الافتراء على المقاومين منعاً للمقاومة !

ثريا عاصي

ما هو المعيار الذي نُقيّم به عملاً ما في حقل اجتماعي أو سياسي أو ثقافي؟ الكتاب يجسّد نتيجة عمل وبحث وتفكير إلخ … هل يكون الكتاب جيداً، مفيداً أو لا، بناءً على معالجته لموضوع هام أو على ما يحتويه من إبداعات فكرية أو شعرية أو فنية؟ أم لأنّ مؤلّفته امرأة جمـيلة أو لأنّ كاتبـه هو السعودي الولـيد بن طـلال؟!
إنّ المضمون هو الأساس، هذه بديهية، ولكن لا شكّ في أنّه يوجد دائماً خيط يربط بين العمل وفاعله؟ خُذْ إليكَ شخصاً ترعرع في بيئة يمكننا أن نصفها بأنّها جافة قاحلة، كل شيء فيها يكرّر نفسه سنوياً، كان مردّ المتغيّرات في النبات والحيوان والإنسان، موازياً تقريباً للعمر. ليس في هذه البيئة، وسيلة للتعبير عن الأحاسيس والمشاعر، غير الجسم والكلمة. بمعنى آخر لا يُنتظر أن تُنبت هذه البيئة موسيقاراً يترك بعض السمفونيات إرثاً للإنسانية!
ينجم عنه إذن، أنّ هناك علاقة ما بين العمل وفاعله، ربما يكون هذا صحيحاً في موضوع الكتاب، أو السمفونية . ولكن هل يصحّ أيضاً في ميدان العمل الجمعي؟ أو بتعبيرٍ أدقّ، هل أنّ علاقة الفاعل الفرد بعمله هي كمثل علاقة الجماعة بالتظاهرة أو الحركة التي تصدر عنها؟ ما أودّ قوله هنا، بالتحديد، هو هل أنّ الجماعة هي التي تبادر دائماً إلى صياغة موقفها؟ ما هي الظروف التي يجب أن تتوفّر حتى تتمكّن الجماعة من التوصّل إلى الاتفاق على موقف موحَّد؟ ومهما يكن، فالرأي عندي أنّ الفنان أو المفكّر أو الشاعر، هو صاحب المبادرة إلى العمل الذي يُنجزه بمفرده، بالضدّ من الجماعة، أو بكلامٍ آخر، المبادرة تكون في أغلب الأحيان فرديّة، أمّا التنفيذ فيكون فردياً أو جماعياً؟
أكتفي بهذه اللمحة عن الفاعل وظروف الفعل لأنتقل من بعد إلى الفعل نفسه، فهو الأهمّ كوننا نتأثّر به أكثر من تأثّرنا بالفاعل، الذي يستحقّ طبعاً عرفان الجميل أو أن نسخط عليه، بحسب نوعية التأثير. يهمّ السامر مذاق كأس النبيذ أكثر من الدوالي التي أثمرت العناقيد.

أمّا الفعل الذي أنا بصدد مداورته في ذهني، فهو فعل التصدّي لمقاومة الأعداء الذين يتكالبون على الناس، وعلى الأرض في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين واليمن. فما يُدهشني في الواقع، إلى حدّ الذهول، هو سقوط الكثيرين في مصيدة الاحتراب الطائفي والمذهبي، على حساب الفعل، وضرورة الفعل صوناً لبلادهم وضمانة لوجودهم. كأنّ الخلاف على الفاعل يبرّر إلغاء الفعل من أصله.
نسمع ونقرأ ترّهات عن «أتباع المذهب الشيعي»، وعن «التشيّع»، عن «الهلال الشيعي» و«عن الفرس، والصفويين والعلويين والمجوسيين» … من البديهي أنّي لا أحمل مسؤولية هذه الترهات إلا إلى الذين نطقوا بها أو دَبّجوا مقالات فيها، على قنوات الزيت والغاز الخليجية، أو في صحف النفط، حصرياً.
مجمل القول، من وجهة نظري، هو إنّ أهل البلاد، التي أشرتُ إليها أعلاه، بما هي مهدّدة بخطر التلاشي والزوال، هم حيال أسئلة لا مفرّ من التوصّل إلى إجابات صحيحة عنها. ولكن كل ما في الأمر أنّ الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية ـ الإسرائيلية، وظّفت أتباعها، بل أكاد أن أقول، كلاب حراسة مصالحها، أعني آل سعود والعثمانيين الجدد، من أجل حرف أنظار الناس وإلهائها بالمنازعات حول من يحقّ له أن يفعل أو من لا يحق له ذلك، بدل أن يتوافق هؤلاء الناس على طبيعة ونوعيّة الفعل المطلوب من الجميع، وكيف يمكن إنجازه؟
لا بدّ من الاعتراف بأنّنا أمام مفارقة مُثيرة للرّيبة. لماذا لا يحقّ لأهل الأراضي اللبنانية التي احتلّها الإسرائيليون أن يقاوموا الأخيرين بقصد تحرير أرضهم، بحجّة أنّ المقاومين هم في غالبيتهم من أتباع المذهب الإسلامي الشيعي؟ لا يهمّ من أخذ المبادرة إلى المقاومة، المقاومون أم حلفاؤهم في سوريا أو إيران، فهذا يدلّ على أنّ المستعمرين الإسرائيليّين يمثّلون عدوّاً مشتركاً بين المقاومين اللبنانيين وحلفائهم خارج لبنان. هذا هو المُعطى الرئيسي.
أثبتتْ سيرورة المقاومة ضدّ المستعمر الإسرائيلي أنّ وجود هذا الأخير ومواظبته على سلوك نهج الاستعمار الاستيطاني يجعل من التصدّي لمقاومته وردعه شرطاً لازماً وضروريّاً مفروضاً على السكان الأصليين إن هم أردوا أن يعيشوا على أرضهم بكرامة. اللهمَّ إلا إذا كان الفلسطينيون الرّازحون تحت وطأة احتلال المستعمرين الإسرائيليين ينعمون بعيشة كريمة في بلادهم. هذه مسألة حياتية ووجودية، وليست على الإطلاق مسألة دينيّة أو مذهبيّة أو عرقيّة. كما أنّ دخول المقاومين اللبنانيين في حلف يضمّ السوريّين والإيرانيّـين ضدّ المستعمرين الإسرائيليين، لا يُبطل فعل المقاومة ولا يُجيز، في مختلف الأحوال، الانقياد لطلبات آل سعود ولمشيخـات الخليج بالصلح مع المستعمرين والاستقواء بها على (الفاعل)، المقاومة، فـهؤلاء أجهضوا في الماضي مقاومة الفلسطينيّين وهم مخوّلون الآن إبطال مقاومة العروبيّين!

:::::

“الديار”