الانتفاضة…وما قاله بن غوريون لناحوم غولدمان

عبداللطيف مهنا

لم تك بالصدفة أن يودِّع نتنياهو نائب الرئيس الأميركي بايدن ويستقبل المبعوث الفرنسي بيير فيمو بالاعلان عن مصادرة 2300 دونما من محيط مدينة اريحا المحتلة. كان لافتاً بحق تعمُّد التأكيد على أن الاعلان التهويدي هذا قد أُتخذ في اليوم الثاني والأخير لزيارة بايدن لفلسطين المحتلة، واليوم الأول لوصول فيمو اليها، ثم لاتجد وزارة خارجية الكيان الصهيوني ما ترحِّب به بضيفها الأخير، القادم لمجرّد اجراء محادثات ترويجية “لإعادة اطلاق المفاوضات”، سوى اعرابها عن انها “تجد صعوبةً في فهم منطق مبادرة السلام الفرنسية”.
هذه الأريحية النتنياهوية لا تستدعي عجباً ولا من غرابة في مثلها، لأن المنظومة الصهيونية الاستعمارية بالمجمل تقوم على التهويد، وهى إذ تستند ، ومنذ أن أُختلقت، على البنوة والرعاية والحماية والدعم الغربي اللامحدود، فكل المبادرات وسائر المناورات والمساعي الغربية غير الحميدة، وعلى اختلاف اشكالها واطوارها، وبغض النظر عن بعض المعارضة اللفظية المنافقة لما يدعى “الاستيطان”، تأتي كلها لضمان وجود واستمرارية هذه المنظومة، أو كيانها المفتعل الهش مهما ضخَّمت جبروته ومكنته في القلب من المنطقة التي تلفظه، وتسعى لفرضه وتثبيته عنوةً فيها…لذا بات خطر الانتفاضة المتواصلة الآن هو بمثابة الأمر اليومي عندهم.
لكنما ما لايكفي وصفه بالمستغرب، وحتى بالعجب العجاب، هو أن يتوازى هذا مع تعهُّد متلفز من رئيس سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود تحت الاحتلال في رام الله بمنع تطوُّر الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الراهنة، هذا المتسارعة ارهاصاته باتجاه استخدام كافة المتاح من اشكال المقاومة وادواتها بلا استثناء بما فيها العصيان المدني، وحرصه على توديع بايدن والترحيب بفيمو بإعادة اشهار عقيدته التليدة: “القتال العسكري لن نقبله ولن نسمح به”. وإذ هو هنا يكرر معهود عدم قبوله ومشهود عدم سماحه، يطرح أيضاً ذات بديله الذي لايتبدَّل عنده، أو يكشف عن ما لم يستره يوماً، وهو أنه يدخل في حوار مباشر مع كل “الاطياف الإسرائيلية” بهدف “اقناعهم بالحق الفلسطيني في اطار النضال السياسي”!!!
الحوار الأوسلوستاني في سياق النضال التسووي السياسي هذا، أو الجاري منه راهناً، سبق وأن اشارت اليه مؤخراً صحيفة “هآرتس” عندما تحدثت عن مفاوضات سرِّية بدأت بين السلطة والاحتلال الشهر المنصرم وتتمحور حول إعادة احياء اوسلو امنياً، عبر إعادة تدرُّجية لسيطرة اجهزة السلطة الأمنية على ما تسمى اوسلوياً بالمنطقة “a”، أو ما يقارب خمس الضفة، المشتمل على مدن وتجمُّعات سكانية كبيرة خاضعة نظرياً لها، بمعنى تلزيمها المباشر بقمع الانتفاضة نيابة عن الاحتلال، على أن يتم البدء برام الله واريحا، وفي حالة قيام السلطة بالمهمة المطلوبة بجدارة، يتم التوسُّع في الخطة بتوسيع سيطرتها على مدن وتجمعات أخرى وهكذا، ولكن مع ابقاء سيف التدخُّل الأمني الصهيوني مشرَّعاً في الحالات التي دعيت ب”القنبلة الموقوتة” في هذه المناطق التي سيسمح للسلطة بالسيطرة الأمنية عليها… لاحقاً وضع رئيس اركان جيش الاحتلال الجنرال ايزنكوت النقاط على حروف ما نقلته “هآرتس” حينما كشف عن أن حوارية النضال السياسي الأوسلوي العتيدة لاتتعدى “اتصالات” يجريها الجنرال يوآف مردخاي “في اطار التنسيق الأمني الأسرائيلي الفلسطيني، ولا يدور الحديث عن عملية سياسية يديرها الجيش”…وإذ حذَّر ايزنكوت بأن “انهيار السلطة لايصب في صالح اسرائيل”، اوضح أن توسيع صلاحياتها الأمنية لن يحول دون أن يدخل جيشه مناطقها وقتما يشاء، “وإذا كان هناك حاجة أن يدخلها ثماني مرات في اليوم سيقوم بذلك”…بقى أن نقول أن خطة مردخاي هذه، أو اتصالاته، تجري باطلاع من الاميركيين عبر منسِّقهم الأمني الجنرال بيرد رودشهايم، وهدفها هو “منع المس بالتنسيق الأمني”، و”تثبيت الوضع الميداني، و”تقليل الاحتكاك” بالمنتفضين، أو توكيل أمر مواجهتهم لاجهزة السلطة!!!
ما تقدَّم يعني امراً واحداً وهو أن الصهاينة قد فهموا الانتفاضة الحالية…فهموها ربما اكثر من كثير النخب الفلسطينية ناهيك عن العربية. وعندما نقول النخب، فنحن بالطبع لا نتحدث هنا عن الأوسلويين أو سائر التسووين، أو هؤلاء الذين ينطبق عليهم المثل القائل “فالج لاتعالج”… لقد فهموها اعلان محتوم عن استحالة تعايش بين المُحتلين ومن اُحتلت ارضهم، فادركوا سر استمراريتها، وبالتالي مدى خطورتها ومصيريتها على وجودهم برمته. وإذ أقروا بعجزهم عن ايقافها، ودب الذعر في تجمُّعهم الاستعماري، اختلفت اجتهاداتهم حول سبل مواجهتها، لكنهم لم يختلفوا لا على مواصلة التهويد ولا على متابعة التنكيل والبطش بشعب اعزل مستفرد به. في هذا يقول قائلهم وهو ايتان هابر في صحيفة “اسرائيل اليوم” المقرَّبة من نتنياهو: إن “الجديد في هذه الانتفاضة، خلافاً للانتفاضتين الأولى والثانية، بأن هذه المرة ليس لهذا الأمر نهاية. ابناء الأولاد الفلسطينيين الحاليين سيكونون جزءاً من الانتفاضات التالية أيضاً، الأطفال الصغار اليوم هم المقاتلون غداً…ليس لدى الشعب الفلسطيني مال، ليس له طعام، ولكن لديهم اناس كالرمل الذي على شاطىء البحر، قد نكون نستخف بهم، ولكنهم لا يستخفون بنا”.
…يروي حاييم غولدمان أن ديفيد بن غوريون قد اسرَّ له ذات مرة، “لو كنت عربياً ما كنت لابرم معاهدة سلام مع اسرائيل، وهذا أمر طبيعي…لقد اخذنا ارضهم”…