آل سعود وسعيهم إلى «قدسية الحكم»!

ثريا عاصي

ما هي أوجه الاختلاف بين إيران الشاهنشاهية من جهة وبين إيران الجمهورية الإسلامية من جهة ثانية، التي جعلت آل سعود يُبدون العداوة لهذه البلاد الجارة، بالضدّ ممّا نعرفه عن الوشائج التاريخية بين العرب والفرس منذ أقدم العصور؟ يمكننا أن نختصر المتغيرات التي طرأت بعد الثورة الإسلامية بالقطيعة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل خصوصاً، والدول الغربية عموماً، بالإضافة إلى اعتبار القضية الفلسطينية بحسب خطاب الثورة الإيرانية، قضية إسلامية، مثلما أنّ الغزو الإسرائيلي للبنان سنة 1982، واحتلال أجزاء من التراب الوطني اللبناني كان في نظر الحكومة الإسلامية الإيرانية قضية إسلامية أيضاً.
أين الخطأ، بالإذن من الشيخ عبدالله العلايلي؟ لماذا كان الفرس، الشيعة، الإيرانيون أصدقاء وجيراناً طيبين في زمان الشاه؟ كأنّنا كنّا نجهل قبل الثورة الإسلامية أنّ الإيرانيين هم شيعة وفرس، فأفتى أرباب «الوهابية» بوجوب كراهية «الإيرانيين الشيعة» لأنّهم مارقون ومرتدون! ففي مفهومية آل سعود تتساوى الوهابية والإسلام والعكس صحيح، ولا سيّما أن الوهابية جعلت «خادم الحرمين» من آل سعود!
استناداً إليه، يمكننا القول إنّ آل سعود يرتعدون خوفاً من «الإسلام» الذي يختلف في مسألة السلطة عن «إسلامهم». بمعنى أنّ الديانة ليست حزب السلطة، أو بتعبير آخر، إنّ جوهر الديانة لا يصلح لأن يكون دعامة للسلطة أو رافداً من روافدها. ليست الديانة تكتّلاً أو جماعة أو حزباً موالياً أو معارضاً. ليس منطقياً أن ننعت جماعة أو حزباً بالإسلامي.

تأسيساً عليه، أنا على يقين من أنّ الغاية التي يسعى إلى تحقيقها آل سعود هي تحصين حكمهم «بقدسية دينية» مُبْتَدَعة . هذا يقتضي، من وجهة نظرهم، فرض الوهابية مرجعية وحيدة ومركزية لجميع المسلمين. ينجم عنه أنّ كل جماعة أو فئة أو طريقة تخرج عن النهج الوهابي هي بحسب الوهابية ضالّة، مارقة عن الدين، هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية، فإنّ بين الوهابية وآل سعود ميثاقاً يتعهّد آل سعود بموجبه «الدفاع عن العقيدة» كما صاغها شيوخ الوهابية. آل سعود في حرب دائمة ضدّ الذين لا يتبعون الدعوة الوهابية!
من البديهي في هذا السياق أن «الدولة الإسلامية» الإيرانية، تمثّل تحدّياً كبيراً ومخيفاً في مقابل «الدولة الإسلامية الوهابية». ليس مستبعداً من وجهة نظري، أن يكون آل سعود اتّخذوا قراراً بفعل ما يلزم حتى لا يتسنّى للناس المعنيين بصورة أو بأخرى بالعلاقة بين الإسلام والسياسة، التفكير والبحث من خلال المقارنة بين دولة إيران من جهة، وبين دولتهم السعودية من جهة ثانية. ليس من حاجة إلى بسط وتوسع تذكيراً بتفلّت آل سعود على إيران بحجج وذرائع واهية. استخدموا «الدين»، فأفتى مفتو الوهابية أنّ الإيرانيين ليسوا مسلمين، ولكنهم من الفئة الضالّة، وأنّ التشيّع خطر على الإسلام والمسلمين؛ أي أنّ آل سعود يكفّرون أتباع المذهب الشيعي. محاسبة أو إثابة الإنسان على أساس معتقده هي وقاحة لا يتّصف بها إلا ذوو الذهنية القبلية البدائية، الغرائزية. لقد بلغ النزق الإعلامي الخليجي حدّاً بدا الإسلام من خلال هذا الإعلام كأنّه ديانة العرب، والخليجيين تحديداً، وديانة عبيدهم طاعة لهم، وليس ديانة الفرس. مثلما أنّ اليهودية هي بحسب المفهوم الاستعماري الاستيطاني العنصري هي ديانة المستوطنين الإسرائيليين حصرياً. ساهم آل سعود في جميع الحروب التي تعرضت لها إيران، منذ سقوط الشاه وحتى يومنا هذا، ووقفوا إلى جانب أعداء إيران دون استثناء. وصنعوا، ضدّ إيران، ولكن في باكستان، قنبلة ذرية، بموافقة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، طبعاً!
مجمل القول، إنّ أصل مشكلة آل سعود مع إيران هو في أنها «دولة إسلامية» متناقضة مع دولتهم «الإسلامية». وما يُفاقم خطر هذه المشكلة أكثر، هو أنّ إيران هي من الدول الشرق أوسطية العريقة التي تمثّل كينونة وطنية راسخة، بالضدّ من جيرانها. ينجم عنه أنّ وجود الأمة والدولة سابق على «الدولة الإسلامية»، ما يجعل هذه الأخيرة في الواقع واجهة مؤقتة، فرضتها الظروف، للدولة الإيرانية العلمانية. والدليل على ذلك أنّ هذا ما نلاحظه من انحسار تدريجى للتيار الإسلامي في إيران، مع اقتراب انتهاء مهمّته، وهي إخراج إيران من المأزق الشاهنشاهي الذي حشرها فيه المستعمرون. من البديهي أنّنا لا نستطيع أن نقول الشيء نفسه عن مملكة آل سعود التي يبدو أنّ مظاهرها تُخفي مضموناً منقطعاً عن التاريخ الماضي والمعاصر، يستتبع ذلك أنّها تفتقد إلى المقومات الوطنية والثقافية القيمة بإخراجها من المأزق الذي يشدّ على خناقها!