المعلمون وإشكالية العزف المنفرد على آلة مستوردة

عادل سمارة

 بالمفهوم الحقوقي والحياتي، المعلمون مظلومون تماما. قبل خمسة عشر عاما، ذهبت إلى المدرسة لأخذ ابني يزن وكان يقف مع معلم اعرفه، ركب الرجل معنا وفي الطريق قلت له أرى معك صندوق معدات؟ قال نعم اشتغل كهربائي بعد التدريس، وإذا مش عاجبك أمدد كهرباء لبناية لطالب (مشلط) كان عندي ويشتغل الآن في “إسرائيل”. كم من الوقت يبقى للرجل بعد العمل هذا ومهمام الأسرة؟

نضال المعلمين المطلبي ربما الأحق من نوعه بين مختلف الفئات المهنية لأنهم يُمسكون عنق المستقبل الاجتماعي وفي حالات عديدة (حسب ثقافة المعلم ، الوطني والقومي والطبقي) .

دعونا نتذكر أن أكثر حركتين جرى تقويضهما في الأرض المحتلةبعد اوسلو هما الحركة الطلابية والحركة العمالية ومنها المعلمين، وهما مترابطتان مع بعضهما بالطبع. وبالطبع قد يسأل حاذق: وما الذي تبقى؟

فقد تم تقاسم الحركة الطلابية والحركة العمالية بين القوى السياسية كتقاسم الإمبرياليات للعالم الثالث (طبعا هنا دون حروب)!. أما الحركة النسائية والنسوية طبعا فقد تقاسمتها إلى حد كبير  منظمات الأنجزة.

وإذا كان اتفاق أوسلو ومن ثم سلطة الحكم الذاتي هي نتاج تسوية وليس تحريراً، وإذا كانت هذه السلطة سلطة ريعية الموارد وريعية الذهنية، بل هي هكذا. فاتفاقات أوسلو هي بالتحديد: (تقديم الإمبريالية الرسمية بما فيها الأنجزة لريع مالي على المستويين الرسمي والنخبوي مقابل تمرير مشروع تنازل سياسي وتفريط) فإن ذلك قد انعكس على المجتمع بما جعل ذهنية الريع طبيعية وغالبة على ذهنية الإنتاج، وهذا بدوره محى إلى حد كبير ذهنية المقاومة والتحرير. ولا أدل على هذا من حقيقة تراجع النضال الجماهيري في الانتفاضة الأولى وإلى حد ما الثانية إلى النضالات الفردية، سواء في إضراب أفرد من المعتقلين  الإداريين وبعض العمليات المسلحة الفردية وصولا إلى الانتفاضة الحالية. هنا نلاحظ تمرد او عناد الذات subject للبنية Structure وخروجها عليها.

بناء على الحالة الريعية مقترنة مع اعتماد هذه السلطة السياسات الاقتصادية الراسمالية اللبرالية والتي هي اسوأ وصفة لمجتمع تحت الاستعمار الاستيطاني، واستكمال الضربة التقويضية هذه بتبني حكومة د.سلام فياض للسياسات اللبرالية الجديدة وخاصة الثقل الضريبي الذي يفتش جيوب حتى الأطفال.  بناء على كل هذا، كاد يفقد المجتمع بعديه النضاليين القومي/الوطني والمطلبي/الطبقي. فنظرا لبقاء الاحتلال، يبقى النضال وطنيا في أغلبه، ونظراً لوجود شبه سلطة يصبح من الممكن ممارسة درجة ما من النضال المطلبي على الأقل. ولذا نرى النضال متأرجحا في المابين.

من هنا يبرز السؤال: ما مدى نقابية مطالب المعلمين من بنية سلطوية تستجدي وتُطعم الناس؟ هل المعادلة صحيحة هنا؟ وهل المطالب  هي نقابية او طبقية بالمعنى المألوف عالميا؟ يبقى هذا سؤالاً رهن الإجابة.

حراك المعلمين شرعي تماماً، ولكن، وهذا اجتهاد، هو حراك يجب ان يجري دعمه بحراك مختلف شرائح المجتمع التحتية، ولنقل (مجازا) الطبقات الشعبية تحت شعار: طالما هو ريع ومحسوب على الوطن، فليكن تقاسمه عادلا وخاصة لأن مشروع تنمية اقتصادية إنتاجية بالحمايةالشعبية غائبا ومرفوضا”. فطالما نتقاسم الاستعمار الاستيطاني فيجب ان نتقاسم الموجود سواء بالفقر او بالغنى.

إن ما يُحرم منه المعلم او العامل أو الموظف الصغير…الخ يذهب إلى جيوب القطط السمان. فإذا كان هناك حدا أدنى للأجور، وهو ضئيل، فليس هناك حدا اقصى للرواتب ولا للفساد!. لماذا لا يكون هناك تحديدا للحد الأعلى للرواتب؟ ولماذا لا تكون الفجوة بين الأعلى والأدنى ضمن قراءة اقتصادية اجتماعية وطنية لا تقوم على خلق هيبة لكبار الموظفين من خلال السيارات الضخمة والفيلات والأبهة…الخ التي أصر عليها الأمريكي ليخلق هيبة لرجال السلطة؟

لست أدري مثلا لماذا لا يلبس الوزير الكاكي مثلا؟ هل وزير محلي أعلى كعبا من تشي جيفارا أو هوشي منه؟.هل يترفه هؤلاء من جهدهم الإنتاجي إداريا ؟

لعل المطلوب هو تأميم الموارد.  فرغم ان معظمها ريعي إلا أنها مُرسلة ومسجلة على حساب الشعب إما على شكل ريع على حساب الوطن أو ديون يدفعها الناس في النهاية على طريقة الدول التابعة التي يحكمها الكمبرادور، تأتي الديون ليد السلطات، فتنفقها في طرق الفساد ومن ثم تؤممها حين الدفع أي يدفعها الناس عبر زيادة الضرائب عليهم.

إن المفروض أن تتم إعادة توزيع الموارد حسب أداء كل مواطن للمجتمع ولكن هذا يحتاج لشغل مُر. بهذا لا يبقى المعلمون في الساحة وحدهم حتى يُطحنوا مجدداً.

لقد وصل الاستهتار من القشرة العليا بالمجتمع حد عدم إخفاء “نعمة”الفساد! وكأن الشخص يتمتع بإنتاجه الخاص أو حتى بفائض قيمة ينتزعه من جهد عمال يشتغلون في موقعه الإنتاجي! حتى دخلا من هذا الطريق الاستغلالي هو نادر مقارنة بمن يبذخون من فائض سيولة مالية آتية من الريع المسيَّس كما اشرنا.

خلاصة القول، صحيح ان كامل البنية مشوهة، ولكن صحيح ايضاً أنه طالما كل هذا التشويه هو على حساب الوطن، فإن من حق المعلمين تحرير ما يحق لهم عبر توزيع متوازن للريع. ولكن إذا ما بقوا وحدهم، فإن تحصيل حقوقهم صعب، فآلة القمع تشتغل بأمر آلة الفساد، وآلة الفساد وقودها الربع والريع آتٍ من أطراف تريد مجتمعا ريعيا مرتبكا وفاسداً. لذا، فإن العزف المنفرد من المعلمين على آلة الريع المستوردة هو عزف عرضة للفشل.