قراءة سريعة للقرار الروسي الأمريكي لوقف النار في سوريا

محمود فنون

لا بد من الإشارة إلى ان الطلب المعلن بوقف النار بأقصى سرعة قد جاء من امريكا وعلى لسان وزير خارجيتها جون كيري وذلك في 9 و 10 شباط من هذا العام .

وقد سبق وتتبعت تصريحات كيري بهذا الشأن ومواقف الإدارة الأمريكية التي ظهرت عليها درجات عالية من الجدية والرغبة في وقف النار مشفوعة باحتمالات توسيع نطاق الحرب وزيادة حدتها …

ثم وافقت روسيا .

ولا شك أن أمريكا قد نسقت مع حلفائها واتباعها كما أن روسيا بلا شك قد نسقت مع الحكومة السورية وأصدقائها

بداية لا بد من لفت الإنتباه أن ارتفاع وتيرة المطالبة بوقف النار قد جاءت متزامنة مع تقدم القوات السورية وحلفائها على جبهتي الشمال والجنوب  بما شكل اندفاعة قوية تستهدف تطهير حلب وكل الشمال ودرعا وكل الجنوب ، وتزايد قوة وفعل الجيش وتماسكه  وعلو همته ومعنوياته .وهذا لا بد عكس نفسه على الشروط.

إن هذا شكل خطورة عالية على طرق امداد قوى الثورة المضادة والمرتزقة كما شكل خطرا على معنوياتهم كما دلت الوقائع وأخذ دور تركيا المعادي لسوريا بالإنحسار فعليا .

وتزامن ذلك مع تخفبف حدة اللهجة الأمريكية فيما يتعلق بالإنتقال السلمي في سوريا وضرورة انجاح المفاوضات ، كما صاحب ذلك مرونة في تحديد الجهات التي توصف بالإرهابية بالإضافة إلى داعش والنصرة .

هذه هي الأرضية التي امكن قرائتها منذ عقد اجتماعات جنيف وما بعدها .

ولكن هناك المصلحة العامة التي تراها سوريا وحلفائها لوقف الدمار دون التوقف عن محاربة القوى الإرهابية وإمكانية تحييد قوى مسلحة مناهضة للدولة ومنخرطة في الحلف المعادي ، وضرورة تأمين الأمن للسكان .

يعد ذلك فإنه من الصعب قراءة النقاط التي حققها النظام في التوافق بين أمريكا وروسيا مع العلم أن المعادلة في الميدان قد أثرت على البنود والصياغات . ولكن امكن رصد نقاط هامة:

فقد ورد نصا في البيان “إن الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية تدعوان معًا جميع الأطراف السورية، والدول الإقليمية والآخرين في المجتمع الدولي إلى دعم الوقف الفوري للعنف وإراقة الدماء في سوريا “

إن دعم الوقف الفوري يعني ان تتوقف تركيا وقطر والسعودية ومن على شاكلتهن عن تقديم العون بكل أشكاله . فالصيغة الناعمة الواردة الموجهة للأطراف الخارجية هي كذلك صيغة ملزمة لكل الأطراف . فتركيا مثلا هي تابع وليس مقرر وكذلك بقية قوى الحلف المعادي، وإن حصل هذا فإنه يحيد جزءا هاما من قوى الصراع وبرعاية روسيا المعنية أكثر من غيرها .

وورد كذلك ” فإن وقف اطلاق النار لن ينطبق على “تنظيم داعش”، “جبهة النصرة”، أو أي منظمات إرهابية أخرى حددها مجلس الأمن..”

وهذا يبقي المعركة مفتوحة لتحديد من هي القوى الإرهابية بحيث لا يتوقف المر على داعش والنصرة وتستمر الحرب على هذه القوى لسحقها

كما سمح الإتفاق للجيش السوري نصا بالإستمرار في عملياته ضد الإرهابيين ” العمليات العسكرية، بما في ذلك الضربات الجوية من قبل القوات المسلحة التابعة للجمهورية العربية السورية، والقوات المسلحة الروسية، والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش ستستمر ضد تنظيم داعش وجبهة النصرة وأي منظمات إرهابية أخرى يحددها مجلس الأمن”

في كل مرة ورد فيها عن الإنتقال السلمي للسلطة لم ترد أية شروط ترفض بقاء الأسد “.

حيث جاء النص “وللمساهمة بتنفيذ سريع وفعال وناجح لعملية الانتقال السياسي التي تيسرها الأمم المتحدة طبقًا لقرار مجلس الأمن الدولي ذي الرقم 2254، وبيان المجموعة الدولية لدعم سوريا الصادر في الـ 11 من فبراير/شباط، وتصريحات فيينا الصادرة عن المجموعة الدولية لدعم سوريا في عام 2015، وبيان جنيف لعام  2012.

فالشروط التي وردت تتعلق كلها بوقف النار ومراقبة وقف النار وعدم التمدد خارج خطوط وقف النار في الساعة المحددة وهي الساعة الثانية عشر ليلا من يوم 36/2/2016م

إن هذه النقاط أعلاه لم تنه النزاع في سوريا وبرأيي لم تشكل حسما للصراع ولا انتصارا حاسما له من وجهة نظر ومصالح الدولة السورية

ومع ذلك فإن مجرد وقف الدمار الشامل للبلد والسكان هو مكسب كبير يمكن أن يبنى عليه .

لماذا الآن؟

لا شك ان مصالح امريكا تتعدى مصالح حلفائها المنخرطين بقوة في الصراع والذين كانوا يؤسسون لمزيد من الإنخراط مثل السعودية ومجموعة الدول الإسلامية . فهؤلاء مجرد عبيد يطيعون امر السيد ويمتثلون لمصالحه وهم يحاربون حربه وليس حربهم أصلا.

وإذا ارادت امريكا وأوروبا أن ترتب علاقاتها بروسيا فإنها كذلك لا تكترث لمصالح قوى المعارضة المسلحة السورية التي تحارب نيابة عن أمريكا وخدمة لمصالحها .فالمصالح الكونية الكبرى يرتبها الكبار ويندفع الأتباع لطاعتها بشكل أو بآخر .

من جهة أخرى ومنذ أن انتقلت روسيا في الصراع الدائر في سوريا من موقف الدعم المادي والسياسي إلى المشاركة الفعلية مع النظام والجيش السوري تأثرت المعادلة الدائرة بشكل جوهري وكأننا دخلنا مرحلة الحرب الباردة لمن يتذكرها ومرحلة تعزيز الإصطفافات الدولية الجديدة من خلال الصراع الدائر في سوريا . ولروسيا دون شك مصالحها التي قد تتخطى مصالح حلفائها .

بمعنى أن الدولة السورية لم تسقط ولم يتحلل جيشها وجهازها الوظيفي ولم تتهاون في موقفها السياسي في الصراع وهذا يختلف عما حصل في أفغانستان والعراق وليبيا  وما يحصل في اليمن ، وحتى عما حصل في تونس ومصر .فلو انتصرت أمريكا في سوريا لأجهزت على كل الوطن العربي وحزب الله وإيران. وإن ظلت سوريا صامدة وانتصرت فإن مسارا جديدا في التاريخ سيبدأ من دمشق.

ليس ما يكتب على الورق وينشر هو كل شيء فهناك :النص هو ما نشرته وزارة الخارجية الأمريكية

البنود التي لم يتم نشرها وهناك البنود التي لا زالت تحت البحث وهناك الممارسة الحية على الأرض وبهذا فقط تكتمل صورة الإتفاق الثنائي بين أمريكا وروسيا الإتحادية بشأن وقف النار في سوريا.