المكونات الجماهيرية للانتفاضة: الشباب نموذجاً *

محمد العبد الله**

 

 مدخل :

 

       لم أشأ التدخل في إعادة صياغة العنوان، لأن هذا الحق تمتلكه وتتصرف به الجهة الداعية لورشة العمل.لكن حرصي على استخدام تعبير”الهبة الشعبية” الباسلة لوصف “انتفاضة الشباب” في الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، لا ينتقص من بطولات أبناء وبنات الشعب الفلسطيني المتجددة منذ بداية شهر تشرين أول/أكتوبر 2015 وهو ماكتبت عنه مقالاً بعد اسبوعين من بدء التحرك الجماهيري في جريدة الأخبار اللبنانية 14 تشرين أول 2015 بعنوان” الهبة الشعبية وشروط التحول إلى انتفاضة”.لأن ما تشهده الضفة الغربية المحتلة والمستباحة من موجة كفاحية حالية، تطلق موجات متلاحقة ،مرهون بانخراط قوى مجتمعية متعددة، تعمل على اتساع الاشتباك الجماهيري في كل المناطق، مما يؤسس لانتقال الكفاح الشعبي المقاوم “الهبة” لمرحلة الانتفاضة الجماهيرية الواسعة.

تتمظهر “الانتفاضة الشبابية” في قيام هذا الجيل  في رسم خريطة الاشتباكات والعمليات الفردية، وفي تداول خطاب سياسي وطني يتم التعبير عنه بالشعارات والهتافات التي برزت في المظاهرات، مما يؤكد على إصرار الكتلة الأساسية  التي حركت _ ومازالت _ الشارع، في القطع مع كل النتائج الكارثية لاتفاق إعلان المبادئ ” اتفاق أوسلو” الذي أنتج سلطة حكم ذاتي محدود، مع تقطيع وتقسيم للمناطق: ” أ 18% من الضفة التابعة إدارياً وأمنياً للسلطة الفلسطينية، ومناطق “ب” 21% التابعة إدارياً للسلطة وأمنياً للاحتلال، و”ج” 61%التابعة إدارياً وأمنياً للاحتلال. إن ماترتب على مسؤولية إدارة المنطقتين (أ وب)، بين المحتل والسلطة، ناهيك عن الاستباحة الدائمة للمنطقة “أ” جعل الانخراط بتنسيق أمني مع الغزاة المحتلين، وتبعية اقتصادية، ومفاوضات/ تنازلات غير محددة بزمن ، تأخذ ماتبقى من وطن ومواطن إلى الهاوية.

أسباب ودوافع  انتفاضة الشباب

 

 1 – ممارسات الغزاة المحتلين:

 

       اجتمعت ممارسات الغزاة “جيش وشرطة باللباس العسكري/الرسمي، ومستعمرين/مستوطنين باللباس المدني، حاملين للسلاح ” في اقتحامات المسجد الأقصى – التي تضاعفت بنسبة 300% في عهد حكومات نتنياهو كما رصدتها إحصائية منشورة للمركز الإعلامى لشئون القدس والأقصى فإن 14064 مستعمراً من الغزاة المحتلين اقتحموا ودنسوا المسجد الأقصى خلال العام 2015 بزيادة قاربت الألف مستعمرعن العام 2014  – وفي الاعتداءات على الكنائس، والأراضي الزراعية ،خاصة، قطع أشجار الزيتون، والمترافقة مع النمو الهائل في بناء المستعمرات التي وصل عددها في مطلع العام 2016 إلى نحو 184 مستوطنة/مستعمرة ، و171 بؤرة استيطانية ، و26 موقع استيطاني و93 مبنى مستولى عليه كليا أو جزئيا، مع زيادة واضحة في عدد المستعمرين اليهود البالغ عددهم حوالي620 ألف مستوطن حسب مصادر العدو. أما نهج المداهمات والاقتحامات والإهانات المستمرة على الحواجز، والزيادة الدائمة في عدد المعتقلين، فقد وفرت على الدوام الأسباب الموجبة للغضب الشعبي الكامن ،الذي ينتظر اللحظة الثورية للتعبير عنه وقد أوجدتها الهبة الشعبية الراهنة . وفي كل تلك الأجواء، جاءت جريمة إحراق عائلة الدوابشة، لتكون صاعق التفجير لانتفاضة جيل الشباب.

 2 – سياسات سلطة الحكم الذاتي

 

      ساهمت المواقف والسياسات التي انتهجتها سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود، في تعاملها مع حكومات العدو،في إسقاط أية رهانات على “انتزاع أرض وبناء سلطة وإقامة دولة” عملت – ومازالت – ماكينات إعلامية وقوى سياسية محلية على تسويقها تحت وهم “الإستقلال” الذي يتطلب تحقيقه، عوامل وشروط ، غير قائمة الآن، ولامجال للتوقف عندها في أوراقنا هذه.

   إن انسداد أفق مسار التسوية/المفاوضات وهشاشة منطق المراهنين بقدرة المفاوضات على انتزاع أية مكاسب من حكومة العدو، في ظل استحقاقات أمنية وبوليسية قمعية تمارسها السلطة ضد المناضلين والمقاومين للمحتلين، ترافقت جميعها مع سياسة اقتصادية تابعة، أدت لزيادة الاحتقان والغليان الشعبي، خاصة، لدى قطاعات الشباب والشابات الذين يبحثون عن العمل الملائم أو الممكن الذين يسعون له ،علماَ، بأن نسبة البطالة في صفوف هذه الفئة العمرية من الشباب تتراوح بين 25% و28 % مع زيادة واضحة في صفوف النساء.أما من استطاع تأمين عمل له/ا فقد تحول إلى رهينة لدى البنوك بعد سحبهم لقروض لايستطيعون سدادها بمداخيلهم/هن المتواضعة. إن ماتحدث به الدكتور “بكر أبو بكر” عضو المجلس الثوري لحركة فتح/السلطة في اللقاء الذي جمعه مع قادة بعض الفصائل ونشطاء من الشباب والشابات حول طاولة مستديرة لمناقشة نتائج الاستطلاع الذي قام به “معهد أوراد” للرأي العام المتخصص بفئة الشباب الفلسطيني ضمن الفئة العمرية (16-35 سنة) الذي نشرت نتائجه قبل فترة،حول الهبة الحالية ونظرة الشباب الفلسطيني لها، يشير إلى وضع هذا الجيل، كما يؤكد “أبو بكر” (كشفت الهبة عن مدى وعي الشباب الفلسطيني للواقع الحالي وللتحديات التي تحيط بنا، كما أن السلطة والأحزاب السياسة فشلت في التوجيه أو صنع السياسات المناسبة على مدار الفترة الماضية، مبينا أن النتائج تظهر عاملين مهمين يمكن الحديث حولهما: الأول هو الرفض للواقع المعاش المرتبط بالغلاء والفرص الاقتصادية وتنامي معدلات الفقر والبطالة في صفوف الشباب وعدم التقدم نحو مستقبل أفضل، والثاني يتعلق بالإحباط من الأداء العام للقيادة السياسية ومن عدم انخراطها بالاحتجاجات والمظاهرات الحالية). وهو ماذهب إليه”عمر شحادة” عضو قيادة الجبهة الشعبية خلال اللقاء بقوله(أن المزاج العام للشباب الفلسطيني في حالة احباط من الواقع الحالي حيث أن أكثر من 80% غير راضين عن هذا الواقع،خاصة، أن جيل الشباب هو أكبر الفئات المكونة للنسيج الفلسطيني مما يعكس المزاج العام الفلسطيني ازاء هذه الاحداث).

جيل الشباب يعيد تصويب البوصلة

 

       في ظل الاحتلال، ومع نهج القمع والقتل والإجلاء الذي يمارسه مع أصحاب الأرض، وفي الترجمات الميدانية لاستحقاقات التنفيذ الفلسطيني لاتفاق أوسلو الكارثي، وتأثير الانقسامات السياسية التي تنوء تحتها جماهير الشعب الفلسطيني في ظل سلطة مستباحة. فجَّر الجيل التي ولد مابعد اتفاق أوسلو بركان الغضب، هؤلاء الذين ولدوا وتربوا في بيئة وطنية واجهت المحتلين، تحت رعاية الآباء والأمهات الذي عاشوا أيام الحلم والدم والرصاص في انتفاضة عام 1987 وانتفاضة عام 2000 . لقد حركت حجارة وسكاكين وطلقات رصاص هذا الجيل، المياه الراكدة، فعبّرت نضالاتهم عن رفضٍ لكل ماهو سائد، لأن الجيل الذي كبر وهو يدفع ثمن سياسات الاحتلال من اعتقال وإهانات على الحواجز ، وعربدة وفاشية قطعان المستوطنين/المستعمرين الذين قاموا بـ “تدفيع الثمن” للشعب الفلسطيني على اصراره بالبقاء متجذراً في أرض وطنه. لم يكتف أبناء وبنات هذا الجيل بالمراقبة والمتابعة، بل انخرطوا في أشكال متنوعة من النشاط الجماعي: الوطني/السياسي وبدرجة أقل، التنظيمي .لم ينتظر الشباب”ذكوراً وإناثاً” أوامر أحد من “القيادات والنخب”، فقط، استجابوا للمشاعر الوطنية ولثقافة مقاومة الغزاة، واندفعوا للشوارع والساحات للمواجهة والاشتباك مع عساكر وحواجز جيش العدو. أشعلوا شرارة الغضب في حارات القدس القديمة ومخيماتها وقراها لتمتد لمناطق أخرى. كان كل واحد منهم/هن، مشروع شهادة.

   شكلت قاعات وساحات الجامعات، المجال الرحب الذي استطاعت فيه تلك الثقافة أن تلم وتجمع أبناء وبنات المخيمات والأحياء الفقيرة، والقرى وبعض المدن – على وجه الخصوص في مناطق “ب وج” الأكثر اضطهاداً من الغزاة، والمهملة من السلطة – وتوحد مواقفهم. كان الكثير منهم /هن خارج الإطارات الحزبية والتنظيمية، وكانت قواعد وكوادر تلك الإطارات تنسق معهم. لكن سرعة الاتصال في ظل الظروف الأمنية القمعية، كانت قد وفرتها شبكات التواصل الاجتماعي، التي اعترف بدورها “نتنياهو” رئيس حكومة العدو “هؤلاء المهاجمين أشعلت غضبهم رسائل على موقع فيسبوك التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي مما يجعل من المستحيل تقريبا التنبوء بمن سيوجه الضربة التالية”.

  تصاعد العمليات الفردية

 

   عبّرت الصور الميدانية التي تناقلتها وسائل الإعلام من ساحات المواجهات مع قوات جيش الغزاة عن وجود كتلة شبابية بارزة، حجمها الأكبر من الفتية والشباب مع وجود ملحوظ للفتيات، يغلب عليها أبناء وبنات الأحياء المهمشة والفقيرة والمخيمات والقرى، الذين شكلوا الخزان الدائم لرفد هذه الكتلة. وإذا كان العدد الأكبر من المشاركين والمشاركات في المواجهات خارج الأطر التنظيمية للفصائل والأحزاب “بعض الدراسات تحدثت عن مانسبته 70% هم من المستقلين تنظيمياً” لكن ذلك يجب أن لايحجب الحقيقة التي تشير إلى مشاركة عدد من أعضاء تلك الأطر في المواجهات وفي تنفيذ العمليات البطولية الفردية. وقد رأى البعض في ذلك التزاماً بقرار تنظيمي داخلي، لكن محللين آخرين، رأوا فيها “اندفاعة وطنية ثورية” لم تنتظر القرار التنظيمي. إن رصد ومتابعة العمليات الفردية “الطعن بالسكين والدعس بالسيارة واستخدام السلاح الناري” في الدراسة المنشورة لمركز القدس لدراسات الشأن “الاسرائيلي” والفلسطيني حول تحليل هذه العمليات والفئة العمرية التي قامت بها، نجد أن هناك” ثلاثة أنماط من تنفيذ العمليات، النمط الأول شعبي، وبات يشكل من العدد الإجمالي 60%، أما النمط الثاني شبه تنظيمي والذي قام به نشطاء من أنصار لفصائل فلسطينية 34 %، والنمط الأخير تنظيمي ويبلغ نحو 6% كما أن الفئة العمرية التي نفذت القسم الأكبر من هذه العمليات 80% تراوحت أعمارها بين 12 و28 عاماً “. أما التقرير الصادر عن جهاز ” الشاباك” في مساء يوم 15 شباط/ فبراير 2016  فقد حدد “أن 71% من منفذي العمليات كانوا دون سن 25 عاماً، بل أن 81% من بين المنفذين “شباب أو شابات” كانوا مابين سن 16 و20 سنة ويشكلون مانسبته 37% من العمليات. كما أن 22 منفذا كانوا دون سن 16 سنة، وأن 159 شاباً قاموا بتنفيذ مانسبته 89% من العمليات، في مقابل تنفيذ 24 فتاة بما نسبته 11% من العمليات”.

 وإذ يسجل للقدس والضفة المحتلتين سبق إشعال شرارة الغضب والمواجهة، فإن قطاع غزة، المحاصر والصامد بوجه سياسة القتل البطيء التي تمارس عليه، قدم عشرات الشهداء والجرحى في مشاركته هبة شعبه وانتفاضة شبابه. كما أن المظاهرات التي شهدتها مدن وبلدات الجزء المحتل عام 1948 من وطننا، قد أكدت على وحدة هذا الشعب في المشاركة بمواجهة المحتلين ،وفي الانخراط بالعملية الكفاحية التي يخوضها باقي أبناء وبنات الشعب في القدس والضفة المحتلتين والقطاع الصامد،ليس بالمظاهرات والاحتجاجات فقط، بل وتنفيذ عمليتين فرديتين بطوليتين بالسلاح الناري قام بهما الشهيدين” مهند الكعبي ونشأت ملحم”. ولم يكن قيام بعض عناصر الأمن بعمليات إطلاق رصاص في أكثر من مكان على جنود الاحتلال في أكثر من مكان، مفاجئاً، بقدر ماجاء ليؤكد انتماء هذا الفلسطيني إلى قضيته الوطنية وليس كما أراد “دايتون” ولادةً لفلسطيني “جديد” مشوه، لايمت لشعبه ولنضاله التحرري بأية صلة.

 خاتمة

 

لا يمكن الحديث عن انتفاضة الشباب بمعزل عن الحالة الجماهيرية المحيطة والحاضنة.وإذا كانت مسيرات تشييع الشهداء والشهيدات قد سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الجماهير المشاركة، فإن انحسار الحالة الجماهيرية الواسعة عن الانخراط المباشر في الهبة، لايعود فقط إلى شدة القمع الإحتلالي الفاشي،بل يمكن قراءته في وظيفة سلطة الحكم الإداري الذاتي في “تبريد” سخونة المواجهات، و”اطفاء” نيران الفعل الكفاحي وعدم امتدادها لمناطق جديدة. وهنا تبرز دعوة السلطة لإدارات الجامعات وشركات الحافلات، وللنواب العرب في الكنيست، من أجل العمل، كل بطريقته، لتهدئة الأوضاع .وهذا مايمكن مشاهدته في انحسار عدد نقاط الاشباكات مع الغزاة مابين الشهر الأول “تشرين الأول/اكتوبر”1328إلى مايقارب 600 في الشهر الثالث وعشرات النقاط في الشهر الخامس.
وهنا لابد من التوقف أمام ماحصل في مدينة الخليل في محاولة لتلمس حقيقة المكونات الجماهيرية ودورها في الهبة الباسلة. لقد أبرز التحالف الواضح مابين أجهزة السلطة الأمنية وقوى السوق الاقتصادية من تجار وسماسرة “الغرفة التجارية” التي طالبت من تلك الأجهزة منع أي مواجهات بين الشباب المنتفض والمحتلين الغزاة في منطقة باب الزاوية، واصرار “الغرفة” على رفض الدعوة للاستجابة للاضراب التجاري العام، طبيعة العلاقة المصلحية مابين قوى السوق الاقتصادية وسلطة “السلام الاقتصادي” و”الحياة مفاوضات”.

إن احجام قوى مجتمعية عن المشاركة في النضال الوطني في موجته الجديدة، يمكن تلمسه في الوظيفة التي قامت بها المنظمات غير الحكومية “الإن جي أوز” المرتبطة والمدعوة من منظمات المجتمع المدني “أوروبية وأمريكية، بشكل أساسي” من تخريب منهجي ،هادئ وهادف، بالهاء الجماهير بهموم اقتصادية واجتماعية بعيداً عن جذر المعاناة : الغزو والاحتلال واستعمار الأرض. وكذلك تشجيع التوجه الإقتصادي/المجتمعي في قطاعات واسعة، لانتهاج نمط استهلاكي لايتلاءم مع الدخل الفردي، مقارنة بوهم الامتلاك والرفاهية في ظل “نِعَمْ” السلام الاقتصادي السرابي.

 إن انخراط كوادر وقواعد القوى السياسية والفصائل الوطنية في المواجهات اليومية، وتنسيقها مع القيادات الشبابية التي فرضت وجودها، وثقافتها ورؤيتها للصراع مع الغزاة، وصياغتها لبرنامج سياسي مقاوم تلتزم به القوى، هو الذي سيطور الهبة الشعبية ويوفر لانتفاضة الشباب كل عوامل الصمود والاستمرار. إن اتفاق الجميع على المشاركة بالهبة الشعبية على أساس هدف وطني،بعيداً عن الحسابات الضيقة الذاتية لكل فصيل،هو الذي سيعيد توسيع الحاضنة الشعبية وتحويلها إلى سياج مجتمعي يحمي الشباب ويتبنى الشهداء ويعيد بناء بيوتهم التي هدمها المحتل.

*ورقة قدمت لورشة عمل حول “الانتفاضة ومآلاتها” دعت إليها ونظمتها : جمعية الصداقة الفلسطينية – الإيرانية في دمشق وحركة فتح الانتفاضة، يوم الجمعة 26 شباط / فبراير 2016

**كاتب فلسطيني