البندقيّة والأزعر

ثريا عاصي

من البديهي أن المسألة الوطنية سواء في سورية والعراق ولبنان، وفي غيرها من البلدان التي يصنفها في هذا الزمان، بعض الزعماء إعتباطاً أو عَسْفاً، تحت عنوان «العالم العربي والإسلامي»، أن هذه المسألة الوطنية لا علاقة لها بالدين البتة . اللافت للنظر في الواقع هو أن تأثير الدين أو الرجوع إليه تضاءل كثيراً في المجتمعات في أغلبية بلاد العالم، بالضد من المجتمعات العربية ومن المجتمع الإستعماري الإستيطاني الإسرائيلي في فلسطين أيضاً . الرأي عندي هو ان المستعمرين دسوا العدوى «الدينية» في المجتمعات العربية وأن هذه الأخيرة فاقدة للمناعة، رخوة، عاجزة عن التوافق على خطة عمل وعن الفعل. إذا أردت أن تضر بأحد إحقنه جرثومة لا يعرف كفاحها أو أعطه آلة لم يتعلم طريقة استخدامها أو أرسل إليه إماماً غشاشاً أو معلماً جاهلاً أو حاكماً غشيماً، أو ضع في يده بندقية ومدفعاً وقدم له دبابة!
أكتفي بهذه التوطئة تمهيداً لعرض ملاحظتين أو فكرتين، أطرحهما في الحقيقة للنقاش، تباعا في مقالتين:
– ان ظهور الدين في المجتمع، أو بالأحرى عودة الدين إلى المجتمع، إنما يدل من وجهة نظري، على تراجع الوعي الوطني وعلى توقف العمل في إطار المشروع الوطني تعبيراً عن تلاشي الشعور بالهوية الوطنية، فضلاً عن إلغاء دور النخبة، أو تهميشها ومنعها من النشاط في المجتمع . ليس المقصود هنا الفرد في معتقده الرباني وإيمانه، وإنما هو تحول الدين إلى «رابطة قومية وإلى عقيدة حزبية».
خذ إليك مثلاً الحالة اللبنانية التي وظفها المستعمرون الإسرائيليون من أجل غزو لبنان سنة 1982 . يمكن القول دون حرج، ان فكرة الوطن اللبناني كانت ملغاة أو غائبة كلياً خلف ضبابية تشكلت منذ سبعينيات القرن الماضي بفعل تداخل عوامل عديدة منها تنامي المد الطائفي المحلي على حساب الحركات السياسية العلمانية، لأسباب معلومة، تصاعد تأثير العامل الإسرائيلي في الأزمة اللبنانية، تحلل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، بالإضافة إلى ارتباك السياسة السورية نتيجة لاستشعار الخطر القادم على سورية بعد خروج مصر من الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
مجمل القول أنه كان للمستعمرين الإسرائيليين حضور على الساحة اللبنانية، لا شك في انه ساهم في تفاقم الفوضى العارمة التي سبقت الغزو . يحسن هنا تذكير الذين يتظاهرون بالنسيان أن المستعمرين الإسرائيليين توغلوا في سنة 1982 في الفراغ اللبناني، ولم يدخلوا في الواقع في حرب حقيقية ضد دولة وطنية، امتلكت إرادة الدفاع عن النفس.

تأسيساً عليه، لا بد من الإعتراف لحزب الله، بانه استطاع أن يوجه المد الديني، الذي كان منتشراً أصلاً بسبب اضمحلال الشعور بالإنتماء الوطني، ناهيك بإنقباض الدولة، نحو خلق هوية اجتماعية دينية، إذا جاز التعبير، ربما تكون مؤقتة أو دائمة، بحسب مفهوم هذا الحزب بانتظار أن تتبلور المواقف على كامل الساحة اللبنانية، وأن يصير إلى الجمع والتوفيق بينها.
ما يهمنا الآن هو أن هذه الهوية «الإجتماعية ـ الدينية» مثلت النواة التي انطلقت منها المقاومة في لبنان ضد الإسرائيليين الذي احتلوا جزءاً من التراب الوطني وراحوا يبتزون السلطة بقصد فرض شروطهم.
– كان منتظراً منطقياً أن يحاول الإسرائيليون والأميركيون بوجه خاص، في حربهم الضروس ضد المقاومة اللبنانية، ان يوجدوا «هوية دينية» متناقضة، متعارضة، مع هوية المقاومة «الدينية» . لا بد هنا من التسليم بأن اللبنانيين، رسمياً وشعبياً، بأغلبية ملحوظة، احتضنوا هذه المقاومة بصورة مقبولة جداً، ولم يسهلوا بالتالي مهمة السفير الأميركي السابق في بيروت، جيفري فيلتمان، الذي صرح دون مراعاة لسمعة عملائه، أنه صرف مبالغ ضخمة في الدعاية والتحريض ضد حزب الله. ولكن هذه التغطية الوطينة بدأت تنحسر تدريجياً بعد غزو العراق في سنة 2003 . كان واضحاً آنذاك ان الوحش الامبريالي ينوي إفتراس سورية ولبنان أيضاً . أقتضب هنا، فأقول أن المقاومة اللبنانية، ربما تكون قد خسرت في شخص الرئيس رفيق الحريري خصماً سياسياً استطاع أن يلجم الخطاب الطائفي والمذهبي الذي أفلت من عقاله من بعده . لا أظن ان الرئيس رفيق الحريري كان عدواً للمقاومة . من المرجح انه كان على علم بالخطة التي تحاك في المنطقة، وتحديداً في «الهلال الخصيب». ليس مستبعداً أن دوراً كان منوطاً به في إطار هذه الخطة، ولكني أعتقد انه كان أكثر عقلانية وواقعية وأشد ذكاء من الذين توكلوا بهذا الدور بعد إغتياله. أنا لا أقول أنه كان معترضاً على الخطة المذكورة.
– مجمل القول انه انطلقت تأسيساً على هذا كله، عملية دعائية كبرى غايتها الخداع، يمكننا تلخيصها كما يلي : «المقاومة ليست مقاومة» ضد المستعمرين الإسرائيليين (هذا لا يعني ان الذين ينكرون الجميل لم يطبعوا ولم يتفقوا مع الإسرائيليين)، إنها «أداة إيرانية» (أنظروا ماذا فعلت في العراق، انسوا الغزو الأميركي) . «إيران هي عدو العرب، وليست إسرائيل التي يمكننا ان نتوافق معها»، (والدليل على ذلك أن الفلسطينيين أنفسهم إتفقوا معها). «إيران هي خطر على الدين بواسطة التشيع»! (هذا لا يعني أن آل سعود نموذج يحتذى) و«التشيع هو خروج عن الدعوة» . ينبني عليه انه «يتوجب علينا تعطيل أدوات إيران في بلاد العرب درءاً للخطر الإيراني». هذا ما استلزم حلفاً إسلامياً ضد الإرهاب بادرت إلى تشكيله مملكة السعوديين، وتتطلب إعتبار حزب الله في لبنان «إرهابياً»!.
( يتبع )

:::::

“الديار”