إنقلاب القصر وآلهة التمر

ثريا عاصي

يتكشف دليل جديد على حقيقة المثقفين الإنتهازيين في دنيا العرب، الذين إئتلفوا في جوقات وراحوا يطبلون ويصفقون وبحت أصواتهم وهم يهتفون: الثورة… الثورة… عاش ابن سعود… عاش السلطان العثماني… عاش أوباما… عاش الرئيس الفرنسي هولاند مكمل ثورة 1789 وحارس حقوق الإنسان في هذا العالم… عاش كاميرون البريطاني… عاش هؤلاء الأبطال الدوليون الذين حرروا ليبيا… وسيحرورن سورية !
هذا ما عانينا منه طوال خمس سنوات. تتناهى الآن الى السمع همهمة مصدرها المثقفون المشار إليهم أعلاه توحي بأن أملهم خاب في سورية، فشلت «الثورة». ما هو إذاً، مبرر المباحثات التي تجري في جنيف تحت الرعاية الشكلية للأمم المتحدة!؟ ماذا تقول « عقول الثورة السورية» لا شيء ؟! يدور القتال في سورية باسم «داعش» وباسم «القاعدة». الغريب أن هذين التنظيمين غير ممثلين بحسب علمي في المباحثات المذكورة! من يمثلهما ؟
لنتخيل أن تنظيمي «داعش» و«القاعدة» غير موجودين في سورية ! يمكننا أن نقول أنه لولا هذان التنظيمان لما كانت الرقة وتدمر والمناطق الشمالية الغربية المحاذية للحدود التركية، والمواقع القريبة من الحدود الأردنية جنوباً جميعاً تحت سيطرة «المتمردين» ولما خسر الجيش العربي السوري عدداً من جنوده وجزءا من عتاده ! ولما استنفد قسطاً من قدراته. يستتبع ذلك، انه لولا «داعش» و«القاعدة» لكان من المحتمل أن يحسم هذا الجيش الصراع ضد خصومه لصالحه.
لا أعتقد انه بإمكان المراقب، بصرف النظر عن موقفه من الأطراف المتنازعة في سورية أن يدعي معرفة تفاصيل ما يتصوره «داعش» و«القاعدة» لسوريا بما هي وطن، مجتمع وطني، سياسة الوطنية. لم يصدر هذان التنظيمان بيانات، دراسات، أو برامج. يظن المراقب انهما ممثلان بشخصيات أسطورية، غير ناطقة. ما وصلنا منهما في مجال العلاقات العامة، هو أفلام قتل وذبح وحرق، مرعبة وصادمة. ليس لديهما شيء للسوريين، لسورية، إلى حد أن المرء يتساءل عن تأثير الاتفاقيات التي قد يتوصل إليها المؤتمرون في جنيف، على هذين التنظيمين الذين لا يعتبران أنفسهما بحسب ظاهر الأمور شريكين في مطابخ السياسة الدولية، رغم ان لهما، كما تفيد الأخبار الوزن العسكري الأكبر في جبهة أعداء الحكومة السورية ؟
يحق لنا، استنادا إليه، أن نقول أنه من غير المستبعد أن يكون لآل سعود ولأمراء الخليج والولايات المتحدة الأميركية وتركيا، دالّة على «داعش» و«جبهة النصرة» (القاعدة). وبالتالي فإن درجة عنف قوة هذين التنظيمين، ترتفع وتنخفض بحسب حاجة الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها والتابعين لها، إلى محاربة «الإرهاب» وإلى «محاربة السوريين» في آن واحد أو على التوالي !
أعود بعد هذا كله إلى الأزمة السورية نفسها، التي كلما أمعنت التفكير في آلياتها تبدت أمامي معطيات لا مفر من التوقف عندها. منها على سبيل المثال، اننا نلاحظ أن عناصر من السلطة في سورية، معروف عنها أنها لعبت طيلة عقود ثلاثة ونيف من الزمن 1975 ـ 2003، دوراً سياسياً رئيسياً سلبياً بل سيئاً، في سورية وفي لبنان على حد سواء، انقلبت هذه العناصر الفاسدة على السلطة تباعاً، بموازاة احتلال العراق وتصاعدت الضغوط الأميركية على الحكومة السورية. أكتفي هنا بهذا الإستطراد، لأن الموضوع يحتاج إلى تفاصيل لا يتسع هذا المجال لها، لأقول أن اللافت للنظر هو ان أعوان السلطة في سورية الذين انقلبوا عليها، ظهروا منذ بداية الأزمة بمظهر المرتبطين بجهات غير سورية، عربية وأميركية ـ أوروبية تبنت حركة التمرد وأمدتها بوسائل عسكرية وشجعتها على إشعال الحرب ضد الدولة السورية. إلى حد اننا نستطيع القول، أن ما جرى في سورية في الأصل هو انقلاب في داخل القصر، بادرت إليه عناصر مهترئة فاسدة كانت في صلب السلطة، تنكرت لأسياد الداخل، لصالح أسياد أجانب!
في المقابل نجد أن المعارضين الوطنيين للسياسة التي طبقتها الحكومة السورية قبل اندلاع الحرب، أو بالأحرى قبل الإنقلاب الذي لمحنا إليه، قد وقفوا يذودون الأعداء عن بلادهم خلف قيادتها الشرعية.
مجمل القول أن العناصر المشبوهة، التي ارتكبت أثناء عملها في خدمة السلطة السورية الجرائم وجمعت الأموال، هي التي تقود «الثورة الأميركية» ضد هذه الأخيرة. ليس من حاجة للبسط والتوسع من أجل إثبات هذه الخلاصة : ففي الرياض رئيس وزراء سوري سابق، وفي فرنسا نائب سابق لرئاسة الجمهورية، ووزير أسبق للدفاع وإبنه، جنرال في الحرس الجمهوري، فضلاً عن عدد من الجنرالات والوزراء السابقين يتنقلون بين إمارة قطر وبين اسطنبول. انضم هؤلاء جميعاً إلى جيش أميركا ضد سورية، إلى جانب كتائب أخرى في هذا الجيش كمثل كتيبة المثقفين التافهين المثيرين للإشمئزاز وللسخرية.
أخشى ما يـُخشى هو أن تثبت صحة فرضية مفادها ان البعض يحاولون أن يظهروا بشتى الوسائل أهليتهم لأن يصيروا أميركيين ـ أوروبيين، سويين سياسياً وفكرياً. فلو إقتضى ذلك، خيانة أهلهم وتدمير بلادهم خدمة للإمبريالية الأميركية- الأوروبية، لفعلوا. هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية، فلقد وظف رجال الدين انتصارهم على النخبة بمساعدة السلطة، وأغلقوا عقول الفقراء، وخربوا المدارس ومنعوا التعليم وغشوا البصر فصار الناس يكسبون قوت يومهم، من أعمال القتل والذبح والتدمير. قد يأتي يوم يضطرون فيه إلى بيع الدم الذي يجري في عروقهم، وقد لا يبقى لديهم ما يأكلونه سوى آلهة التمر !

:::::

“الديار”