البندقيّة والأزعر (2)

ثريا عاصي

 

هكذا فجأة، أو خلال أسابيع قليلة تظهر في بلادٍ المعروف أن أهلها يرزحون تحت وطأة أجهزة المخابرات وفي ظل نظام الطوارئ، تشكيلات مؤتلفة فتحتل المساجد كل يوم جمعة. يخطب ممثلوها في الناس يحضون على العصيان والتمرد، يأمرون بالخروج بعد الصلاة في تظاهرة يتعرض المشاركون فيها لنيران القناصة من البنايات القريبة، هكذا فجأة، يتبين أن في البلاد أطناناً من السلاح على أنواعه، موزعة على كافة المناطق، دون علم السلطة، هكذا بطريق الصدفة يتحدى سفيرا الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا الحكومة السورية، فيذهبا إلى مدينة حماة تعبيراً علنياً عن «انضمامهما إلى الثورة» !
«مؤامرة»، نعم هي مؤامرة، في مناخ ملائم، نتيجة لضعف الهوية الوطنية ولمعاودة حمى القبلية، أي ذهنية الإرتزاق على حساب الآخر، الغزو اكتسابا للغنائم. من البديهي ان هذا كله يتساوى مع مشكلات، في التربية والتهذيب سواء على مستوى الجماعة والفرد.
فعلى الأرجح ان السلاح دخل إلى سوريا، مثلما كان يصل إلى لبنان أثناء الحروب، وربما من الموانئ اللبنانية نفسها. ليس مستبعداً من وجهة نظري ان تكون بعض المواقع والمدن السورية قد سقطت بأيدي الإرهابيين بوسائل غير عسكرية وغير سياسية. ماذا يعني جنرالٌ سوريٌ انشق، فانتقل إلى تركيا، ليقود منها «جيش سورية الحرة» وليستقبل السيناتور الأميركي جون ماكين. هل تخيل نفسه الجنرال الفرنسي ديغول الذي قاد من إنكلترا الفرنسيين الأحرار في معركة تحرير فرنسا من الحكم الألماني النازي ؟ كيف يمكن تقييم سلوك رئيس وزراء سوري، ترك منصبه وارتمى في أحضان آل حمد ومن بعد في أحضان آل سعود، بمعايير السياسة الوطنية والأمانة للوطن السوري. ماذا يمكن أن يقدم آل سعود للسوريين في مجالات التقدم والتطور والمعرفة والثقافة والحرية؟ اللائحة طويلة!
ـ أوصلتني هذه المفارقات العجيبة إلى الفكرة الثانية التي أضعها بين يدي القارئ للنقاش. الأزعر هو الشخص الذي يتوكل بتنفيذ عمل، هو يعرف وموكله يعرف أيضاً، ان هذا العمل ليس يمقدوره. لا جدال في أن العيش في خيمة ليس مريحاً. ولكن الأزعر هو الذي يقبض المال مقابل ان يحرق خيمته وخيم الأخيرين، ليسكنوا جميعاً في خيم، ولكن في مكان آخر!

نعرف الآن، ان معركة تدمر استمرت مدة طويلة وكانت صعبة، واجه فيها الجيش السوري وحلفاؤه، جيشاً عدواً حشد عدة آلاف من الجنود، استخدم المدافع والعربات والمدرعات والأسلحة المضادة والألغام. من أين جاء هذا الجيش ومن يقوده ؟ قيل الكثير عن «داعش»، ولكننا في الواقع نجهل عنه كل شيْ؟ هذا إذا استثنينا الأِشرطة الدعائية عن الإحتفالات الطقسية التي يتخللها مشاهد قتل قبيحة. لا أبالغ في القول ان «داعش» عنوان لجيش من الأشباح يتواصل بشكل رئيسي مع الآخرين بواسطة صور مرعبة ومقززة . هذا الجيش الذي لا يتكلم، تطلب إخراحه من تدمر إستناداً إلى وسائل الإعلام، تدخل طيران الروس الحربي وأقمارهم الإصطناعية وعناصر من قواتهم الخاصة، فضلاً عن غضِّ الطرفِ من جانب الولايات المتحدة الأميركية؟ السؤال الذي يلح علي هو، هل نحن حيال وصفة سحرية جديدة أنتجت جيشاً لم نر مثيلا له في تاريخ العرب العسكري؟
ما يثير الدهشة في هذه المسألة إلى حد الذهول هو التحايل الذي أرخي على «داعش» ضبابية كثيفة فكأننا حيال جيش من الملائكة أنزل من السماء. العثمانيون الجدد ينكرون أيه علاقة تربطهم بـ«داعش»، لا نفطية ولا عسكرية، رغم ان مدفعيتهم ترمي على مواقع الجيش العربي السوري من وراء الحدود. الإسرائيليون يتبرأون طبعاً، ولكن سلاحهم الجوي يغير على مواقع الجيش العربي السوري. الأميركيون لا يجهلون أن اسلحة الجيش العراقي «الجديد» في شمال البلاد وشرقها وقعت بأيدي «داعش». أل سعود، وآل ثاني القطريون يشترون كميات هائلة من السلاح ويرسلون شحنات منه إلى سورية عبر تركيا.
مجمل القول ان المراقب يتخيل «داعش» جيشاً مجهول الهوية تجند في صفوفه تاجر المخدرات البلجيكي وقائد الدبابة ومسدد رماية المدفع والرجل الإنتحاري. ينتسب بوكو حرام في نيجيريا إلى «داعش» أيضاً. كل ألوان قوس قزح في «داعش».
لا بد في الختام من الإشارة إلى أن الأساليب القتالية التي يتبعها «داعش» تذكرنا بالحروب التي اشتعلت في أفغانستان والعراق وليبيا، واليمن، وقبل ذلك في الشيشان والجزائر. فاق في وقت من الأوقات، عديد الجيوش الخاصة، التابعة للوكالات الأمنية، في العراق عديد الجيش الأميركي الرسمي نفسه. جنود الجيوش الخاصة كمثل البهائم الكاسرة. أينما تحل الولايات المتحدة الأميركية تسود شريعة الغاب. خصخصة الولايات المتحدة الأميركية حروبها، وتعاقدت مع شركات ومع دول تابعة للقطاع الخاص، أعتقد أننا نستطيع استخدام هذا التعبير «دول تابعة للقطاع الخاص»، تتولى شن الحروب نيابة عن الولايات المتحدة الأميركية، حروب المارقين والزعران!

:::::

“الديار”