مشاريع الأعداء وخطط الأصدقاء في سوريا!

ثريا عاصي

في مقالة سابقة أشرت إلى أنّ تركيا والسعودية وإسرائيل تشنّ حرباً مباشرة أو شبه مباشرة على سوريا التي تقف إلى جانبها مباشرةً، أو شبه مباشرةً إيران. بمعنى آخر، هناك بحسب رأيي خمسة لاعبين في الميدان، ولمزيد من الدقّة أقول إنّ هذه الدول الخمس تبدو معنيّة، بل منغمسة في المسألة السورية. وتبعاً لفهمي المتواضع في أوليات الاصطدام العسكري بين دولتين أو أكثر، فإنّ المعتدي يسعى دائماً إلى تحقيق مشروع يُضمره بينما يحاول المُعتدى عليه التصدّي للعدوان وإفشال مقاصده.
هذا ما حملني على محاولة استشفاف غاية كل طرف من الأطراف من مشاركته في الحرب الدائرة منذ 2011 في سوريا. استناداً على أنّ الدولة، أيّة دولة، لا تدخل في مواجهة عسكرية من المحتمل أن تنتصر فيها، ولكن ليس مستبعداً أيضاً ان تلحق بها الهزيمة، فضلاً عن أنّ ذلك يتلازم عادة مع تقديم تضحيات في الأرواح وتعريض البلاد للدمار، والناس للفقر والنزوح دون أمل بتحقيق رغبة عزيزة.
من البديهي أنّه لا يمكن في إطار هذه المقاربة، أن لا نأخذ بعين الإعتبار حضور الولايات المتحدة الأميركية وأذيالها الأوروبيين من ناحية، وروسيا من ناحية ثانية. فهما مصدر السلاح الذي يستخدمه جميع الأفرقاء، وهما الرّاعيان اللذان يراقبان ما يجري على أرض المعركة. أعتقد أنّ الروس لا يريدون أن تتكرّر في سوريا فاجعة ليبيا، حيث استطاع الأميركيون وحلفاؤهم أن يستفردوا بليبيا، كما فعلوا في العراق، فدمّروا وقتلوا وفرضوا الفوضى.

ولكن إذا وضعنا بالحسبان التحرّشات والاستفزازات والاصطدامات العسكرية، وإجراءات المقاطعة والحصار التي تتعرّض لها روسيا، أمكن القول إنّ ما يجري في سوريا هو في الواقع شكل من أشكال الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها ضدّها (روسيا) في جورجيا في 2008، ثمّ في أوكرانيا في 2015 . فأغلب الظن أنّ الهدف من وراء هذه الحروب، هو الحؤول دون استعادة روسيا لنفوذ الاتحاد السوفياتي، ومنعها من أن تفرض نفسها على الصعيد الدولي كقطب ثانٍ إلى جانب الصين أو بالإضافة إليها، في عالم متعدّد الأقطاب!
وفي هذا السياق، يولي الروس، من وجهة نظري، أهمية كبيرة للجبهة السورية. فخسارتهم في سوريا تعني خسارتهم أمام تركيا، بالإضافة إلى خسارتهم أمام الانفصاليين الشيشان، نظراً إلى أنّ الأخيرين تجنّدوا بأعداد كبيرة في صفوف «داعش» وجبهة النصرة، وغيرها من الجماعات التي تدخل إلى سوريا، وتتلقّى المؤن والعتاد عبر الحدود التركية. هذا يعني أنّه على نتائج الحرب في سوريا يتوقّف الاستقرار في روسيا، وخطر اشتعال حرب في مناطق القوقاز واحتمالية تفجّر «ثورة ملوّنة» في روسيا نفسها، شبيهة بثورة «الإسلاميين» في سوريا.
أصل الآن إلى الغاية التي يبتغيها الإيرانيون من وراء دخول الحرب إلى جانب سوريا. أعتقد أنّ الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية التي تريد أن تتحوّل روسيا إلى دولة تابعة، أو أن تُقسّم أو أن تُرسم خريطتها من جديد، لن تُهادن هذه الإمبريالية إيران بالمطلق. من المرجّح أنّ الإيرانيين يتصرّفون على أساس خطة دفاعية تقوم على إقامة أكبر عدد ممكن من شبكات الحماية لبلادهم ضدّ هجمات محتملة من قِبل الولايات المتحدة الأميركية، أو من جانب المستعمرين الإسرائيليين الذين يعرفون جيداً أنّ دول حلف الأطلسي ستقف إلى جانبهم في أيّة حرب، عملاً بمبدأ «المستعمر ينصر المستعمر» .

(للحديث بقية)

:::::

“الديار”، بيروت

http://www.addiyar.com/