مناورات خطرة ينفذها معسكر العدوان …والرد السوري يجهضها

العميد د. أمين محمد حطيط 

استشعر معسكر العدوان على سورية خطر الخسارة التي أحاقت به على المسرح السوري ، فاتجه إلى مناورات في السياسة و الميدان عول عليها لتكون مخرجا له من الخسارة أو على الأقل لتكون له جسرا يعبره فيحدد خسارته ، و جاءت مناوراته هذه في أبواب ثلاثة ، سياسة ، و سلوكية ، و أخيرا ميدانية قامت بها الجماعات المسلحة التي صنف بعضها إرهابيا و بقي بعضها الأخر خارج التصنيف بالمعيار الأميركي الملتبس .لكن سورية و معها معسكر الدفاع لم تخضع للابتزاز و المناورات ، ردت على كل تصرف بما يناسبه حتى تجهض مفاعيله فكيف كان ذلك و ما هي النتائج ؟

أولا: على صعيد تصرف دي مستورا المبعوث الأممي إلى سورية يسجل امرأن: الأول إصراره على تعيين موعد الجولة المقبلة للحوار السوري السوري في التاريخ ذاته الذي حددته سورية لأجراء الانتخابات النيابية في 13 نيسان الجاري رغم أن الوفد السوري اشعر دي مستورا مسبقا بهذا التاريخ وتمنى عليه أن يعين الموعد بعده، لكن دي مستورا وبسلوك كيدي أصر على تلازم موعد الجولة مع موعد الانتخابات من اجل أحراج سورية ودفعها إلى رفض المشاركة فيحملها مسؤولية التعطيل.

أما الأخطر في سلوك دي مستورا فهو الخلفية التي حكمت صياغة ورقته التي سلمها للوفود المشاركة في المباحثات لتكون أساسا للنقاش، وهي ورقة وبالشكل التي صيغت فيه تخفي إرادة غربية للالتفاف على صمود سورية وانتصارها في حرب الدفاع عن الذات والمواقع والحقوق، فالتمعن في الورقة يفضي إلى تسجيل ملاحظات أخطرها ما يلي:

1)  النظر إلى سورية المستقبل كما لو أنها دولة منزوعة السلاح لا يجوز لها اللجوء إلى القوة حتى في الدفاع عن نفسها أو عن حقوقها سواء منها ما اغتصب كالجولان المحتل إسرائيليا أو ما يمكن أن يغتصب ويهدد ترابها الوطني ووحدته. فقد أصر دي مستورا على إلزام سورية في سياستها وسلوكها بدور سلمي دونما تمييز في المواقف، حتى وانه ترك امر تحرير الجولان للسياسة دون أي تهديد بالعمل العسكري بما في ذلك المقاومة التي هي حق للشعوب بموجب القانون الدولي العام وميثاق الأمم المتحدة. وهي الخدمة الأولى لإسرائيل (ونسأل لماذا زج الجولان هنا أصلا)

2)  النظر إلى سورية كما لو أنها تجمع مؤقت من أعراق وأديان وطوائف وفئات أثنية شتى لم تستطع أن تنصهر لإقامة الشعب الواحد في الدولة الواحدة، وبعد ذلك الحرص على الكيانات الذاتية لتلك المكونات وتعزيزها بما يحول دون بلورة فكرة الوحدة الوطنية بينها. وبهذا يكون دي مستورا قد استقدم النموذج اللبناني التعطيلي أو النموذج العراقي التقسيمي الذي جاء به المحتل الأميركي ليمنع بناء الدولة الوطنية القوية بوحدتها واستقلالها وسيادتها ويسدي مرة ثانية خدمة لإسرائيل.

3)  اللبس في النظرة إلى الإرهاب و المجموعات الإرهابية و هنا مكمن خطر أخر إذ و في ظل امتناع أميركا عن الالتزام بمعايير موضوعية لتحديد الإرهاب و في ظل المزاجية الأميركية في التصنيف مزاجية جعلت المقاومة إرهابا و الإرهاب الحقيقي معارضة مسلحة ، ثم تكليف سورية المستقبل بمحاربة الإرهاب مع حفظ المواقع في سلطتها لعملاء أميركا ، فان الخطر هنا يلوح من باب المواجهة بين سورية و منظومات المقاومة ضد إسرائيل ، و بالتالي فان دي مستورا في ورقته يكون قد تجاوز مسالة خروج أي سلاح غير رسمي من سورية ووقف دعم و احتضان سورية لحركات المقاومة ووصل إلى حد جعل سورية في الخندق المعاكس و دفعها إلى الالتزام بقتال المقاومة دفاعا عن إسرائيل .

4)  إظهار حرص مصطنع على دور المرأة في الحياة السياسية السورية وكأن سورية الحاضر تتنكر لهذا الدور كما هو حال السعودية مثلا. وإنني أرى في النص هنا خبثا وكيدية وإساءة للنظام السياسي السوري القائم منذ 46 سنة على أساس المساواة بين المرأة والرجل في كافة الحقول حيث نجد المرأة تضطلع بكل الوظائف في السياسة والإدارة والقضاء والقوات المسلحة.

5)  أما عن الحكومة المستقبلية والانتقال السياسي وغيرها من العبارات التي تضمنتها الورقة بالتأكيد شبه الحصري على بيان جنيف 1 فلن نقول ألا أن دي مستورا كما يبدو توقف عنده الزمن عند جنيف 1 كما تريد أميركا واتباعها ولم يستطع تفهم ومواكبة ما حصل في فيينا وبعدها وصولا إلى القرار 2254 الذي على أساسه نظمت هذه المباحثات.

ثانيا: على صعيد الوفد الجزئي لما يسمى المعارضة السورية المشاركة في جنيف. إذ رغم أن دي مستورا لم ينفذ ما الزم به في القرار 2254 بان تكون المباحثات سورية سورية شاملة وتشارك فيها الفئات السورية المعارضة السورية بأوسع مشاركة فانه اصر على الرضوخ لإملاءات من مكونات معسكر العدوان على سورية  و استبعد شرائح واسعة يمكن وصفهم بالمعارضة في الوقت الذي ضم الوفد المعين من قبل “تجمع الرياض المعارض”  إرهابيين ، و بهذا جاء التمثيل جزئيا منحرفا عن مضمون القرار 2254 ، و حتى يفاقم سوء المشهد يصر هذا الوفد على مطالب تعجيزية أيضا يضعها شرطا للبدء الفعلي بالمباحثات من قبيل التمسك بالحكم الانتقالي و استلام السلطة و القفز فوق الدستور القائم و هيئات الحكم التي تدير البلاد حاضرا بشكل شرعي يستند إلى انتخابات شعبية نظمت وفقا لهذه الدستور و الأنظمة و القوانيين  النفاذة .

ثالثا: على صعيد الميدان والمواجهات العسكرية. وهنا نجد أن معسكر العدوان على سورية لعب ورقته الأبشع والأخطر بانتهاك قرار وقف العمليات العسكرية ثم استعمال الأسلحة الكيماوية وزج أسلحة نوعية في الميدان بشكل استفزازي توخى منه استدراج سورية لرد يسقط قرار وقف العمليات ويستتبع وقف العمل على المسار السياسي فيتهرب معسكر العدوان من مستحقات هذا لمسار وتحمل سورية المسؤولية عن ذلك. وفي هذا السياق يقرأ الهجوم الواسع الذي شنته المجموعات المسلحة على مراكز الجيش العربي السوري في كل من ريف حلب الغربي والجنوبي ودخولها إلى بلدة العيس وتلتها ومحاولة اقتحام المراكز والمطار في كل من دير الزور والضمير ولجوء المجموعات المسلحة إلى استعمال غاز الخردل والكلور وأسقاط الطائرة الحربية السورية بصاروخ ارض جو في الشمال السوري. حدث كل ذلك ولم تسجل ردة فعل واحدة مستنكرة من أي من مكونات معسكر العدوان على سورية في سلوك يؤكد بان العمليات تلك ليست تصرفا ظرفيا موضعيا عارضا بل هي أفعال تندرج في سياق خطة هدف منها وضع سورية أمام خيارين: أما القبول بالأمر الواقع وابتلاع الخسائر وهنا تبدو ضعيفة فيصرف ضعفها لصالحهم في المباحثات، أو ترد بقوة يستجوبها الموقف فينهار وقف العمليات العسكرية وتتعطل جولة جنيف على مسؤولية سورية.

في مواجهة هذه المكائد التي حيكت بخبث وخداع مؤكد، التزمت سورية ومعسكر الدفاع عنها سلوكا وسطا يتسم بالحزم في الرد الميداني والمرونة في العمل السياسي للمحافظة عل المواقع والمكتسبات واحترام دستورها والقرارات المنبثقة عنه وبهذا السلوك المركب كان ما يلي:

1)  المضي قدما بأجراء الانتخابات النيابية وفي تاريخها المحدد، مع الاستجابة لدعوة دي مستورا إلى جولة المباحثات في جنيف ولكن في اليوم التالي للانتخابات فتكون سورية جمعت الأمرين معا وعطلت فخا نصب لها.

2)  الامتناع عن التعليق عن أي حرف أو معنى ورد في ورقة دي مستورا والتزام الصمت المطبق حيالها وترك الأمر للمباحثات في جنيف حيث سيسمع دي مستورا ما يؤكد على أن سورية التي قاتلت 5 سنوات دفاعا عن وحدتها وشعبها الواحد وقرارها المستقل وحقها بان تستمر دولة حقيقية لها ما لدول العالم من حقوق لن تتخلى عن أي شيء من ذلك ولن تعطي على طاولة التفاوض ما عجز المعتدون عن انتزاعه في الميدان، كما أنها لن تتنازل عن أي شيء رفضت التنازل عنه خلال تاريخها خاصة منذ العام 2003.

3)  أما في الميدان فقد شكل الرد العسكري المصحوب ببيان القيادة الميدانية في منطقة حلب ردا حاسما على انتهاك الجماعات المسلح لوقف العمليات العسكرية، رد تضمن امرين الأول يتعلق بالانتهاكات حيث أدى إلى إعادة الوضع إلى ما كان عليه مع إنزال الألم الشديد بالمعتدين والثاني التحضير لمعركة حلب ومنطقتها وهي معركة ستشكل العلاج الجذري للانتهاك وستنفذ بتخطيط محكم ينجز التطهير دون أن يتسبب بانهيار وقف العمليات لأنها معركة ستكون المواجهة فيها ضد إرهابيين بالتصنيف اوضد جماعات مسلحة تحللت من وقف العمليات وارتكبت جرائم حرب باستعمال السلاح الكيماوي .

:::::

“الثورة”، دمشق