جنيف3 السوري: ملاحظات في مرحلة الانطلاق وتوقعات

العميد د. امين محمد حطيط

كما كنا نتوقع انطلق جنيف السوري 3 رغم كل العراقيل التي وضعت في طريقه، انطلاقة على ضعفها وشكليتها شكلت رسالة واضحة ان القرار 2254 الذي اعتمده مجلس الامن ليكون ناظما لعملية سياسية تنهي الازمة السورية، وضع فعلا لينفذ خاصة وان فريق الدعم الدولي الذي نص عليه القرار والذي يضم اميركا وروسيا مع دول أخرى إقليمية او بعيدة، معني مباشرة بتنفيذ هذا القرار ومطالب بالعمل على تسهيل تطبيقه وبشكل جدي.

لكن ومع هذه الانطلاقة، ورغم التفاوت في التوقعات حول نتائج هذه المباحثات التي من المفترض ان تجري بين الحكومة السورية والمعارضات جميعها وبكل اطيافها، فأننا نسجل بداية ملاحظات لا بد من التوقف عندها للاستفادة من عبرها في سياق السعي الى الحل السياسي فنسجل:

اولاً: احترام المهلة التي حددت بالقرار 2254 لأطلاق العملية، بصرف النظر عن موافقة الأطراف جميعا او تأخر البعض او استبعاد اخرين. فقد أصرت الأمم المتحدة مع رعاة الشأن على ان لا تتخطى موعد كانون الثاني المنصرم للبدء، وكان لها ما تريد حيث استجابت حكومة الجمهورية العربية السورية للدعوة في وقتها وحضر وفدها الى جنيف ممسكا بملفاته بكل احكام واتقان بينما تلكأ بنوع من الدلع والابتزاز أحد وفود المعارضة المسماة “معارضة لقاء الرياض ” او أكثر دقة “معارضة بني سعود لسورية” التي كانت في جنيف 2 هي كل المعارضة وباتت اليوم جزءا منها بعد الإقرار بالمعارضة العلمانية والمعارضة الكردية ومعارضات أخرى، ومع هذا بدأت المباحثات مع من حضر.

ثانيا: ظهرت المعارضة علانية على حقيقتها وارتباطاتها حيث تأكد بانها معارضات مناكفة لا تجمعها قضية سوى الوصول الى السلطة، وتمارس بحق بعضها البعض الرفض والفيتو مع نزعة الإلغاء والاستئثار، ولكن الأخطر من كل هذا هو افتضاح امر “معارضة الرياض السعودية” التي تدعي انها وحدها ممثلة الشعب السوري وأنها وحدها من يحق لها ان تكون صاحبة السلطة في سورية.  فقد ظهرت هذه الجماعات على حقيقتها علانية وبعد منازعتها هذا الزعم والإقرار لسواها بموقع في المعارضة ظهرت من حيث التبعية والارتهان وفقدان أي نوع من أنواع الإرادة او القرار المستقل.

 ويكفي للتدليل على ذلك انها بعد تمنعها ووضعها شروط للالتحاق بجنيف للبدء بالمباحثات وعندما استنفد الوقت المخصص للمناورة والابتزاز قام موظف في وزارة الخارجية الأميركية بالاتصال بعادل الجبير وزير خارجية بني سعود، وابلغه بان عليه ان يرسل وفد معارضة الرياض الى جنيف دون نقاش، ففعل دون تردد طبعا. وقد قدمت اميركا والسعودية صورة عما ستكون عليه سورية في المستقبل فيما لو نجح العدوان عليها وتولى خدامه من هذه المعارضات السلطة.

إذا اننا نرى وقياسا على ما حصل ويحصل في مسالة سوقهم الى المباحثات، ستنقلب سورية الى دولة مستباحة السيادة مسلوبة القرار يأمرها موظف في الخارجية الأميركية كما هو حال دول الخليج اليوم، وعند ذلك ستودع سورية عهد العزة والكرامة التي تذكره اميركا جيدا ولا تنسى فيه يوم جاء وزير خارجيتها باول الى الرئيس الأسد بعد احتلال العراق ليملي عليه مطالبها من سورية فسمع رفضا حازما مهذبا وتمسكا بالاستقلال والسيادة السورية.

ثالثا: افتضاح مأزق اعداء سورية وافتضاح الدور السعودي المعرقل لانطلاق العملية السياسية، وهو الدور المعرقل ذاته التي تلعبه السعودية في اليمن وفي لبنان وفي البحرين وفي كل مكان تجد ان بإمكانها افساد الحال فيه لوضع اليد عليه. وهنا قد يتساءل البعض هل ان للسعودية هذه القدرة لمواجهة القرار الدولي؟

 ونسارع الى القول ان المسرحية كلها وجه من وجوه السياسة الأميركية التي تقوم على اللعب على خطين متباعدين حتى التناقض ولكن متناوبين حتى التكامل في خدمة الأهداف الأميركية. فأميركا تريد جديا الحل السياسي لأنه بات  وجها  من وجوه  تطبيق سياسة تحديد الخسائر التي تتراكم في سورية ضد ارباب العدوان عليها و لهذا اعتمدت القرار 2254 ، و لكنها أيضا و في ظل التقدم السوري الكبير في الميدان والاختلال الفاضح للتوازن فيه تشعر بالحاجة الى المناورة و الابتزاز للتحكم بمسار العملية السياسية لتحصل منها على ما عجزت عن الحصول عليه في الميدان و لهذا كلفت السعودية بإدارة المعارضة التي حشدتها في الرياض بشكل يظهرها “زاهدة” او  “مترددة ” و”معترضة” على انطلاق مباحثات جنيف 3 ان لم تنل مكسبا ما قبل البدء بها يظهرها “صاحبة راي و موقف في خدمة الشعب السوري “. فاذا نجحت في المناورة تكون قد حققت شيئا وان فشلت تتدخل اميركا لتمنع اجهاض المباحثات وتظهر جديتها حيالها.

 وهذا ما حصل بالضبط إذا وامام صلابة الموقف السوري وحذاقة المسؤولين عنه علمت اميركا ان أحدا من المسؤولين السوريين لن يصغي لخدام المصالح الأجنبية، فصدر الامر الأميركي “الحازم” لهم بالالتحاق بجنيف مع الاذن لهم بممارسة دلع جديد عبر التهديد بالانسحاب من المفاوضات.

رابعا: بروز المرجعيات الأساسية للمباحثات والدول المؤثرة فيها، مع تراجع قوى أخرى. وهنا بات واضحا ان التفاوض في العمق يدور بين معسكرين: معسكر العدوان بالإرهاب، ومعسكر الدفاع عن سورية وحقوقها المشروعة. واللافت هنا هو تراجع الدور الأوربي بشكل كبير وانكماش الدور القطري وخفض سقف الدور التركي والتركيز في هذا المعسكر على الدور الأميركي كقيادة والدور السعودي كإدارة ميدانية، وفي المقابل نجد سورية بوفدها تتقدم المشهد جاهزة لكل ظرف مدركة الى اين تتجه مدعومة من غير تبعية بقوتين رئيسيتين روسيا وإيران الذين يجاهران بما تريد الحكومة السورية ويشكلان الى جانبها خط دفاع متين يمنع الابتزاز والاحتيال.

والان وبعد هذه الملاحظات التي لم يكن بد من التوقف عندها لمعرفة حقيقة الواقع ومآل المباحثات نعود الى السؤال المحوري حول ما نتوقع من جنيف 3 ومتى.

في البدء يجب ان لا يغيب عن الذهن ان القرار 2254 حدد وظيفة لهذه المباحثات باعتبارها ” تهدف الى تسوية دائمة للازمة ” كما نص البند 2 من القرار ، اما التفاصيل و جزئيات العمل و اليته فأنها متروكة للمباحثات و التداول بما في ذلك  مسألة  الفرز الجدي بين القوى (معارض او إرهابي) للتمكن من مقاربة وقف اطلاق النار و التثبت من صدقية الأطراف المعارضة وقوتهم التمثيلة على الأرض ،قبل الانتقال الى انشاء ما اسماه القرار” حكم ذا مصداقية ”  يعني به حكومة وحدة وطنية تشارك فيها معظم القوى التي تثبت قدرات تمثيليه في صفوف الشعب السوري.

وفي هذه النقطة الأخيرة تكمن المعضلة الأساس، فجماعة الرياض يريدون أصلا الحكم كله، ومع العجز عن ذلك باتوا يطالبون بان يكونوا هم وحدهم شريك الحكم القائم حاضرا مع ارجحية لهم تمكنهم من التحكم بصياغة الدستور والتحكم بالانتخابات على أساس ما يريدون. لكنهم يعلمون ان ما يطالبون به مستحيل التحقق، فهم لا يمثلون الا جزءا بسيطا مما يمكن تسميته معارضة التي لا تشكل الا جزءا لا يصل الى النصف من الشعب السوري، وبالتالي فان وضع الأمور في نصابها لن يعطيهم أي موقع يجعلهم قوة حقيقية مؤثرة في القرار السوري المستقبلي ولذلك تجدهم وقد باتوا على عتبة الحقيقة المرة، تجدهم يخافون من النتائج ويخشون بعد 5 سنوات من الآمال والاحلام، يخشون من ان يخرجوا من الصراع بفتات يجعلهم اضحوكة لدى من صدقهم.

و لذلك لا نتوقع ان تسير اعمال جنيف بسلاسة و لا نتوقع وصولها الى نتائج ملموسة و انشاء حكومة الوحدة الوطنية التي ترضي فريق العدوان على سورية في المهلة المحددة للمباحثات أي ستة اشهر ، بل ستكون الأشهر الستة هذه وقتا مناسبا لفرسان الميدان السوري الذين يكافحون الإرهاب بدعم من حلفاء صادقين ، و يكون ازيز رصاصهم موسيقي تتحرك على ايقاعها جلسات المباحثات غير المباشرة التي ستعقد يوما و تتعثر أياما بمواقف غير متزنة تتخذها السعودية بعلم او امر أميركي ، تعثر قد يتجنب فيه وقف المباحثات ، لكن حتى اللحظة لا نعلق كبير الآمال على جنيف 3 قبل حسم مسائل أساسية في الميدان السوري مسائل تنتظر الحسم المؤكد في الأشهر القليلة المقبلة و عندها يسلم المعرقل بالواقع و الحقيقة و تتجه سورية الى الاستقرار.

:::::

“الثورة”، دمشق