي!

إذا كانت الثقافة عربية، والوطن عربي، فلماذا هناك اتحادات قُطرية؟ اتحادات طبقاً لتقسيمات سايكس-بيكو. تماما كما هي اكثرية الأحزاب العربية!.

لماذا لا تبادر اتحادات الكتاب إلى تشكيل اتحاد كتاب العرب-فرع مصر مثلا او سوريا او اليمن؟

أليس الانحصار في التسميات القطرية هو تماهٍ وتماثل مع الأنظمة الحاكمة؟

بل إن بعض الأحزاب القومية أخذت تتقلص ليتطابق اسمها مع مقتضيات قوانين الدولة القطرية!.

من هنا، وعلى ضوء لهيب المذبحة ضد العروبة كانتماء وهوية، هل يمكن للكتاب العروبيين أن يبنوا اتحاد كتاب عربي، وأن ينخرطوا في نقابات قطرية أو جهوية بما هي مطلبية وحسب.

هل يعني هذا انشقاق كافة الاتحادات؟ نعم ويجب.

أليس التناقض مع كاتب يعترف بالكيان أو بعدوان السعودية وقطر والإمارات على اليمن والعراق وسوريا هو أكبر من الاتفاق معه؟

إذا لم يقم المثقف والكاتب والمفكر بالمبادرة لمستوى من الوحدة العربية، فهل ننتظر ذلك من الراسمالية التابعة والكمبرادورية؟ أليس شكل الوحدة الوحيد حاليا هو “وحدة عاصفة الحزم” و “اصدقاء سوريا”…الخ

حاولنا علم 2009 إثر المذبحة الصهيونية على غزة تشكيل جبهة مثقفين في الأرض المحتلة 1967، ولكنها ذابت سريعا في حريق الانقسام بين حكومتي رام الله وغزة! كان الهدف تجنيب الاتحاد إشكالية داخلية فاخترنا التحدث خارج الاتحاد، ومع ذلك ماتت المحاولة.

 ناقشنا بشكل اولي في عمان فكرة اتحاد كتاب للمشرق العربي كبداية لاتحاد كتاب عربي بهدف كسر القُطرية ولو جزئيا وفي قطاع شعبي واحد على الأقل، وذلك في رابطة الكتاب الأردنيين عام 2012 مع كل من الرفاق موفق محادين رئيس الرابطة حينها والرفيق موفق الربيعي من عرب العراق، وكنت حينها عائدا من الجزائر إثر المشاركة في الاحتفال الخمسين بانتصار الثورة والاستقلال. ولكن الفكرة لم تُتابع.

سأبقى أعتقد بأن أفضل خطوة يقوم بها الكتاب العرب من خارج الطابور السادس الثقافي هي تشكيل اتحاد واحد للكتاب العرب كبداية تجسيد للهوية الثقافية العروبية.

وحينها ستتم مطاردة هذا الإبتكار من كافة الأنظمة العربية، ولا بأس، فهذا يزيده مصداقية. وبوسعنا التواصل دون زيارات جغرافية.

هذا ما كنت أجهز لأكتب فيه حينما كتبت السؤال الحامض كنقد لمؤتمر اتحاد/ات الكتاب العرب في الإمارات، ومخاطبة الحاكم في السعودية، وليس ما تم الظن بأن المسألة مناكفة أحد بشخصه. وإن كنت اشكر من نقدني وحتى من شكك في موقفي، لأن كل هذا جعل من وجوب طرح مشكلة الهوية العروبية عبر المثقفين والكتاب وجوبا لا رجعةعنه.

استدعي في هذا السياق الاشتباك مع “رائد” الطابور السادس الثقافي والتطبيع مع الكيان الصهيوني الراحل إميل حبيبي، وتلميذه الراحل محمود درويش الذي حين رثى إميل حبيبي بدأها ب “يا معلمي”. كان الاشتباك حينها بيننا وبين المطبعين في هجمتهم على ناجي العلي الذي اغتيل يوم 22 تموز 1987. حينها كان هجوم إميل حبيبي على القومية العربية منفلتا من كافة القيم والاعتبارات، بل وصفنا ب “الحمير القومجية”.وقد نشر ذلك في جريدة الاتحاد في حيفا ونشرت له فلسطين الثورة المجلة الرسمية لحركة فتح،  وجريدة اليوم السابع في باريس الممولة من م.ت.ف والسعودية، ونشرت له ولغيره الاتحاد الظبيانية وصحف ومجلات مصرية بل في مصر تتنزيها لمصر…الخ حينها كان أحد ردودي عليه في جريدة العرب في لندن بعنوان: “إذا كان مشروع التجزئة ممكناً فلماذا يكون مشروع الوحدة مستحيلا-جريدة العرب 31 تموز 1987”. ولم يتم الاكتفاء باغتيال ناجي العلي، وليس هنا مجال القول كيف نجوت.

في الوقت الذي يتدحرج التطبيع من المحيط إلى الخليج، نسأل انفسنا: ما العمل؟

وليس العمل سوى العودة للمشترك العربي دفاعا في وجه الهجمات الطائفية والقطرية والصهيونية والإمبريالية وهجمة انظمة وقوى الدين السياسي.

هذا ما كنت أجهز لطرحه قبل وبعد مؤتمر الإمارات، بل أختم بأنني بدأت به يوم 29-1-1944 ووصلت فيه ما وصلت  اليوم 29-1-2016، ولا أدري متى سأنتهي.