التدين الاستبدادي والاستبداد السياسي: أي حدود فاصلة؟

ريتا فرج

صادر الاستبداد السياسي في العالم العربي المؤسسات التقليدية في الإسلام، وعمل على اخضاع الجمهور لمنظومة سياسية إذعانية، آلت بفعل التراكم التاريخي والفشل الكارثي المهلك في بناء مقومات الدولة إلى ظهور أنماط متطرفة من التدين لدى بعض الجماعات الدينية، فاتخذت مسارات تطورية أدت إلى التآكل التدريجي لـلإسلام التراحمي المفتوح على الذات والآخر.
ساهمت الأنظمة العربية الطغيانية في توطيد «التدين الاستبدادي» الذي أفصح عن طبيعته الدينية القهرية، وكشف عن ظاهرتين خطرتين: انتشار الأمية الثقافية الدينية بين المؤمنين، وعزلة المذاهب الإسلامية بعضها عن بعض. باكراً، نبهنا رائد النهضة العربية عبد الرحمن الكواكبي من أن «الاستبداد أصل كل فساد؛ إذ يضغط على العقل فيفسده، ويلعب بالدين فيفسده، ويغالب المجد فيفسده، ويقيم مكانه التمجد».

العنف الديني والدفاع عن الهوية
ينم التدين الاستبدادي عن ردود فعل تلوذ بها الجماعات الدينية هرباً من اكراهات الحياة اليومية، ويمكن عدّه اجابة عن القلق إزاء كل ما يحيط بها، فحين لا تستجيب السلطات السياسية لاحتياجات الفئات الاجتماعية، تتشكل أنساق من العنف على رأسها العنف الديني، فينشأ شعور عام بأن المقدس هو الحصن الوحيد للتصدي للواقع المؤلم. يؤطر العنف الديني نوعاً من أنواع دفاعات الهوية، فيصبح تأكيد الهوية بالسيطرة والقوة شكلاً من أشكال الدفاع عن الذات الدينية: ذات الجماعة الاجتماعية المقهورة، وهو يُظهر نفسه ضمن ظواهر معقدة من بينها حروب الأصوليات والأمراض الدينية وتنامي النزعة الانعزالية.
رأى المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد أن «المستبد احتاج إلى الدين ليداري عورات استبداده؛ فأمّم مؤسسات التقديس لتهتف بعدله واستقامته وحكمته وشجاعته، وتصدر الفتوى لتبرير مواقفه وقراراته؛ فلم يعد أمام المحتج والمعترض إلاّ أن يلجأ إلى السلاح نفسه. هكذا ضاع الإيمان لمصلحة الحركية، ومع ضعف الإيمان قويَ التطرف وصار التدين شكلياً (ازدحام المساجد مع كثرتها، اطالة اللحى وتقصير الجلابيب وارتداء الفتيات الحجاب فالنقاب). حين يصير الدين شكلياً يصبح هو المحدد الوحيد للهوية، وهنا يتبلور مفهومٌ للآخر فضفاض يساوي بين الأجنبي (الغربي) وابن الوطن (المسيحي والعلماني)، فيضع الكل في خانة الأعداء الذين يصبح قتلهم واجباً».
تبدو العلاقة بين الاستبداد السياسي والتدين الاستبدادي علاقة عضوية تبادلية، وتبرهن النتيجة الأولية على أن أشكال التدين العنيف نتاج الآثار التدميرية لاستبداد السلطان السياسي الذي يريد خلق قاعدة دينية تسلطية تعطيه شرعية البقاء وتأبيد حضوره في الحكم عبر التوريث السياسي. من هنا يمكن فهم شعار «قائدنا إلى الأبد» المماثل للأبد الديني/ المقدس الثابت وغير المتحول؛ أي أن مجاله القدسي/ السياسي غدا من المحرمات. والحال، جرى تشكيل شخصية عربية تستسيغ الخضوع والهروب من الواقع؛ وقد لعبت السياسة في الأنظمة الجمهورية والملكية دوراً رئيساً في تنمية هذه الشخصية، ليس على المستوى الإيديولوجي/ الاكراهي فحسب، وإنما من خلال قولبة المجتمعات بدءاً من المناهج التعليمية مروراً بالخطاب الديني الرسمي وصولاً إلى قهر الجماعات بهدر كرامتها.
يحمل «التدين الاستبدادي» رموزه من خلال السلوكيات القهرية التالية: الإفراط في أداء الواجبات الدينية، الانسحاب من الحياة، اللجوء إلى أنماط متطرفة من التدين، تفسير الهزائم السياسية كقدر حتمي، سيادة الوعي الأسطوري الغيبي، شيوع ثقافة الخضوع والطاعة العمياء لرجال الدين ـ ما يعني الخضوع والطاعة العمياء للسلطة السياسية الاستبدادية، أي سيطرة الواحد على المتعدد – تنامي الشعور بالغبن والمظلومية، توتر العلاقة الإنسانية مع الآخر المختلف مذهبياً ودينياً بوصفه آخراً جحيمياً خارجا على الدين الحق، وتكاثف صورة الإله القهار المكفهر المنتقم للجماعة من الجماعات الدينية الأخرى.

الاستبداد في تراثنا
لا يرتبط التدين الاستبدادي بالعوامل السياسية فقط، فالتراث يحمل صورا دينية استبدادية. وفي هذا السياق خلص المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي إلى أن «المنبع العميق الذي ينهل منه الاستبداد في تراثنا، هو الرؤية الكونية في الإلهيات التقليدية؛ المبنية على مفاهيم العبودية، وترسيخها للتصور الرأسي للعالم، الذي يؤسّس لشبكة من مقولات التركيع والخضوع، وتكريس التسلط في المجتمع، إذ تكون العلاقات في المجتمع علاقات عمودية، ليست أفقية، بمعنى أن تصور العلاقة بين الله والانسان دائماً يتخذ نمطاً عمودياً، يكون فيه الإنسان خانعاً ذليلاً، فيما يبدو الإله قهّاراً متكبراً؛ يبطش ويعذّب وينتقم (…) وحين تكون صورة الله في اللاهوت التقليدي هي صورة السيد المتعالي المخيف المرعب، المتمرّس في البطش والتنكيل والعقاب والعذاب، عندها يمثّل الخوفُ أرضيةً خصبة لنشأة وتفشي الاستبداد، ويجد تعبيره الاجتماعي في: الخوف من الحرية، الخوف من الفردية، الخوف من التفكير النقدي، الخوف من التفكير العقلاني، الخوف من الحداثة، الخوف من الاختلاف، الخوف من الخطأ، ذلك أن الاستبداد يبحث دائماً عن الإجماع الشعبي، ويخشى التمايزات والمغايرة». ويركز الرفاعي على «النزعة الإنسانية في الدين» كسبيل لتكريس التسامح وتجفيف منابع الكراهية في ثقافتنا معتبراً أن معظم الإلهيات الموروثة ترتكز على استبعاد ونفي الآخر، وتكرس مركزية لاهوتية مطلقة (…) إن حقلاً عريضاً في هذه الإلهيات لا محل فيه للحرية الدينية، او افساح مجال للآخر ومساواته بسواه من الرعايا على أساس مفهوم المواطنة» (راجع: عبد الجبار الرفاعي، إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، مركز دراسة فلسفة الدين (بغداد)؛ دار التنوير للطباعة والنشر (بيروت)، الطبعة الثانية، 2013).

الدين التسلطي والدين الإنساني
ميّز الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني إريك فروم (1900-1980) بين «الدين التسلطي» و «الدين الإنساني»؛ والعنصر الجوهري في الدين التسلطي ـ عنده – هو الاستسلام لقوة تعلو على الإنسان، والفضيلة الأساسية في هذا النمط من الدين هي الطاعة، والخطيئة الكبرى هي العصيان. وكما يتصور الإله على أنه شامل القدرة، محيط علماً بكل شيء، فكذلك يتصور الإنسان على أنه عاجز، تافه الشأن، ولا يشعر بالقوة إلا بمقدار ما يكتسبه من الإله ومعونته (…) والدين التسلطي العلماني (أو الدنيوي) يتبع هذا المبدأ نفسه، فهنا يصبح الفوهرر أو «أبو الشعب» أو الدولة أو الجنس أو الوطن الاشتراكي موضوعاً للعبادة، وتصبح حياة الفرد تافهة. أما الدين الإنساني فيدور حول الإنسان وقوته، فعلى الإنسان أن ينمي قدرة عقله ليَفْهَم نفسه، وعلاقته بغيره من الناس، وموضعه في الكون. كما ينبغي عليه أن يعرف الحقيقة في ما يتعلق بحدوده أو امكاناته على السواء. وعليه أن ينمي قدرته على حب الآخرين كما يحب نفسه، وأن يخوض تجربة التضامن مع الكائنات الحية جميعاً». (راجع: إريك فروم، الدين والتحليل النفسي، ترجمة: فؤاد كامل).
إن الروابط بين التدين الاستبدادي والاستبداد السياسي متداخلة وشائكة. تهدف هذه المقالة إلى ملامستها وفهم تأثيرها في المنظومة الإيمانية والحياتية والسياسية. تسمح لنا الأفكار التي طرحها الباحثون الذين تمت الاستعانة بهم بتكوين إطار أولي لادراك هذا التشابك بين الاستبداد السياسي/ السلطوي واستبداد النصوص الدينية. كلاهما يقطعان العلاقة بالوجود الإنساني الحي والدينامي ويرفضان الحضور الخصب للآخر السياسي والديني. هذه السلطوية الدينية والسياسية خلقت أشكالاً هستيرية من أشكال التدين امتزجت بالعقل الغيبي والانتظاري، وتمّ التعبير عنها بصورٍ عنفية/ دموية، مادية ورمزية.

:::::

“السفير”