دَسُّ السم بالعسل…!!*

نبراس عثمان

بين أحضان “ألف لام ميم” و “أجراس المشرق”، وهما الذراعان الطويلتان “الضروريتان” اللتان تَلُفَّان عقل الجمهور الذي ينتظر الجنة بفارغ الصبر، تحنو قناة الميادين**، بلهفة الأم الإعلامية الحنون، على “الفنان” المغربي الذي رحل منذ يومين: الطيّب الصدّيقي؛ صديق شمعون بيريز. وتشيد بأعماله المسرحية والسينمائية والتلفزيونية التاريخية، وذلك في تقرير عرضته عن حياة الراحل، تشير فيه إلى هذه الصداقة التي تبددت، لأن بيريز، حسب تصريح الفقيد، يبدل جلده، ثم تترحم عليه وعلى غيابه كقطب من أقطاب الفن العربي….!!

سعيد عقل من قبله كان مثالاً، أيضاً، على الفنان المبدع (اللامنتمي)، بل (المنحط) سياسياً ووطنياً على الرغم من تميزه الأدبي. لكن الميادين، بِحُكم “احترافيتها ومهنيتها”، تترفَّع عن تبيان هذه “السفاسف غير الوازنة” وتوضيح خطورتها أمام جمهورها بشكل صريح، في سياق تأبين “العظماء” كما تراهم. يكفيها “فخراً ونضالاً”  أن تُبهِرَنا باكتشافاتها عن تقدمية الأديان الإبراهيمية المعتدلة ودورها في حفظ المجتمعات من الانحراف والرذيلة والحسد، والفهم “الخاطئ” لنصوص نحر الرقاب المقدسة وتاريخ الدول والمجتمعات الدينية المشبع بالدم…!! خصوصاً إن ترافق ذلك مع بعض “السكيتشات” الغنائية والفنية الاستعراضية، ذات الأثر العاطفي، عن مقاومة الإسرائيلي، والتغطية الإعلامية المكثفة لميادين المعارك في سوريا واليمن وفلسطين ولبنان والعراق…!

الفن لأجل الفن، والإبداع لأجل الإمتاع، والإعلام المهني المحترف عالي الجودة التقنية منخفض (ولا أقول منعدم) الجرعة الثورية، مفاهيم تخفي تحتها لا مبدئية فكرية وحالة من تعويم وتمطيط المواقف السياسية من أجل تمرير ثقافة التطبيع والتسليع..ولكل شيخٍ طريقة.

ومن هو ذلك الأحمق الذي يعتقد أن المال النفطي أو الغربي وحده، والذي يقوم بعملية تمويل محطات ووسائل إعلامية، هو فقط ما يشير إلى شبهة ارتهان و/أو تبعية..؟! تكريس الإيدولوجيات الرجعية شبهة، تمرير ثقافة التطبيع شبهة، تلميع وتزويق النهج البراغماتي في الإعلام “المقاوم” هو شبهة أيضاً.

رأس المال ليس له هوية وطنية، بل أدوات وآليات لتحقيق أهداف تخدم مصالح خاصة مرحلية، حتى لو تصارعت رؤوس الأموال مع بعضها، وتوشح ذلك الصراع بمُطَرَّزات من قبيل (تقدمي مقابل رجعي، أو، متطرف مقابل معتدل)، وحتى لو تجلّى  بين دولتين، أو تيارين، أو وسيلتي إعلام يجمعهما طابع التناقض. فحتى رؤوس الأموال تتناقض، تخيَّل يا رعاك الله…!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* رفضت صحيفة ميسلون نشر هذه المقالة لأسباب تتعلق بـ “ركاكتها وكثرة الشتائم التي تحويها”، حسب ميسلون…!!
** عند كتابة المقالة لم تكن قناة سما الفضائية السورية، بعد، قد نشرت تقريراً عن الطيب الصديقي يشبه إلى حد بعيد ما قامت قناة الميادين بنشره. قناة سما تنضم بذلك إلى مقاصد هذه المقالة.