أعداء سوريا وحُمَاتها !

ثريا عاصي

إنّ ارتجاع المحطات التاريخية أمام الذاكرة يُفيدنا بأنّ سوريا كانت على الدوام عرضة إلى خطر الاحتلال والتقسيم استجابة لأطماع المستعمرين الإسرائيليين فيها، وتحديداً لرغبتهم في الاستحواذ على هضبة الجولان وصولاً إلى ضمّ منطقة الجزيرة. الماء والأرض الزراعية.
لست هنا بصدد البحث في موضوع الأحلاف التي أنشأتها الولايات المتحدة الأميركية في خمسينيات القرن الماضي في إطار الحرب الباردة، وضمّت إليها أتباعها في تلك الفترة، تركيا، إيران، العراق، مملكة آل سعود، وباكستان. من المعروف أنّ الغاية الرئيسية المعلنة لهذه الاصطفافات كانت إقامة سدّ بوجه تمدّد الفكر الاشتراكي ـ الشيوعي، انطلاقاً من الاتحاد السوفياتي. أعتقد في هذا السياق أنّي لا أجازف في القول إنّ المشاريع الأميركية المشار إليها، لاقت مقاومة قوية تحت قيادة الهند في جنوب آسيا، وفي المنطفة العربية تحت قيادة مصر.
لقد اعتبرت مصر الناصرية أنّها وسوريا، مستهدفتان من قِبل الأحلاف الأميركية، بمعنى أنّه إذا عُزلت سوريا أو إذا هوجمت سواء من جانب تركيا، أو العراق أو الأردن (المشروع الهاشمي)، أمكن بعد ذلك الاستفراد بمصر وإخضاعها لإملاءات الولايات المتحدة الأميركية، أي لإسرائيل. فكان ضرورياً أن يواجه البلدان، مصر وسوريا، التحدّي متضامنَين، متّحدين. هذا ما تقضيه وحدة أمنهما القومي.

لا شكّ في أنّ المصريين لعبوا دوراً كبيراً في منتصف الخمسينيات في عرقلة المشروع الهاشمي في سوريا، وفي منع العدوان التركي عليها. ولكن الصراع على سوريا لم يتوقف بسقوط السلطة الهاشمية في العراق وبإعلان الوحدة بين مصر وسوريا. فلقد قحم آل سعود الميدان السوري ـ المصري، وراح نشاطهم يتنامى بوتيرة متسارعة. وقع الانفصال، ثم بدأت حرب اليمن. بموزاة ذلك بدأ الإسرائيليون يصعّدون استفزازاتهم قي منطقة طبريا ضدّ السوريين. كان طبيعياً أن تُعلن مصر الناصرية أنّها ستتصدّى للمشروع الإسرائيلي في سوريا. وهكذا كان؛ وقعت الهزيمة المدوية في حزيران 1967، توفّي جمال عبد الناصر سنة 1970، فانفتح المجال لتحقيق المشروع الإسرائيلي في سوريا. سارع الأتباع والمتعاونون بالمناسبة إلى إخراج المشاريع القديمة من الخزائن، التي بدّد في الماضي الثنائي القومي العربي السوري ـ المصري، كل أمل بتنفيذها.
من البديهي أنّ إيران حلّت مكان مصر إلى جانب سوريا، استناداً إلى أنّ الإيرانيين يعتبرون، كمثل المصريين حتى وفاة جمال عبد الناصر، أنّ أمنهم القومي هو من أمن سوريا. هم يتصرّفون بحسب رأيي على أساس هذا المُعطى.
السؤال الذي ينهض الآن، ولا سيّما أنّ الحرب على سوريا مستمرة منذ خمس سنوات ونيّف، بالضدّ من حرب حزيران 1967، التي دامت ستة أيام، وبالتالي فمن المرجّح ألاّ يحقق فيها المعتدون انتصاراً حاسماً كما حدث سنة 1967. السؤال إذاً هو عن العلاقة التي تربط بين مشاريع الأطراف جميعاً في سوريا، المشروع الإسرائيلي، الهاشمي الأردني، العراقي، لأنّه يوجد، أو توخّياً للدقّة، وُجد من وجهة نظري، في مرحلة من مراحل الحرب الحالية على سوريا مشروع عراقي في سوريا، المشروع السعودي، وأخيراً المشروع التركي. أي بكلام صريح وواضح كيف تتمفصل هذه المشاريع المُعدّة من أجل التنفيذ في سوريا في ما بينها؟! أو بالأحرى أين تلتقي، وما هو المشترك بينها؟
ينجم عنه أنّ الأميركيين يصفون الحرب التي تتعرّض لها سوريا في إطار المشاريع التي لمّحنا إليها أعلاه، بحرب «السنّة»، وهذا بالقطع ليس صحيحاً، بل لا يعدو كونه نوعاً من الخداع. لأنّ هذه الحرب هي نفسها التي تصدّى لها جمال عبد الناصر واستطاع تجييش الجماهير العربية، على أساس فكري قومي سياسي، من أجل إفشال مقاصدها.
إنّ الحرب لا تكون سنية أو شيعية، وإنّما هي عدوانية أو دفاعية. إنّ الحرب التي تتعرّض لها سوريا هي حرب عدوانية. فأميركا عدو وآل سعود أعداء، والعثمانيون أعداء… وكل من يضع يده بيد المستعمرين الإسرائيليين عدو! إنّ من واجب الوطنيين أن يتّحدوا، كما كانوا يتّحدون في زمان جمال عبد الناصر في جبهة وطنية على أساس فكري وسياسي!