مصير الشيخ النمر التركي !

ثريا عاصي

تميّز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من غيره من رؤساء الدول المشاركة، بشكل أو بآخر، في «ثورات» العرب المفجعة، بحماسة شديدة، ترافقت مع خطاب عالي النبرة ومع تشنّجات الأطراف في كل الاتجاهات، انتهاءً برفع إشارة «رابعة العدوية» أو الإسلام الإخواني باليد بعد ثني وضمّ الإبهام.
يبدو أنّ الأمور لا تسير بما يشتهي السيد أردوغان. إذ عادت بحسب زعمه الطائرات الروسية إلى اختراق الحدود التركية. عشرون ثانية هي المدّة التي أمضتها الطائرة الروسية في المجال الجوي التركي، قام أثناءها الجيش التركي بتوجيه إنذارات إلى قائد الطائرة باللغتين الروسية والإنكليزية. أنا لا أتقن اللغات العسكرية، ولكن تفاهة هذا الفصل من المسرحية الأردوغانية الدموية في سوريا أدهشتني رغم قصره.
يطلب السيد أردوغان من روسيا أن تحترم «حدود الناتو». هذا التعبير ورد على لسانه، على ذمّة وسائل الإعلام، بمعنى أنّ الحدود التركية السورية هي حدود الناتو. وهذا هو، في أغلب الظن، المُعطى الثابت والأساسي في أوّليات الحرب على سوريا، التي يشارك فيها أردوغان متحصّناً «خلف حدود بلاد الناتو». أعتقد أنّ الأصح أن نقول «مُحتمياً ومدفوعاً» من حلف الناتو. إذ ليس معقولاً أن يكون حلف الناتو قافلة يجرّها السيد أردوغان.
ينبني عليه أنّه عندما يقرع أردوغان طبول الحرب، فإنّما يفعل ذلك تنفيذاً لأمر جاءه من أعلى. نأمل الا يكون التفريق بين التهويل بالحرب، وبين التمهيد لها، صعباً على الرئيس التركي حتى لا تبتلي المنطقة بحاكمين غشيمين في آن واحد، أحدهم في تركيا والآخر من آل سعود!

من المحتمل أن يكون مردّ خيبة السيد أردوغان إلى عدم وقوف الولايات المتحدة الأميركية وإنكلترا وفرنسا إلى جانبه في سوريا وفي مسألة اقتطاع منطقة «آمنة» في شمال سوريا تحديداً، بالطريقة وبنفس الدرجة، التي وقفوا فيها إلى جانب آل سعود في حربهم الإجرامية العدوانية على اليمن.
أعود بعد هذه التوطئة إلى تهديد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان روسيا بأنّ اختراق المجال الجوي التركي هو كمثل اختراق حدود حلف الناتو. استوقفتني في الواقع هذه المقارنة لما تُبطن من صَلَف ومن حماقة، ومن استخفاف بعقول الناس. فإذا كانت حدود تركيا هي حدود حلف الأطلسي، كيف تكون إذاً حدود تركيا أيضاً في ميدان رابعة العدوية في مصر، في تونس، وفي مصراته في ليبيا، وصولاً إلى الصومال والسودان، هي حدود «الإسلام» بحسب مفهومية الإخوان المسلمين؟!
هل من شكّ بعد هذا كلّه في أنّ الإخوان المسلمين، تحت قيادة السلطان أردوغان وحزبه، هم متعاونون مع دول الحلف الأطلسي، وأنّهم ارتضوا بحكّام هذا الحلف أسياداً لهم!
ليست المفارقة في الشكل فقط، ولكنها في المضمون أيضاً. ماذا ستكسب تركيا من الحرب على روسيا؟ وما هي المحصلة التي ينتظرها الإخوان المسلمون من خلال الحروب التي أشعلوها في بلاد العرب العروبية؟ إذا كان مثقّفو «الثورات» الوهابية والداعشية والأردوغانية، يعرفون وحدهم نتائج المعاونة الإسلامية، فلماذا لا يعزّون الناس المساكين، المشرّدين، بأنّ عذاباتهم وجوعهم وفقدان أبنائهم قتلاً بالمتفجرات أو غرقاً في بحر إيجه بقرب الشواطئ التركية، لن تذهب سدىً، فحلف الأطلسي معنا، كما كان مع الأوروبيين بعد المحارق والتدمير، وكما كان مع اليابانيين بعد القنبلة الذرية ! صراع الحضارات ؟! ما هي الا خزعبلات وأساطير!
وفي السياق نفسه، تدّعي تركيا الأطلسية، بأحقّية إرسال قوات عسكرية لتتموضع في محيط مدينة الموصل؟! يبدو أنّ الحكومة العراقية الحالية سلّمت بالأمر الواقع وطوت الصفحة. يحسن التذكير هنا، أيضاً، بالمشروع التركي القاضي بإقامة منطقة آمنة في شمال سوريا. آمنة ممّن ولمن؟! ومن يضمن أمنها؟ هل ستتوكّل تركيا الإسلامية بذلك أم تركيا الأطلسية؟
ولا منأى في ختام هذا الفصل عن التساؤل باقتضاب، فقد نتناول الموضوع لاحقاً، أن نتساءل عن هُويَّة الحدود التركية ـ الكردية. هل هي تركية تركية من جانب، في مقابل كردية أطلسية في الجانب الآخر؟ سؤال آخر، لا يخفى أنّ في تركيا، كمثل سوريا، مواطنين أتراك من أتباع المذهب الإسلامي العلوي، ينبني عليه سؤال مفاده لماذا تُجيز تركيا الإخوانية لنفسها تفرقة السوريين على أساس معتقداتهم الدينية وتدعو وتعمل على إقامة «جدران الفصل» بينهم، ولا تُقدم على نفس التصرّف في تركيا نفسها، فتفرض الغيتو على العلويين؟!.. أخشى ما يخشى هو أن يضرب السلطان العثماني الجديد أردوغان عنق الشيخ نمر التركي!

:::::

“الديار”