«داعش »الوهميّة و«داعش» الحقيقيّة

ثريا عاصي

سمعنا عن عدّة أحلاف ائتلف أعضاؤها من أجل مقاومة «داعش»، ولكن في الوقت نفسه نجد أنّ خطوط المواجهة مع «داعش» تكاد تكون ثابتة إلا في مواقع بعينها طرأت فيها متغيّرات، أغلب الظنّ، استجابة لرغبة الولايات المتحدة الأميركية أو بموافقتها على تعديل تلك الخطوط . ما يعزّز الاعتقاد بأنّ الولايات المتحدة الأميركية جاءت إلى العراق وسورية بقصد تقسيم هذين البلدين إلى كيانات عرقيّة أو طائفيّة، على صورة الكيان الإسرائيلي الاستعماري العنصري . يبدو في هذا السياق أنّ «داعش» تمنح «الجنسية في دولتها» لكل شخص داخل في الدعوة يُعطي البيعة «للخليفة».
لا زلت أذكر أنّ جو بايدن نائب الرئيس الأميركي، ألقى محاضرة قال فيها إنّ أصدقاء الولايات المتحدة الأميركية كمثل تركيا والدول الخليجية، وفي مقدّمها مملكة آل سعود، ساهموا أو بالأحرى شجّعوا على تشكيل «داعش»، ثمّ قدموا لها الدعم. وفي السياق نفسه، أثارت زيارة السناتور الأميركي ماكين شمالي سورية تساؤلات كثيرة، ولا سيّما أنّ وسائل الإعلام تناقلت صوراً يظهر فيها مع عسكريّين في ما يُسمّى الجيش الحر إلى جانب رجل قيل لنا فيما بعد إنّه «الخليفة» الداعشي. تجمّع «قادة الثورة» في سورية حول السناتور الأميركي ماكين !
ارتجت هذه الصور أمامي الماضي عندما كان الحاكم الأميركي بريمر يرأس مجلس الحكم في العراق مُحاطاً بـ «ثوّار العراق»، رجال دين وأعضاء في حزبيّ الدعوة الشيعي والإسلامي السنّي الإخواني، إلى جانب متعاونين مع الأميركيين، كانوا في المنفى وجاؤوا مع قوات الغزو، محشوّين في دباباتها (embedded).
هذا من ناحية، أمّا من ناحيةٍ ثانية فلدي انطباع أنّ دخول السناتور الأميركي ماكين اللاشرعي إلى الأراضي السوريّة يندرج في إطار الردّ على مراوغة الحكومة السورية على الشروط التي تقدّم بها لهذه الأخيرة الوزير الأميركي كولن باول في سنة 2003، غداة احتلال العراق .

يحسن القول أيضاً في سياق هذه المقاربة، إنّ الأميركيّين، نجحوا نجاحاً باهراً في بلاد العرب، إعلامياً ودعائياً، في تطبيق نظريّتهم التي تقضي في البدء بأن يتخيّلوا «الحقيقة» التي تُلائم الخطة التي رسموها، ثم يعملون في وقت لاحق على إيهام الناس بأنّ هذه هي «الحقيقة» في الواقع. وبالتالي، يتوجّب أن تُؤخذ بالحسبان بما هي «حقيقة» لا نقاش فيها. هكذا ضلّ الأعراب في »حقائق مُتخيّلة ووهميّة».
منذ 9 حزيران 2014، يوم دخلت جماعات «داعش» مدينة الموصل العراقية وظهرت بما هي قوة عسكرية لا يُستهان بها في الميدان العراقي ـ السوري، وأنا أتابع أخبارها في وسائل الإعلام، ودافعي إلى ذلك متناقضات عسكرية وجيوسياسية . من أين الإمداد بالعديد والعدد؟ اللاعبون جميعاً، تركيا، الأردن، آل سعود، الخليجيون، الأميركيون، الفرنسيون، البريطانيون، السعوديون واللبنانيون، فرضوا «حقيقة» مُتخيّلة مفادها أنّ «داعش» كائنات عجيبة خرجت من حيث لا يدري أحد . يُقسم أمامنا هؤلاء اللاعبون جميعاً بأنّهم ضدّ «داعش»، ويعدوننا بأنّهم سيتمكّنون في نهاية المطاف من هزيمتها.
هذه «الحقيقة» هي بالتأكيد ملفّقة. هناك دلائل كثيرة على أنّ أجهزة الأمن والمخابرات التركية هي شريكة في «داعش» 10% من عناصر «داعش» هم، بحسب بعض المحلّلين، عساكر وناشطون من الجنسيّة التركية . لا يتميّز الجيش العراقي عن نظيره التركي في هذا المجال . من المعروف أنّ الولايات المتحدة الأميركية أعادت تشكيل هذا الجيش بعد أن حلّته، وأشرفت على تدريبه وتجهيزه ماديّاً وعقائديّاً ونفسيّاً . ولكن 45 ألفاً من جنوده كانوا يتّخذون مواقع لهم في محافطات نينوى والأنبار وصلاح الدين (الموصل وفي محاذاة الحدود السورية)، انضمّوا دفعة واحدة، أو بالأحرى تحوّلوا إلى «داعش» في سيرورة تشبه من وجهة نظري الانفصال أكثر من الانشقاق .
ما أودّ قوله هو أنّ في «ظاهرة داعش» جملة من العناصر التي تدعونا إلى التوقّف عندها وإلى أن نمحّصها، لغرابة تلازمها توقيتاً وجغرافياً : تواجد 45 ألف جندي من الجيش العراقي الجديد، من لون طائفي واحد، معاً في منطقة واحدة . سيطرة «داعش» على الموصل في 9 حزيران 2014 من دون مقاومة، وضع اليد على مبالغ كبيرة من الدولارات كانت يا للمصادفة في المصرف المركزي في الموصل، تمدّد «داعش» السريع في محافظتي نينوى والأنبار وسط أنباء عن انهيارات دفاعات الجيش العراقي الجديد. استخراج (300) ألف برميل يومياً من النفط العراقي. لم نسمع أنّه حدث مثلها أثناء الحرب على إيران. وصول دفعات من الجهاديين بإشراف الأجهزة الأمنية التركية وانضمامها إلى «داعش» واحتلالها مدينة الرقة السورية وكامل المحافظة. استخراج (225000) برميل من النفط السوري يومياً. تصدير «داعش» النفط، عبر كردستان البرزاني إلى تركيا …
هذا غيضٌ من فيضٍ . إذ يجب أن نُضيف إلى هذه الجردة الأموال التي تتلقّاها «داعش» على شكل هِبات من جوّادي آل سعود والخليجيين، إلى جانب حملات التحريض والتجييش حضّاً على الجهاد في سورية. ولكن الأكثر دلالة، بحسب رأيي، هو حرص الولايات المتحدة الأميركية على حماية المناطق التي تقع تحت سيطرة «داعش»، كما لو أنّ حدود هذه المناطق صارت بحكم الأمر الواقع .
استناداً إليه، يبدو من المرجّح أنّ الولايات المتحدة الأميركية وافقت مبدئياً على دولة «سنّية» في شمال شرقي العراق، وعلى دولة كردية للبرزاني في الشمال، وعلى دولة «شيعية» في الجنوب . تبقى مسألة الحكم وعلاقات هذه الدول فيما بينها، وعلاقتها بالولايات المتحدة الأميركية وبحلفائها وأتباعها! إذ ليس مستبعداً أن نكتشف في المستقبل القريب الحقيقة «الحقيقيّة» لـ «داعش»، ولا سيّما أنّ كبار قادتها «بعثيّون قدامى»، وأنّ الذين انضووا فيها، «أفغان عرب» وعسكريّون عراقيون كانوا في الجيش العراقي الذي حلّه الحاكم الأميركي، وأتباع الطريقة النقشبندية، وزعماء عشائر سنّية أزعجتهم السياسة التي سار عليها السيد نوري المالكي وصحبه، منذ حلول بريمر حاكماً أميركياً وحتى ظهور الخليفة الداعشي !
خلاصة القول وقصاراه أنّ الأميركيين هم في الواقع «المصمّمون، أو بالأحرى المشرفون التنفيذيون على ولادة «داعش» على مكوّنات الجيش العراقي المنحلّ وعلى حطام الدولة العراقية». (عاصفة على الشرق الأوسط الكبير ـ ميشال رانبو).

:::::

“الديار”