انتفاضة الفدائيين

عبداللطيف مهنا

دخلت الانتفاضة الفلسطينية شهرها الخامس. تجاوزت مرحلة بدايات رافقتها حيرة المحتارين في اختياراتهم لمسمياتها وتوقُّعاتهم لمآلاتها. أهبة أم انتفاضة؟، أمحدودة أم شاملة؟ استخبوا أم ستستمر؟، إلى ما هنالك من الأسئلة التي نعتقد أنها قد اجابتهم الآن عليها. في البدء، قيل الكثير في ظروف اندلاعها، ومثله عن موازين القوى المختلة، وما لا يصعب ملاحظته من مرحلة تأتي كافة رياحها وطنياً وقومياً ودولياً بما لاتشتهي سفنها. ومنه، قدرة وانفلات آلة بطش عدوها ووحشيته اللامحدودة، وعاهة اوسلوية ساحتها، وسائر كل هذه الظروف بالغة القهرية وشديدة التعقيد، التي يواجهها واقع شعب ظهره إلى الحائط  ومستفرد به، وكل ما هو المعلوم وما لسنا هنا بصدده.
قلنا حينها، سمُّوها ما شئتم، فما هى إلا محطة نضالية من محطات تترى منذ بدء الصراع وإلى أن يحسم، أي لها لاحقها ولاحقه في مسيرة كفاح مديد لشعب مناضل اسطوري الصمود ومذهل التضحيات، وابتكاراته للمستجد من اشكال نضاله تظل المدهشة والمفاجئة والمتوائمة دوماً مع لحظته الكفاحية والمتناسبة بالضرورة مع ظروفها القاسية وتعقيداتها الصعبة، وحيث لايحكمها ولن يحكمها إلا قانون واحد هو: ما دام هناك احتلال فستكون مقاومته.
نعم، قدَّمت الآنتفاضة حتى الآن أكثر من 173 شهيداً ومئات الجرحى ومثلهم من الأسرى، وبالمقابل خسر المحتلون  أكثر من واحد وثلاثين قتيلاً وعشرات المصابين، لكنما في ظل موازين القوى المختلة، ولطبيعة العدو وهشاشة وجوده المصطنع، وسائر ما بيَّناه آنفاً، تميل الكفة لصالح الفلسطينيين لا لعدوهم، والأهم منه أن هذه الانتفاضة حتى الآن قد حققت من المنجزات واحدةً هى مما لا يُقدِّر إلا عدوها وحده مصيريتها و لا غيره يشعر بمدى خطورتها بالنسبة لوجوده، ألا وهى ارباكها وهزها لمرتكز وعامل رئيس لاستمرارية وبقاء كيانه الغاصب، وهو أمنه، إلى جانب المشهود من تأثير ذلك على اقتصاده، وقد لايقل عنه أنها قد ارغمته على ايقاف عملية تقسيمه للأقصى زمانياً ومكانياً، ثم أنها قد اعادت القضية، رغم كل اسباب التناسي متعدد الدوافع والتوجهات، عربياً ودولياً، إلى واجه الأحداث المزدحمة شاشتها هذه الأيام بكل ما من شأنه أن يسهم فيما يدفعها جانباً ويغطي عليها.
كل ما يبدر عن الصهاينة اليوم اتجاه ما يسمونها “انتفاضة السكاكين” لايعكس إلا ارباكاً ورعباً وتوجساً من آتيها، يزيد منه تزايد تحوُّل السكاكين إلى رصاص وتواصل استخدام هذين وثالثهما الدهس جنباً إلى جنب، وما قد تأتيهم به من جديد بوادر تطور العمليات الفردية إلى عمليات الخلايا مسبقة التخطيط ومعقدة التنفيذ، كما هو حال عملية باب العمود المقدسية الأخيرة . وزيرهم اوري اريئيل يصف الوضع الأمني للصهاينة في الضفة بأنه “لايطاق”، ويدعو للمزيد من التهويد وقمع الفلسطينيين…يزيد من هذا الارباك والذعر ما يضاف اليه مما يمكن تسميته برعب الأنفاق، حيث يخاف مستعمرو مستعمرات ما يطلقون عليه “غلاف غزة” أن يخرج لهم المقاومون من تحت الأرض، لدرجة أنهم باتوا يتخيلون سماع الحفر تحت اقدامهم فيستنجدون بسلطاتهم التي تهب لفحص التربة من حولهم للتأكد مما يتخيلون، وأن تعلن أنها قد بدأت في تدارس مسألة ابتكار الممكن من “عقبات” في وجه هذه الأنفاق الزاحفة.
لذا فإن عملية فدائي حاجز مستعمرة “بيت إيل”، الحاجز العسكري القابض على انفاس رام الله، الشهيد البطل أمجد السكري، كانت بمثابة النقطة التي افاضت الكأس الصهيوني ودفعت المحتلين لحصار المدينة وسلطتها واقفال مداخلها، والتصديق علناً على مقولة صائب عريقات من أن “يوآف مردخاي، منسق شؤون الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية، بات الرئيس الفعلي للشعب الفلسطيني”!
قبل العملية لم يسمع الصهاينة بمثل ما سمعوه من تأكيدات الأوسلويين المتكررة على المواظبة على التعاون الأمني معهم…تصريحات ماجد فرج مثلاً وتثنيات رئيس السلطة عليها، اضافة لترداد الأخير لما ردده مراراً من أن جانبه الفلسطيني، فيما يتعلق بالتزامته الأوسلوية، يقوم “بواجبه على أكمل وجه”، لكنما المحذور، وما له دلالاته، والذي لطالما خشوا وقوعه، وكانوا قد تحسبوا له بعيد اندلاع الانتفاضة ، وحذَّرتهم اجهزتهم الأمنية مراراً منه، قد وقع…كان جديد الانتفاضة في هذه المرحلة، وهو:
رقيب أول في شرطة السلطة الخاصة، مرافق لرئيس نيابة رام الله، يستخدم سيارة من يرافقه، وبطاقة ال”vip”، التي يخص بها الاحتلال قيادات السلطة للتنقل، ليقتحم حاجز “بيت إيل” المسمى شعبياً “حاجز الشخصيات المهمة جداً”، مستعملاً في هجومه على المحتلين سلاحاً يفترض أنه خاصاً بشرطة دايتون، ويردي به ثلاثةً منهم قبل أن يستشهد…كان قبل ساعتين فحسب قد غرَّد على حسابه في “الفيس بوك” بما يلي: “صباحكم نصر بإذن الله” وتلى الشهادتين…
لا حصار رام الله، ولا التهويد والتنكيل، وحتى الترانسفير، يثني سلطة “اوسلوستان” عن مواصلة “مقدسها”، أو تعاونها الأمني مع المحتلين، وايقاف مطاردتها للمقاومين، ومحاصرتها للانتفاضة، أو الاقدام على خطيئة من مثل اعتقال البروفيسور عبدالستار قاسم. إنه ما يؤكدونه يومياً…وصلوا حد أن يبرر عباس زكي احجامهم عن التوجه لمحكمة الجنايات الدولية بأن الأمريكان  هددوهم إن هم فعلوا بوضع كافة مسؤوليهم على قائمة الارهاب!
…بعد عملية بطل حاجز “بيت إيل”، الشهيد امجد السكري، جائتهم عملية ابطال قباطية، الشهداء احمد زكارنة، واحمد ابو الرب، ومحمد كميل في القدس. الفردية غدت خلايا، والسكاكين افسحت مكاناً للرصاص.على الصهاينة الآن أن يسموها “انتفاضة الفدائيين”…