سوريا الروسيّة والمعارضة الأميركية و«داعش»…

ثريا عاصي

عندما تسمع أنّ الولايات المتحدة الأميركية تسعى مع روسيا إلى التوصّل لوقف إطلاق النار في سوريا … في أقرب وقت! بين أطراف المنازعة باستثناء «داعش» وجبهة النصرة!… وعندما تسمع أنّ آل سعود والعثمانيين يحشدون استعداداً لمحاربة «داعش» وجبهة النصرة في سوريا… تفهم أنّه يوجد في سوريا حربان على الأقل: حرب بين الدولة وبين المعارضة، هذه ستتوقّف، وحرب بين «داعش» وجبهة النصرة من جهة، وبين الدولة والمعارضة من جهة ثانية! هذه سوف تستمر.
لا يعني وقف إطلاق النار في تاريخ النضال العربي ضدّ المستعمرين بشرى سارّة، فهو مرادف إمّا للاستسلام والهزيمة الماحقة، وإمّا أنّ أعداءهم يحتاجون لهدنة بقصد تنظيم صفوفهم وتحسين تسليحهم.

هل نحن حِيال معادلة جديدة أنتجتها حرب السنوات الخمس الماضية؟ هل هذا اعتراف أو تسليم بأنّ «المعارضة» هي غير «داعش» وجبهة النصرة؟ لم تمرّ إذاً خطوط إمداد «داعش» وجبهة النصرة عبر الأراضي التركية؟ وبالتالي ليس صحيحاً أنّ العثمانيين وآل سعود والأميركيين والفرنسيين والبريطانيين أرسلوا الخبراء والسلاح والأموال وأقاموا معسكرات تدريب، وغرف عمليات لترشيد «داعش» وجبهة النصرة! هذا طبعاً مُنافٍ للواقع. فلو راجعنا وسائل الإعلام فقط لتبيّن لنا أنّ الحقيقة هي أنّ جميع المشاركين في الحرب على سوريا تعاونوا في ما بينهم، ونسّقوا عملياتهم العسكرية! وأنّ إمداد داعش وجبهة النصرة كان يأتي من تركيا ودول الخليج ومن الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا ومن إنكلترا… هذه أمور كُشف عنها في حينه… رغم أنّ مسار الحرب والمنطق يؤكّدان ذلك بما لا يدع مجالاً للشك. بكلام واضح وصريح، اعتماداً على ما جرى في ليبيا ويجري في العراق واليمن وسوريا، وقبل ذلك في أفغانستان والصومال ونيجيريا، إنّ «داعش» والقاعدة، أي جبهة النصرة، هما أدوات الترهيب والترويع والتهديم التي يتزامن ظهورها واشتغالها، حيثما تنشط الولايات المتحدة الأميركية وأعوانها من الدول الأوروبية الاستعمارية، وأتباعها آل سعود ومن شابههم، من أجل «إحلال الديمقراطية وإطلاق الحريات، وإفقار العوام».
خلاصة القول، إنّ هذا كله يعني ضمنياً أنّ الأميركيين والمعارضة السورية، «معارضة الرياض» يمثّلون طرفاً، وأنّ الروس والحكومة السورية يمثّلون طرفاً آخر، وأن الاثنين يحاولان التوافق في ما بينهما على أن يطردا معاً طرفاً ثالثاً انتفت الحاجة إليه في سوريا، أو هكذا يزعم الذين استخدموه! من المحتمل إذن تأسيساً عليه، أن نكون حيال تحوّل في الحرب على سوريا، أو البدء في حرب جديدة، هي في ظاهر الأمور حرب على «داعش» والقاعدة، يتوكّل فيها إلى جانب المعارضة آل سعود والعثمانيون بالتمويل والعسكر، بالإضافة طبعاً إلى الدعم الغربي من الجو (المدفوع ثمنه على الأرجح). أمّا في الجانب المقابل، فنجد الجيش العربي السوري وحزب الله وإيران في ظل تغطية جوية روسية.
ولكن هل تتطلّب مقاتلة «داعش» وجبهة النصرة، هذا التحالف العسكري، الغريب، حيث يأتلف فيه أعداؤهما وعرّابوهما، «المؤلفة قلوبهم»؟ هل يعقل أن يحارب الجيش العربي السوري في سوريا إلى جانب الجيش التركي؟ وأن يحارب مقاتلو المقاومة اللبنانية إلى جانب جيش آل سعود؟! ما هي النتائج المرجوة من وراء هذه الحرب؟ وماذا عن الحرب بين الحكومة السورية وبين المعارضة؟!… هل سوف تُستأنَف أو أنّه سيُستعاض عنها «بقرار تقسيم سوريا»؟
للتذكير فقط لعلّ الذكرى أنفع، قرار تقسيم فلسطين في 1947 حمل الرقم 181! ولكن فلــسطين ابتُــلعت بكاملها… أمام أعين الفلسطينيين.