خلل في صفِّنا!

عادل سمارة

العصبية أو التعصب للدقة ليس شرطا أن يكون تعبيراعن عمق وعي وانتماء وفهم، بل هو غالبا بالعكس، مؤشر على الضحالة لأنه ارتفاع في الصوت وتهييج وتحشيد يقوم على الخبث لتعميق العمى أو يقوم على العمى كلياً. وأعتقد أن الإعلام المرئي/المسموع  افضل وسيلة لرسالة التعصب البائسة، وهنا أود التفريق بين الإعلام وبين الفكر، بين المقال الصحفي وبين الكتاب، بين الصحفي السطحي وبين المفكر.

لا يكفي قط أن تكون مع المقاومة ومع الفقراء وضد الصهيونية وضد الإمبريالية وضد التابعين وحتى ضد الطبقات الراسمالية المستغلة أو عموما في مواجهة الثورة المضادة.

كل هذه الأهداف الشريفة حتى لو رفعتها إلى مستوى ممارسات يمكن ان تُفرغ من محتواها وتجسيدها وتتحول إلى سلاح مرتد إلى صدرك إن بقيت متعصباً لما مضى وخاصة لما مضى لأنك تضع ألغاما في طريق غدٍ بل ألغاما علنية.

والتعصب للماضي لا علاقة له بالتاريخ لأن فهم الماضي كتاريخ هو عبرة للحالي والآتي لبناء ما هو افضل وليس ما هو على نفس الشاكلة، ليس بعقل وهدف الثأر، هذا إذا كانت استعادت الماضي كما هو ممكنة اصلا. فلو كان القديم او السلف بعصبية الإرهابيين اليوم مثلا، لكانت الأمة قد انقرضت ولم تصل هذا العصر.

وراء هذا الحديث الآن في هذا الأمر الكثير ولكن هناك سببين مباشرين:

السبب الأول: التغوُّل السعودي الرسمي ومن ورائه مختلف حكام الخليج ضد لبنان. وهو مهما جرى تلوينه او تمويهه ليس سوى انحيازا للكيان الصهيوني ومحاولة جديدة لتطبيب مشروع الشرق الأوسط الجديد عبر تخريب لبنان نفاذا إلى سوريا. ولا أريد هنا العودة للحب السعودي مع إيران الشاه بما هي قومية فارسية وشيعية مذهبيا.

النظام السعودي ليس سنياً كما يزعم لأنه طائفي ولا بد من التفريق بين ان تكون من طائفة وأن تتحول للتعصب الطائفي. والنظام السعودي حين يعرض نفسه كقيادة للسنة، فهو وحتى لو كان العرب السنة هناك مؤيدين له، وهذا بالتأكيد لا، فإن عرب ذلك الحيز ليسوا سوى نسبة ضئيلة من العرب السنة أو غير العرب من السنة.

النظام السعودي ومختلف الحكام في الخليج التابعين له هم تحت الاحتلال العسكري الأمريكي يأتمرون بمصالح امريكا وأمريكا أحد أهم مصالحها الكيان الصهيوني والكيان الصهيوني يرى في المقاومة وخاصة حزب الله أشد خصومه وأخطرهم ومن هنا الحرب على سوريا وتصنيع الخطر الإيراني.

وإذا افترضنا أن السعودية ضد حزب الله كمقاومة شيعية، وهذا التضاد لا يعني سوى ان النظام السعودي منحاز للكيان الصهيوني بلا مواربة. ولكن لو افترضنا ان السبب هو شيعية الحزب. فما الذي فعله النظام السعودي للمقاومة الفلسطينية منذ 1948 و 1965 وحتى اليوم؟ هل أعلن الحرب على الكيان؟ أليس المال السعودي هو الذي نخر جسد منظمة التحرير الفلسطينية؟ وها هو اليوم ينخر لبنان عبر من مولهم!

لقد قاومت سوريا العدوان الصهيوني على لبنان 1982، فهل ارسلت السعودية طلقة واحدة؟ بل حتى رغم رحيل عرفات الى تونس واليمن وهو امر سيء بدل ان يختار سوريا هل استقبلت السعودية مقاتلا واحدا؟ هل دعمت السعودية المقاومة الفلسطينية في الضفة والقطاع؟ ابدا لا. بل أن الوليد بن طلال أعلن بوضوح انه يقف مع الكيان ضد شباب الانتفاضة الحالية!

إن جميع حكام الخليج اليوم يشنون حربا ضد لبنان وهي في الحقيقة حرب لضرب ظهر حزب الله كحركة مقاومة ضد الكيان الصهيوني بخطة أمريكية وليس كما يتخيل البعض تضامنا مع السعودية.

يزعم المرتبطون بالسعودية بأنهم ضد حزب الله لأنه يقاتل في سوريا. وهم جميعا يعلمون بأن حزب الله وبرغم شرف دوره، إلا أن صمود سوريا هو سوري اساسا. وهذا يؤكد مجددا أن هدف السعودية وتوابعها بأمر امريكي هو ضرب حزب الله كمقاومة.

تجدر الإشارة هنا بان هناك علاقة عميقة وقوية بين ما تقوم به هذه الأنظمة النفطية ضد لبنان وبين القلق المتزايد في الكيان الصهيوني من قوة وصلابة حزب الله .

إن العقل السياسي الأمريكي والخبيث الصهيوني يعرفان بأن دور حكام الخليج بتخريب لبنان من الداخل هو الأخطر على حزب الله لأنه لا يستطيع استخدام قوته وإمكاناته الموجهة ضد الكيان ، إنه شل لحركة الحزب، لأن قوته الحقيقية ليست ضد الداخل اللبناني وهو شلل ربما يعتقد الكيان ان بوسعه استغلاله للهجوم على لبنان وتصفية المقاومة.

أكمل هذه النقطة بأمر جوهري وهو ان السعودية وكل حكام الخليج، سيقاتلوا ضد العروبة حتى الرمق الأخير لأنهم يعتبرون العروبة نقيض وجودهم، وبعد حقد هزائمهم منذ 1952 وحتى سنوات قليلة ماضية، يرون هذه فرصتهم، وهو ما يخدم في الأساس الكيان والغرب الراسمالي، لأن هؤلاء عبيد إلى زوال سواء صمدنا ام استشهدنا، لذا على الجميع الانخراط في حرب ضدهم بعيدا عن كل ثرثرات الدبلوماسية. هي معهم حياة أو موت.

 والسبب الثاني لهذا الحديث هو تخلف كثيرين في معسكرنا المصابين بعُصاب يقودهم إلى تأجيج أحقاد داخل معسكر المقاومة والمقاطعة. فلا يمكن لعروبي حقيقي أن ينعت إيران بالروافض والصفويين…الخ كما لا يمكن لعروبي أو مؤيد للمقاومة أن يبدأ حديثه حتى لو عن الفلك بالشتائم على الرئيس صدام حسين.

إن هؤلاء من الطرفين إنما هم طائفيون لم يتخلصوا من مرض الطائفية. بل يقومون بالتحريض الطائفي مما يعني عمليا تفجير ألغام في معسكرنا ويعني بالضرورة فتح ثغرات للأعداء من الثورة المضادة.  وحتى من يزعم منهم أنه عروبي او فارسي، فهو يأخذ القومية إلى منحى شوفيني وليس إلى حق الأمم في تقرير مصيرها ووعي الأمم لوجودها.

إن نعت القومية بالشوفينية ليس إلا تساوقا مع أطروحات المركز الإمبريالي الغربي عن النازية والفاشية، مع أن دول المركز تقوم جميعا على الأساس القومي. كما أن الفصل بين القومية والوطنية او استبدال الوطنية بالقومية، هو مدخل قُطري تجزيئي يسرق مسألة المواطنة ليضع محلها الوطنية. وهذا يطرح السؤال: أليست الوطنية والقومية في مختلف الأمم غير المجزأة متطابقتين؟

يشن كثير من العُصابيين هجمات على الأنظمة العربية التي انطلقت من موقع قومي ليضربوا المسألة القومية وليس هذه المدرسة في القومية أو تلك وهم يعرفون ذلك ويقصدون الطعن. بل يهاجمون هذا الحاكم العربي او ذاك مجردينه من أية إيجابية. وهذه طائفية سياسية مقصودة.

كان عبد الناصر ديكتاتورا، لكنه كان عروبيا ومناضلا واشتراكيا. وكان قاسم يسارياوحاول استرجاع الكويت وحاول تأميم النفط لكنه كان ديكتاتورا حتى مع شركائه في الثورة. وكان حافظ الأسد ديكتاتورا لكنه بنى جيشا عقائديا ولعب دورا حاسما في بناء المقاومة اللبنانية ولم يفتح المجال للسوق الاجتماعي في سوريا. وكان صدام حسين ديكتاتورا لكنه أمم النفط ولم يعترف بالكيان ووصل العراق صحيا في فترته بما يقارب الغرب الأوروبي. وكان القذافي ديكتاتورا ولكنه دعم المقاومة الفلسطينية بكل ما طلبت وأقام النهر الصناعي العظيم، واسس لصندوق نقد إفريقي.

إن قراءة الماضي بعين عصابية هو توجه قبَلي خطير حتى لو كان بريئا، وأخشى انه ليس بريئا.

لقد اغتبطت لأن إيران تعمل على:

·       بيع النفط بغير الدولار

·       والتبرع بمساعدات مالية لأسر شهداء الانتفاضة

ولكن لا يمكن ان لا نتذكر ان صدام حسين قام بالأمرين ايضا، بل وتبرع بان يوصل النفط مجانا للمناطق المحتلة 1967، ومن الطرافة بمكان أن أول من رفض كان السيد ياسر عبد ربه الذي استقبل الليكوديين في مكتب م.ت.ف في رام الله.

يؤخذ على كثير من الأحزاب الشيوعية العربية الاعتراف بالكيان الصهيوني، ولكن لا ننكر أنها حركة قدمت قوافل من المناضلين الطبقيين كشهداء وضحايا تعذيب.

خلاصة القول، إن في معسكرنا مخاليط عجيبة، لا تنطلق من الثقة بالنفس ولا من اتساع الأفق بل من نهش الحليف، والانشغال به وإشغاله بها. بهكذا صف لا يمكن تحقيق اي نصر حقيقي. ولا يمكن بناء جبهة تحرر وطني للمستقبل.