بروكسل من متعة رأسمال معولم إلى وجع إرهاب معولم

عادل سمارة

إثر ضرب بروكسل لنفسها أو بيدها بالإرهاب، لماذا الصراخ؟ بل لماذا الكذب والنفاق من الغرب المعولم؟.

بداية، فإن العولمة مصطلح جديد لمشروع قديم جدا منذ أن قامت أول قبيلة بغزو قبيلة أخرى، واول دولة بغزو دولة أخرى، وبنفس الأفق المصلحي منذ أن تكونت أول امبراطورية حيث ابتلعت الدولة الأقوى اوسع مساحة وبشر ممكنين من دول أخرى. هذا ما مارسته كل أمة تمكنت من ذلك ومن لم يفعل فذلك لعجزه.

العولمة هي الوليد العدواني  المتوحش لإنسانية العالمية، كل نشاط إنساني فيه روح تحفزه نحو العالمية، أي الانتقال من راس لآخر ومن مكان لآخر. منذ أن نطق شاعر، حكيم، فيلسوف قديم أو كتب قصيدة أو غنى فما بالك بالموسيقى، كان يقصد أن تصل الكون بأسره.

وحين توصل عبقري لصنع الفأس ليغلب بها الطبيعة كان لا يزال في نطاق العالمية التي تبحث عن توفر الغذاء لأجل البقاء. لكن الفارق بين الإنتاج الفكري والفني وبين إنتاج أدوات الإنتاج أن صنع هذه الأدوات نقل أو أولج في البشرية جرثومة الملكية الخاصة التي فتكت بسمو العالمية لتحل محلها العولمة او لتتصارعان حتى اللحظة.  وربما منذ بدء الملكية الخاصة كانت لحظة الفتك تلك وحصول فالق هائل ما بينهما كان الطلاق بين العالمية والعولمة. وكانت إلى جانب ذلك هزيمة المرأة التاريخية وأيضا حتى اليوم.

مع الملكية الخاصة تمرد المالك على الشاعر والفنان والكاتب، وبدأ بمصلحته وإمكاناته اي حيازته  الخيرات المادية، بتجنيد ثقافة ومثقفين وفلاسفة يروجون له ويبررون استخدام الأداة للاستغلال. هؤلاء اسماهم غرامشي المثقفين العضويين لمن يملكون، وهو ما أفرز مثقفين عضويين نقديين ثوريين مشتبكين لدفاع عن من لا يملكون.

تسمح أو تُتيح لنا هذه المقدمة القصيرة بالانتقال عبر مراحل التاريخ المتعددة للقول بأن مختلف حروب الكرة الأرضية كانت محفوزة بالعولمة إلى أن وصلت البشرية أعلى توحشها بسيطرة نمط الإنتاج الراسمالي. نمط إنتاج عنوانه الوحيد هو الربح اللامتناهي. والربح اللامتناهي يبرر لصالحبه اختراق الجغرافيا والتاريخ والثقافة وعلم النفس. يبرر له تطويع كل شيء وصولا إلى ربح لا ينتهي.

هذا جوهر العولمة التي كرسها رأس المال كأشد حالات توحش البشرية، وهو الجوهر الذي احاط نفسه بدعاية وتنظيرات ونفاق وكذب في منتهى البلاغة والتزييف.

أحد تجليات هذا النفاق هو الزعم بأن العالم أصبح قرية عالمية. لكن الحقيقة تقول بأن هذا مثابة استخدام العالمية لصالح العولمة. العالم قرية واحدة فقط  للعولمة الرأسمالية، لحراك راس المال والسلع التي ينتجها له العمال في بحثه عن الربح وفي بحثهم عن لقمة العيش، نعم بحثه عن الربح حتى لو وفرته عظام الموتى. بحثا عن الربح اينما كان ذلك ممكناً.  أما حراك العمال فليس معولماً، بل حسب الطلب.

القرية العالمية هي مزرعة عالمية لراس المال هي تحويل العالم إلى قطاع عام معولم لراس المال. هي جوهريا قرية تتكون من جزئين:

       مركز المدينة

       وأطرافها

يدخل مركز المدينة كل شبر في الأطراف ولا تدخل الأطراف المركز إلا بإذنه أي إذا كان ذلك مُربحاً.

وكأية مسألة في التاريخ، احتوت هذه القرية العالمية على ذاتها ونقيضها، المركز والمحيط نقيض واحدهما للآخر. يتحرك رأس المال والراسماليين طبعا ببخترة وحرية، بينما يتسلل المحيط سراً إلى المركز.

تتدفق مئات الآلاف العمال من كل امريكا اللاتينية تسللا عبر المكسيك إلى الولايات المتحدة بحثا عن لقمة العيش من فم الوحش الأمريكي. إنه شكل من أشكال استعادة الثروة المنهوبة من أوطانهم لكن عبر محاولات فردية بحتة. طبقات بالملايين تتحرك كأفراد مفككين. وهناك في رحلة الموت يغرقون في بحر أصفر من الرمل ، ويموتون كما يموت اللاجئ السوري في بحر إيجه والمتوسط. بحر ازرق وبحر أبيض وبحر اصفر لا فرق كلها أجداث لا تشبع.

كان لي حظ الاعتقال لساعات مع هؤلاء المكسيكيين على الحدود عام 2010 حيث كنت وصديقين نحاول وصول الجدار العنصري الأمريكي مع المكسيك لنقارنه بالجدار العنصري في بلدي فلسطين رايت إهاناتهم وإعادتهم وحبسهم…الخ.

الجدار في بلدي فلسطين بناه ثيودور هرتسل الصحفي الصهيوني في كتابه “الدولة اليهودية” فقامت المستوطنة اليهودية الراسمالية البيضاء في بلادي باقتلاع شعبنا وإحاطة نفسها بجدران من الثقافة والفكر والإسمنت . أسمنت لكنه أفعى حية تتوسع تنمو دائما على “أمل” منها أن تصل الفرات والنيل.

بدأ الغزو من المركز، فكان لا بد لمحيط من غزو مضاد سواء بالعمالة أو بالإرهاب. يزعم الوحش الراسمالي ان الإرهاب الذي تفجر في بروكسل هو نتاج الديكتاتورية في سوريا. يعرف وحش المركز أن ديكتاتورية سوريا جنة ديمقراطية إنسانية مقارنة بحليف المركز في غزو سوريا اي الخليج النفطي وخاصة السعودية. فلماذا احتضان هذا الوحش السعودي الذي دمه النفط  واسنانه السيوف؟

لم تعد هناك بلاغة ولا حاجة لإثبات أن الولايات المتحدة هي التي خلقت القاعدة وطالبان ولاحقا الجيش السوري الحر والنصرة وداعش وخراسان.

صحيح ان الإعلام الغربي والتابع العربي لا يزال وسيبقى يكذب في هذا المستوى إلى أن يُقتل، وصحيح أن بسطاء يصدقونه، ولكن، معذرة ايها المساكين، نحن نخاطب ذوي العقول التي لم يعتريها الصدأ.

وإذا كانت إثباتات تصنيع الإرهاب الوهابي الراسمالي الغربي تخضع من البعض للتشكيك سواء فيما يخص متى بدأ التصنيع وتقاسم الأدوار بين الغرب الراسمالي وخاصة أمريكا وحكام الخليج، فإن خروج إرهابيين ثقافيا من الغرب إلى سوريا عبر تركيا كان يُحاط بنشيد إعلامي غربي مكتوب ومنشور، سواء كان الذاهبون ألى سوريا رجالا او نساء وبمختلف انواعهم من التروتسكي وحتى المثليين.

يؤكد الغرب نفسه أن بروكسل التي هي عاصمة الاتحاد الأوروبي وعاصمة الأطلسي هي نفسها عاصمة وملتقى تجميع الإرهابيين/ات الغربيين ومن ثم إرسالهم مع باقات الورد إلى سوريا. كنا نعتقد أنه تم تسهيل دخولهم إلى سوريا كي يموتوا هناك وتتخلص منهم بلدان المركز وكذلك القطريات العربية التي ارسلت منهم عشرات الآلاف. لكن عاد منهم الكثيرون لأنهم كانوا في بعثات تدريبية ليعودوا ويمارسوا الإرهاب المعولم لإقامة دولة الخلافة المعولمة، كما اشرنا في بداية هذا المقال بأن لكل طرف طموحه العولمي.

وعاد كثير من هؤلاء إلى أوروبا خاصة، واحتفظت بسجلاتهم دون اعتقالهم.

ترى هل اعتقدت اوروبا أن هؤلاء مثابة اشخاص ذهبوا لأجل الحج في الشرق العتيق؟ هل اعتقدت أنهم حيث ذاقوا طعم “الدمقراطية” خاصة وأنهم هم أو آبائهم هاربون من اوطانهم الأصلية خوف الجوع والقمع ولذا لن يعضوا من اطعمهم؟

هل اعتقدت أوروبا أن هؤلاء يعودون إليها في استراحة محارب ليعود ثانية إلى سوريا؟

وهل نسينا نحن تلك المقالات والمقابلات والفيديوهات عن بنات ذهبن علانية إلى سوريا حيث كانت الصحافة اللبرالية الغربية تتغزل في هذا التطوع وكأن هاتيك النسوة هن أمميات يتطوعن إلى ثورة اشتراكية يقودها القرامطة او تشي جيفارا؟

ولكن هل نسيت أوروبا أنها رفضت احتوائهم كمواطنين فاحتفظوا بحقد أعمى لينتقموا من عنصرية بيضاء فتجلى ذلك في عنصرية وهابية؟ وبأنهم بدل ان ينخرطوا في نشاطات طبقية في أوروبا أو يخلقوا نشاطات طبقية لهم، لجأوا إلى الطريق السهل.

وهل نسيت أوروبا أن هؤلاء قبل تسهيل أوروبا ذهابهم لتدمير سوريا كانوا قد تسلحوا يسلاحين دمويين ضد الحضارة والإنسانية:

       سلاح التثقيف الوهابي العنصري باللون الأسود من خلال بناء السعودية آلاف المساجد لتعميم الفكر الوهابي في أوروبا،  مقابل العنصري الغربي باللون الأبيض، لا فرق

       وبالتمويل النفطي العربي من الأنظمة واثرياء يزورون أوروبا للسياحة والجنس وينتقمون منها معاً!

هذا هو مناخ تفجيرات بروكسل وباريس وما سيأتي وقد يكون أخطر . وهو كذلك مناخ تفجيرات ليبيا وتونس.

وأختم هنا بما هو أخطر.

فالمتوحشة بل الشبقة  للسلطة والدم السيدة هيلاري كلنتون تقول، بان خطيئة أوباما أنه حاول تدمير سوريا بضخ الإرهابيين إليها خدمة “لإسرائيل”، أما هي فتقول، أنا سوف احتل سوريا بالقوة الأمريكية وأدمرها خدمة “لإسرائيل”!  (Hillary Clinton: Destroy Syria for Israel: “The Best Way to Help Israel” By The New Observer Global Research, March 22, 2016

)عجيب كيف تزعم الولايات المتحدة ان بها مجتمع مدني ينتخب هذه الوحشة المنفلتة بل لا يضعها في زنزانة انفرادية؟ ..  إذا وصلت هذه السيدة المريضة إلى سدة البيت البيض، فسندرك أن إرهاب داعش هو حالة من الديمقراطية مقارنة مع إرهاب هيلاري.

رأسمال معولم، قرية عالمية لا بد يولدان إرهابا معولما.