سورية تقاوم : هنا دمشق من دمشق !

ثريا عاصي

من الملاحظ أن أصوات دعاة الحرب على سوريا، وكانوا كثيرين، «تخبوا» تدريجياً إلى حد اننا نكاد لا نسمع في الأشهر القليلة الماضية، إلا خطباً وتصريحات مصدرها آل سعود والعثمانيون الجدد وزعماء المستعمرين الإسرائيليين. كأن هذا الثلاثي العدواني توافق على استملاك سوريا .
يدعي العثمانيون أحقية أن يكون لهم رأي في المسألة الكردية في سوريا، بالإضافة إلى أن تردي الأوضاع في بعض البلاد العربية، دغدغ كبرياءهم وأحلامهم باستعادة السلطنة العثمانية. ليكن الإتحاد العثماني . لا سيما أن الإخوان المسلمين تصدروا «الثورات» من تونس إلى اليمن، مروراً بمصر وسوريا. فظن العثمانيون الجدد أن الحلم يتحقق أو أنه صار قاب قوسين أو أدنى. ألم يقم حكم الإخوان المسلمين في تونس ومصر، حيث استقبل السيد أردوغان إستقبالاً يليق بالسلطان !
ليس مستغرباً أن تكون حكومة أردوغان قد انخرطت في الحرب على سوريا أملاً بمساعدة الإخوان المسلمين على الوصول إلى السلطة، وبالتالي ضم سوريا إلى تونس ومصر وتركيا ! لم يبق في وقت من الأوقات خارج السرب إلا سوريا. فتقرر حشد جميع الطاقات من أجل كسب المعركة على ساحتها. جاءوا من تونس، من قطاع غزة ومن أنقره إلى القاهرة، فكان لهم «على القاهرة مؤتمر» توكل السيد محمد مرسي، الرئيس المصري السابق بإلقاء خطاب فحواه أن المجتمعين قرروا أن يرسلوا جيوشهم من أجل تحرير سوريا من دولتها الوطنية وإعطائها لدولة الإخوان المسلمين . ينبني عليه أن الحرب البرية على سوريا التي يقرع طبولها في هذه الأيام شباب آل سعود إلى جانب السلطان أردوغان هي فكرة ولدت في مؤتمر «حكام الإخوان» في القاهرة في زمان الرئيس المصري السابق «الإخواني» محمد مرسي ! يحار المرء في أمر الإخوان المسلمين، كأن غايتهم هي الإمساك بمقاليد الحكم وأن هذه الغاية تبرر الواسطة ! فهم يتحولون باستمرار، أو قل هم يتكيفون أو بالأحرى من خصوصيتهم محاكاة ومعاونة المستعمر حتى لو كان الولايات المتحدة الأميركية أملاً بمساعدتهم على بلوغ غايتهم : السلطة. تناسل الإخوان فكان منهم، التكفير والهجرة، «الفيس» في الجزائر، القاعدة وطالبان في أفغانستان، الوهابيون والعثمانيون الجدد و«داعش» في سوريا والعراق .
لسنا بحاجة لأن نطيل في موضوع ما يكشفه الإسرائيليون، من آونة إلى أخرى عن العلاقة التي تربط بينهم وبين آل سعود. ولكن يحسن القول هنا، توخياً للدقة والوضوح أن تعبير «سنة السعودية» الذين يزعم الإسرائيليون أنهم يقاتلون معهم في خندق واحد، في سوريا واليمن وربما غداً في لبنان، يدل هذا التعبير حصرياً على الذين يؤيدون سياسة أل سعود السيئة وسياسة السلطان أردوغان المصاب بحسب تقديري بداء جنون العظمة. أفكر في أوضاع بلادنا من زاوية سياسية إجتماعية وعلمانية، وأمقت إلى أبعد الحدود أدوات التصنيف المذهبي !

ولكن التسليم بضرورة فصل الدين عن الدولة، كون الديانة والسياسة الوطنية متناقضتان تلغي أحداهن الأخرى، لا يعفينا من تمييز حزب الله الذي يستخدم الدين من أجل استنهاض الناس وحضهم على التضامن والمقاومة دفاعاً عن أنفسهم وعن أرضهم بوجه المستعمر الإسرائيلي، من الإخوان المسلمين وآل سعود الوهابيين الذين يوظفون الدين من أجل استنهاض العصبية القبلية وإيقاد الفتن المذهبية بقصد الإيقاع بـالناس ليكونوا لقمة سائغة في فم المستعمر الإسرائيلي.
بكلام واضح وصريح يحق لنا أن نتساءل عن الهدف الحقيقي الذي يبتغي آل سعود بلوغه في سوريا. دفاعاً عن السوريين؟ بالقطع لا. فهم لا يحبون جميع السوريين مثلما أنهم لا يحبون جميع اللبنانيين، هذه قصة معروفة. دفاعاً عن «السنة»؟! هذه حجة واهية، لأن السوري عربي أولاً، أما الإخوان المسلمون فهم ليسوا جميع «السنة»، ولا أعتقد أن السوريين في غالبيتهم ينتمون إلى الإخوان المسلمين !
من البديهي أن آل سعود كمثل العثمانيين الجدد، لا تهمهم الديمقراطية والحرية والعدالة الإجتماعية. «الثوار» ومثقفو المعارضة السورية، وجهابذة علم الإجتماع والفكر الثوري في إمارة قطر، يعرفون جيداً أن الحكومة السورية، لن تستسلم للإخوان المسلمين ولا للمعارضين السوريين المتعاونين مع أعداء سوريا مهما كانت درجة الخلل في ميزان القوى ومهما تطلب ذلك من تضحيات! ينبني عليه أن آل سعود وشركائهم ومشغليهم يريدون بالمقابل إما الإستيلاء على سوريا وإما تدميرها وتبديد السوريين! بدءاً ربما بغير «السنة»، تعويضاً لـ «سنة فلسطين» ولـ «سنة الجولان» عن جرائم المستعمرين الإسرائيليين!
هنا ينهض سؤال عن الحصة التي يأمل آل سعود أن تكون من نصيبهم في سوريا بحسب فرضية مفادها أن المقاومة الوطنية السورية توقفت، وأن الغزاة دخلوا دمشق. الإجابة عندي هي أن حصتهم ستكون صفرا، وأنه لن يبقى أمامهم إلا البحث عن منفى يلجأون إليه! غريب أمر آل سعود ومن هم على شاكلتهم. هم يتخيلون أن أموالهم تخولهم إحتلال مقعد إلى جانب قادة العالم! لم يأخذوا العبرة من تجربة صديقهم الشيعي شاه إيران! ولكن فرضيات الأعداء تتساقط في سوريا الواحدة تلو الأخرى كأنها أوراق خريف المستعمرين والرجعيين. سوريا تقاوم العدوان الثلاثي، شعوب العرب يتفرجون … هنا دمشق من دمشق ! لم نسمع هنا دمشق من القاهرة!

:::::

“الديار”