أنا عربي أم ابنٌ لمجلس الأمن الدولي ؟!

ثريا عاصي

آخر المعلومات عن جنوح السعودية انها ذهبت إلى مجلس الأمن الدولي أملاً باستصدار قرار يوصِّفُ المقاومة اللبنانية بالإرهاب، ولكن روسيا والصين اعترضتا سعيها.
من البديهي إنك لا تستطيع أن تمر بخبر كهذا مرور الكرام. لأنه يرتجع أمامك بالقطع ما جرى في العراق ثم في ليبيا، وما يجري منذ خمس سنوات في سورية. كيف ننسى الدور الذي اضطلعت به جامعة الدول العربية وأمينها العام أنذاك السيد عمرو موسى في إطلاق آلة القتل والدمار، الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية، الحلف الأطلسي، ضد ليبيا. ولا شك في أن التاريخ سيحفظ صورة الأمير القطري وأمين عام جامعة الدول العربية، نبيل العربي، في مجلس الأمن الدولي، وهما يحاولان إقناع أعضاء هذا الأخير بتفويض الحلف الأطلسي، بضرب سورية!
يحق لنا أن نتساءل عن أسباب هياج السعودية بوجه خاص، ومشايخ الخليج على العموم؟ ما نوع الحُمّى التي تلازمهم دون هوادة منذ ثمانينات القرن الماضي حتى صاروا يمثلون خطراً على أنفسهم وعلى جميع الذين يقتربون منهم؟ لماذا لا تتركنا السعودية وشأننا. فبيننا وبينها صحراء شاسعة زادها النفط في الواقع قحطاً وخـُلـُوّا، بالضد مما نظن.
من البديهي أن أعداء المقاومة في لبنان، أخرجوا جميع أسلحتهم، ومن ضمنها المحرمة «وطنياً وأخلاقياً ودينياً» اذا جاز التعبير. لن أستعرض هنا طبعاً، هذه «المحرمات» جميعاً. ولكن أقول وأجزم، اننا حيال حرب على المقاومة في لبنان، وان الغاية من ذلك هي نفسها التي فشل المستعمرون الإسرائيليون في تموز 2006 في تحقيقها.
إن المناورات التي تجريها السعودية تمهيداً لإشعال جبهات ضد المقاومة اللبنانية، بالإضافة إلى الجبهة السورية، تثير لدى المراقب أسئلة لا مفر من طرحها. فهي تعنينا في الواقع جميعاً. إذ تتوقف على إجاباتنا عنها أمور عديدة، استناداً إلى أن السعودية ومشايخ الخليج أفصحوا دون خوف أو خجل عن العلاقة التي تربط بينهم وبين المستعمرين الإسرائيلين. هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية فلقد صار معلوماً ان ما سمي «بالثورات» أو «الربيع العربي» إنما يندرج في إطار تطويع وترويض الشعوب العربية، أو بالأحرى تدجينها على العيش في ظل المستعمرين حتى يستفيد الأخيرون من بيضها وريشها وحليبها وصوفها ودمائها وقدراتها على حمل الأثقال أو جرّها. وفي سيرورة التدجين هذه، لا أعتقد اننا بحاجة إلى شرح مطول عن الدور الذي اضطلعت به السعودية ومشايخ الخليج. الغريب في هذا السياق أن عقل جماعات من الناس في بلاد العرب، ومنهم مثقفون ومفكرون وفلاسفة وأساتذة جامعيون فضلاً عن رجال دين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، سمح لهؤلاء بأن يفتوا أو أن يفلسفوا ظاهرة «الثورة من دون ثوار» أو وجوب النوم في العراء، بعد هدم المنزل بحجة أن هذا الأخير قديم مُخلّع الأبواب، أو إقفال المدرسة لأن المعلم لا يصلي في التلامذة!
ولكن السؤال المركزي في موضوع العداوة التي تضمرها السعودية للمقاومة اللبنانية هو عن أصل وأسباب هذه العداوة التي أعتقد انها وصلت إلى أقصى درجة. لماذا يكون تدخل السعودية في سوريا مقبولاً، إيجابياً، بينما يـُعتبر في نظر السعودية وأتباعها من الحكام العرب، تطوع المقاومة اللبنانية إلى جانب الجيش العربي السوري سلوكاً إرهابياً ؟ هل السعودية أقرب إلى السوريين من اللبنانيين؟ لماذا تتقدم السعودية أعداء المقاومة اللبنانية، إلى حد انها صارت في خندق واحد مع المستعمرين الإسرائيليين.
ما هي النتائج التي تتوخّاها السعودية من توصيف المقاومة اللبنانية في مجلس الأمن الدولي، بالتنظيم الإرهابي ؟ الصومال، العراق، ليبيا ؟ هل تدعي السعودية انها شرطي البلاد العربية، حفاظاً على المصالح الأميركية، أم صوناً لأمن دولة المستعمرين الإسرائيليين؟
لنفترض أن المستعمرين الإسرائيليين عاودوا مرة أخرى الحرب على المقاومة اللبنانية، وهذا من الفرضيات المحتملة، ماذا سيكون موقف السعودية من العدوان الإسرائيلي ؟ من نافلة القول، استناداً إلى ما تقدم، انها ستدعم العدوان الإسرائيلي. في الحقيقة، هذا لن يغير شيئاً في المعطيات الثابتة المعروفة من قبل جميع الذين لا ينكرون الوقائع إذا تبدت لهم بوضوح. ولكن المشكلة هي في أن جزءاً من اللبنانيين، ربطوا مصيرهم بالسعودية، دون أن يكونوا بحسب رأيي، على بينة من طبيعة السلطة فيها. بناء عليه أعتقد أن اللبنانيين، إذا استثنينا منهم بعض أصحاب الرؤوس الحامية، لن يستطيعوا أن يتبعوا السعودية إلى حيث وصل الأخيرون. ولكن هذا موضوع آخر !
يبقى أن أقول في ختام هذا الفصل ان لدي انطباعاً بأن السياسة التي تنتهجها السعودية مردها في أغلب الظن إلى الخوف والارتباك من الوحش الأميركي. «إذا رأيت أنياب الليث بارزة فلا تحسبن أن الليث يبتسم». من المحتمل أن تكون محاضر التحقيق الأميركية التي يـُكشف عنها في الوقت المناسب، تثبت تورط السعودية في هجمات 11 أيلول. إذا صح ذلك تكون الاخيرة فعلاً في ورطة كبيرة. ربما كان القصد من شراء جزيرة تيران مفتاح خليج العقبة ودخول «حرب أوكتوبر 1973» الآن في نيسان 2016، من أجل الحصول على حق التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد التي أُبرمت في 17 أيلول 1978، بين مصر وبين المستعمرين الإسرائيليين، بالإضافة إلى الحرب على المقاومة اللبنانية، ربما يكون القصد من هذا كله هو تأجيل الكشف عن محاضر التحقيق الأميركية! إنها سياسة الهروب إلى الأمام !