ملحوظات عن حرب تحرير تدمر

ثريا عاصي

 

«تحررت» اليوم مدينة تدمر السورية! التي كانت تحت سيطرة جماعات داعش. فهذه الأخيرة ليست مرتبطة بإتفاق وقف إطلاق النار. ما حمل الوزير الأميركي على القول بان استعادة الجيش العربي السوري لهذه المدينة لا يعد خرقاً للهدنة! ولكن ملك الأردن يكشف بالتزامن مع هذه التطورات عن سر لم يكن خافياً في الواقع إلا على الصم والعمي، مفاده ان الحكومة التركية الحالية، العثمانية ـ الإخوانية، هي محطة توزيع الإرهابيين الأساسية، نحو سورية والعراق. بمعنى أن الإرهابيين يتجمعون في تركيا ويمضون فيها فترة إعداد نفسي وعسكري في المعسكرات التي أقيمت لهذه الغاية، تحت إشراف خبراء أطلسيين. قال الملك الأردني أيضا أن تركيا تبيع إلى الأوروبيين النفط السوري، لحساب «داعش» واللاجئين السوريين. رغم أن تركيا وافقت على وقف إطلاق النار!
وفي هذا السياق يجب أن لا ننسى، ليبيا المحطة الثانية لتوزيع الإرهابيين . أخشى ما يخشى هو أن يأتي الدور قريباً على الجزائر وعلى مصر . في ليبيا أيضاً، نفط ولاجئون يرغبون في الهجرة إلى أوروبا أو الغرق في مياه المتوسط!
أنحني أمام جنود الجيش العربي السوري وأحيي وطنيتهم وشجاعتهم، وتحية إكبار وإجلال وفخر للشهداء. لعل تضحيتهم تكون درساً في الوطنية والإخلاق! للسوريين ولغير السوريين في بلاد العرب .
من نافل القول اني أتابع عن كثب الأخبار بحكم عملي وانحيازي أيضاً للقضية السورية وما أدراك ما القضية السورية فهي ليست قضية شراذم ومنازعات قبلية وطائفية. ولكنها قضية تملأ الدنيا. لذا أنا لا أكتب في يوم مدينة تدمر مقالاً، وإنما رسالة، أو قل تأبيناً لشهداء الجيش العربي السوري في تدمر. أعبر عن عرفان الجميل لهم، لقد تخيلتهم، وأنا أقرأ أسماءهم في الصحيفة، كوكبة من السوريين تنادوا وذهبوا من طرطوس إلى تدمر، ليشهدوا أن لا وطن لهم إلا سورية. لماذا يتخلى الكثيرون في بلاد العرب، بل يتنكرون للوطن؟ لماذا يتظاهرون بتصديق الوعود التي يقطعها الأشقاء «العرب على أنفسهم» وهم على يقين من أن الأخيرين يكذبون، فهم يكذبون دائماً؟ لماذا يستسلم الكثيرون في بلاد العرب إلى الأوهام وهم يعرفون انهم يهربون مضيعة للوقت؟

ارتجعت مداورة هذه المسألة في الذهن أمامي سلوك الوجهاء والإقطاعيين الفلسطينيين في ثلاثينيات القرن الماضي وبعدها، عندما كانوا يطلبون وساطة «الأشقاء العرب». فعلى سبيل المثال أجهضت كما هو معروف وساطة العراقي نور السعيد وابن سعود، والامير عبد الله في الأردن، الإضراب العام سنة 1936. طبعاً لا يتسع المجال هنا لكي نذكر جميع الوساطات والمؤتمرات والإتفاقيات وصولاً إلى مبادرة الملك السعودي عبد الله، قبل أن تسقط ورقة التين ويظهر الحكام على حقيقتهم.
ما يثير في الواقع حيرتي هو ظاهرة عدم الإلتزام بالشراكة الوطنية، عدم الصدق في الوطنية الذي نلاحظه لدى البعض. خذ إليك مثلا ً فلسطينياً ذهب لقتال السوفيات في أفغانستان. فلسطيني آخر اختار إمارة قطر، ليفكر من هناك في الثورة العربية. رئيس وزراء سوري سابق يبايع ملكاً سعودياً أوهنته أمراض الشيخوخة، رئيـس وزراء في لبنـان أغلب الظن أنـه مزدوج الجنـسية!
بكلام صريح وواضح، توجد في معظم البلاد العربية، فئة من أهلها لا تعـتبر البـلاد التي تعيش فيها وطـناً نهائـياً لها، أو بالأحرى تزعم هذه الفئة أن هذا الوطن هو بنظرها مؤقت . هذا ليس صحيحـاً على الإطلاق. بل هو في أصله خداع. الغايـة منـه إعاقة العمل عن تأدية الواجـب في بناء الوطن، في المحافظة عليه، في تحـريره.
ما هو نوع العلاقة التي تربط السوري الذي يقاتل ضد سورية تحت قيادة العثمانيين الجدد بالوطن السوري، او تحت قيادة متعاونين مع المستعمرين الإسرائيليين. ما هي العلاقة التي تربط الفلسطيني الذي بايع أمير قطر، بالقضية الفلسطينية. ما هي علاقة اللبناني أو الفلسطيني الذي يعتبر مقاومة المستعمر الإسرائيلي إرهاباً، بالوطن لبنان أو فلسطين؟
في المقابل يوجد في هذه البلاد العربية، اناس لا يحبون أوطانهم وحسب وانما هم بحاجة لهذه الأوطان، فهي ضرورية لهم ولأولادهم . هم على يقين بان السلطات في بلاد العرب لا تحسن الضيافة!
لقد قاتل أهل الجنوب اللبناني الغزاة الإسرائيليين وحدهم، دون العرب، لأنهم لا يتوهمون بأن لهم وطناً بديلاً عن لبنان. وأغلب الظن أن أبناء طرطوس، كمثل أهل الجنوب سيذودون عن سورية حتى تبقى وطنا لهم. إن وهبوا سورية، كل سورية دمهم!

:::::

“الديار”

____