جنيف 3: ما أُخذ بالقوّة لا يُستردّ إلاّ بالقوّة !!

ثريا عاصي

تأجّل، انتهى، أخفق ؟ مؤتمر الأمم المتحدة في جنيف للتقريب بين وجهات نظر الحكومة السورية من جهة، والمعارضات السورية من جهة ثانية «المفاوضات غير المباشرة»، بقصد التوصّل إلى حل للأزمة الناتجة عن الحرب التي تتعرّض لها سوريا منذ 2011.
المغتاظون هم أعضاء ما يُسمّى «الهيئة العليا لمؤتمر المعارضة السورية»، الذي يضمّ ناشطين كوّنوا مؤخّراً في ما بينهم ائتلافاً تحت رعاية آل سعود، يقوده شخص كان أمين فرع حزب البعث سابقاً في دير الزور، ثمّ شغل على التوالي منصب محافظ القنيطرة فاللاذقية، وزيراً للزاراعة، رئيساً للوزراء، قبل انشقاقه وفراره إلى الأردن! أي أنّه كان في خدمة النظام بين سنتي 1989 و2012. أغلب الظن أنّ هذه المعارضة حاولت في جنيف إنقاذ الجماعات الإرهابية في شمال سوريا، التي توقّف إمدادها عبر الحدود التركية!
المغتاظون أيضاً هم التحالف العثماني ـ السعودي، الذي يتعهّد عملياً الحرب بالوكالة عن الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية. توخّياً للدقة أقول، إنّ السياسة التي تنتهجها تركيا في البلاد العربية باسم نوع من الوصاية «الإسلامية»، طبعة الإخوان المسلمين، هي من طبيعة الوصاية «الإسلامية» التي يدّعي آل سعود ممارستها، ولكن طبعة وهابية. يستتبع ذلك، من وجهة نظري، أنّ حكومة رجب طيب أردوغان هي في جوهرها عثمانية، وليست حكومة دولة علمانية حديثة، تخدم نظاماً دولياً وإقليمياً بصرف النظر عن المبادئ التي يرتكز عليها هذا النظام.
وأخيراً، طبيعيّ أن يكون الذين يحتلّون قمّة الهرم العدواني مستائين من حضور الحكومة السورية إلى جنيف من دون أن يكون في ملفات ممثّليها عروض تلائم رغباتهم. بكلام صريح وواضح، لم يُفهم من فحوى الخطاب السوري أنّ الحكومة السورية تقبل باقتسام الدولة، وبازدواجية السلطة وبتعدّد الشرعيات. سورية واحدة، دولتها واحدة، وشرعية السلطة مسألة سورية خالصة.
خمسة أعوام من الحرب الدموية، التدميرية، لم تؤتِ بأيّة محصلة على الصعيد السياسي، الوطني. لا جدال في أنّ الجماعات الإسلامية الإرهابية أنزلت بالسوريين خسائر فادحة. ليس من حاجة هنا للتوسّع والبسط في تفاصيل هذه الفاجعة العظيمة التي طالت، كما أعتقد، كل عائلة سورية!

لست هنا بصدد البحث في العوامل التي جعلت هذه الحرب على سوريا قاتلة إلى درجة عالية، وغشت عليها حتى يعتقد الناس الطيبون البسطاء المهمّشون. إنّها دعوة دينية، اسمها ثورة من أجل العدالة والإصلاح، وليست حرباً أميركية ـ أوروبية كمثل الحرب التي تعرّض لها العراق، ثم ليبيا، وقبل ذلك الجزائر ! الغاية منها أولاً وأخيراً الحؤول دون تنامي الوعي السياسي لدى هؤلاء الناس تحديداً، فيبادرون إلى الثورة!
لأعود من بعد، إلى فشل مؤتمر جنيف، الذي كان بحسب رأيي منتَظراً، ومنطقياً، استناداً إلى أنّه لا يوجد من الناحية المبدئية مشترك بين المستعمِر وأعوانه من جهة، وبين الوطنيين من جهة ثانية . أيّة مفهومية وطنية سورية تُجيز للوزير الأميركي أو الفرنسي أو التركي أو السعودي أن يتدخّل في الشأن السوري؟ ها هي السلطة «الوطنية الفلسطينية» في رام الله تتفاوض مع المستعمِر الإسرائيلي منذ حوالى 25 سنة في موازاة بناء جدار الفصل العنصري، وإنشاء المستعمرات!
لقد كان واضحاً أنّ المستعمرين ومعاونيهم السوريين يريدون توظيف المؤتمر من أجل تثبيت أمر واقع على الأرض عن طريق إجبار الحكومة السورية على القبول بوقف لإطلاق النار، ما يعني الموافقة على خلق حدود، وجزر، على التراب الوطني السوري، بالإضافة إلى إيجاد طرق آمنة بحجّة إيصال المساعدات الإنسانية إلى «المحاصَرين» !
لقد اتّضح من فحوى خطاب السيد أردوغان الذي تحدث فيه عن حدود تركيا ـ الأطلسية، أنّ الرجل في ضيق. من المُحتمل، وهذا تقدير شخصي، أن يكون مردّ ذلك إلى اختلال الوضع العسكري في شمال سوريا لصالح الجيش العربي السوري . علماً أنّ الجيش التركي كان له دور كبير في سيطرة جماعات المرتزقة التركمان على مساحات كبيرة في محافظات اللاذقية، إدلب وحلب. في السياق نفسه، أعتقد بأنّ السلطان أردوغان بدأ يشعر بأنّ فاتورة القاذفة الروسية التي أسقطها الجيش التركي، بطلب من التحالف الغربي، قد تكون مرتفعة!
تحسن الملاحظة، أو التذكير، برهاناً على الجريمة ضدّ الإنسانية التي ترتكبها الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية، في العراق وسوريا، بأنّه يوجد في مدينتي الموصل والرقة مشروعا ريّ كبيران، في كل منهما سدّ مائي. العجيب أنّ هاتين المدينتين يسيطر عليهما «داعش» كما نفهم من ظاهر الأمور، خلف «خطوط حمر أميركية» كما دلّت على ذلك الغارات التي تعرّضت لها في الأشهر القليلة الماضية مواقع الجيش العربي السوري في منطقة دير الزور. ومن المعروف أنّ الإضرار بهذين المشروعين المائيين سيكون له نتائج كارثية!
ومهما يكن، لا شكّ في أنّ الأنباء عن تراجع الجماعات الإرهابية التي أرسلها العثمانيون والسعوديون إلى سوريا هي أنباء سارة، ولكن يجب أن لا ننسى أنّ ثمن الأخطاء والاستهتار كان باهظاً، وأنّ الأمانة للذين قدّموا كل شيء من أجل أن تبقى سوريا وما تجسّده سوريا، تُملي على السوريين أن يفكروا جيداً، في ما سيفعلون بالنصر إذا جاء النصر؟ أيها السوريون ارجعوا إلى سوريا وانتصروا.