كرد سوريا والكيان الصهيوني: تشابه البداية والتوظيف واختلاف المصير

عادل سمارة

مدهش بل مثير للأسى ذلك الانبهار من القشرة الكردية بالكيان الصهيوني ومن ثم تقليد اساليب الكيان وطبعا الاعتماد على القوى الخارجية وخاصة أمريكا. ولا اقصد هنا العائلة الإقطاعية في كردستان العراق بل ايضا السوريين الأكراد.

فكما ذكرت اكثر من مرة، يختلف اكراد سوريا عن اكراد العراق وتركيا وإيران لأنهم ليسوا اصحاب الأرض التي يعيشون عليها وهنا اقصد بالمعنى العام وليس لأنه لا يملك احدا كأفراد املاكا خاصة، بمعنى أنهم اتوا كلاجئين بعد ان شغلهم الترك لذبح الأرمن 1915 ومن ثم ذبحهم الترك!!! (  Watch “وثائقي الميادين – كايانه.. حكاية الأرمن في الأناضول – 2015-04-29” on YouTube – https://youtu.be/v-mSwjnJuX0 )

أما النفاق الدولي فلم يعاقب تركيا بعد. لا بل إن كتب التاريخ في التي تعلمناها في فترة الإردن في الضفة الغربية لم تذكر قط مذبحة الأرمن!!! هذا مع ان تركيا استعمرت العرب 400 سنة واقتطعت اجزاء كبيرة من سوريا!!!

 وعليه، فالمطالبة بحقوق المواطنة صحيحة ولكن الانفصال بها هو تكرار للنموذج الصهيوني خاصة وأن الكرد ليسوا الأكثريةفي نفس المنطقة التي ينفصلون بها على الأقل جغرافيا. ولا شك أن العرب والاشوريين هناك حتى من ايدوا الانفصال ليسوا في وضع يسمح لهم بالاختيار وربما ينظرون إلى المشروع كمهزلة او مسرحية  مؤقتة العرض.

من جهة ثانية استمد هؤلاء القوة من القدرة التسليحية التي أُنعم عليهم بها، مما سمح لهم بتحقيق انتصارات وتوسيع الجغرافيا التي يحتلونها، وهذا مشابه تماما للكيان الصهيوني الذي تم ولا يزال تسليحه حتى الأسنان.

واستمد هؤلاء قوة من تأييد روسيا لهم بغض النظر عن ذهاب التأييد الروسي حد الانفصال أم لا. روسيا هنا تهدف ضرب الأتراك وإلى حد ما إيران وتريد لها إصبعا في هذا الكيان الجديد كما فعل ستالين باعترافه بالكيان الصهيوني حيث تخيله دولة اشرتراكية (لهذا حديث آخر). ولا ننسى أنه ليس شرطا ان تتطابق مواقف روسيا مع سوريا في كل شيء. والموقف الروسي ربما مدفوع بالمستقبل البعيد، بمعنى انه إذا ما تكونت ذات زمن دولة كردية كبيرة فلا بد أن تكون علاقتها معها جيدة. أي ان هذا استثمار مستقبلي. ولكن، إذا تمكنت الدولة السورية من وقف هذا الانفصال، فروسيا لن تكون نادمة لا سيما أنها سجلت موقفا لزمن قادم ما.

واستمد الانفصاليون تحريضا إيديولوجيا من الحركات التروتسكية التي تعادي العرب بالمطلق وترتبط بعلاقات وثيقة مع المافظين الجدد والكيان الصهيوني.

زكذلك استمدوا الدعم من اليسار الألماني وخاصة حزب دبلنكة والذي ينشط لتطبيع الفلسطينيين لصالح الكيان الصهيوني بل وتطبيع كل العرب وبإسم المناضلة الشيوعية السابقة روزا لكسمبورغ.

ولا شك ان يسارا من طراز حواتمة يؤيد الانفصال هذا. وفي الحقيقة ما اكثر الفلسطينيين من يمين ويسار ممن احتضنتهم سوريا وقلبوا لها ظهر المجن.

هذا الحديث الواضح عن تشابه هؤلاء الانفصاليين مع الكيان الصهيوني يربك ويزعج كثير ممن يعالجوا هذه المسألة، وربما لأنهم يفضلون أن يتقيد الكاتب بالطرح الدبلوماسي للدولة السورية. وهذا موقف مرفوض لأن الكاتب الحر لا يقيد نفسه بقيود الدبلوماسية أو الدول.

إلى جانب هذا هناك المستوى الانتهازي وغير الديمقراطي لهذا الانفصال. وهو ما ذكره احد ممثلي الانفصاليين الكرد في اوروبا حين قال: “هذه فرصة مؤاتية” (نسيت اسمه حيث قال هذا لقناتي الميادين وروسيا اليوم).

ومن جهة ثانية، اذا كان هؤلاء صادقين بانهم يريدون دمقرطة سوريا، فلماذا لم يبقوا متحالفين مع تيار قمح بانتظار انتهاء الأزمة وذهاب سوريا إلى انتخابات ودستور.

قد يربك هذا التحليل تصريح امريكا بأنها لا تؤيد الانفصال. وأعتقد أنها على اتفاق سري معهم لأنها هي التيتحميهم. ليس صحيحا ان امريكا ضد إعلان الانفصال بقيادة الأكراد وتبعية البقية من عرب وآشوريين…الخ. فأمريكا هي التي غطت المقاتلين الأتراك جوا ضد داعش. وقد اصبح واضحا دور سلاح جو دولة عظمى إذا حاول الشغل الجاد وذلك من تجربة سلاح الجو الروسي في سوريا، ناهيك عن دعم الجيش السوري لأكراد سوريا.

وبالطبع  لافت ايضا أن الدعاية والإخراج الإعلامي للمقاتلين والمقاتلات الأكراد حيث أظهرهم كاسطورة، ولا شك ان هذا كان بهدف استثماره سياسيا الآن.

 امريكا تهدف تقسيم سوريا للعديد من الدول، وحين تتأكد من إمكانية ذلك سوف تضعط على تركيا بالصمت كما فعلت معها في حالة كردستان العراق الإقليم الذي تحول إلى ميدان للكيان الصهيوني وسرقة نفط العراق وسوريا بالتشارك مع داعش وبيعه عبر تركيا للكيان وعدم إنفاق شيء على المواطنين  هناك!

بل ان امريكا مع تقسيم كل الوطن العربي وحتى السعودية.  لكنها لا تعلن كامل موقفها في كل مسألة  كي ترى كيف ستسير الأمور .

وهذا يفتح على ما يلي: هل سيبقى هذا التاييد والدعم لهؤلاء الانفصاليين؟

وهنا يختلف مصيرهم عن مصير الكيان الصهيوني الذي يحاولون التمتع بما تمتع به. وأعتقد ان مأساتهم تكمن في الدعم الزلق الذي يحظون به، حيث يمكن للدول الكبرى ان تعتبرهم ذات وقت زيتا لعجلات الدبابات الدبلوماسية لا أكثر. وحبذا لو فهموا أن الولايات المتحدة والغرب ساومت السود في جنوب افريقيا على اهميتها لكنهم لا يساومون على الكيان الصهيوني لأنه خاص جدا.

هنا اتذكر ملحنة جلجامش:

“إلى أين تمضي يا جلجامش؟

الحياة التي تبحث عنها لن تجدها

فالآلهة عندما خلقت البشر ،

جعلت الموت لهم نصيبا ،

وحبست في أيديها الحياة.

(اللوح الثالث من ملحمة جلجامش)